اتخذ الاتحاد الأوروبي في أكتوبر الماضي قراراً مهماً ببدء المفاوضات مع تركيا بشأن عضويتها المستقبلية فيه. وقد أسدل الستار أخيراً على الفصل الأول من تلك المفاوضات بنجاح. بدأت تركيا رحلة طويلة ستستلزم المزيد من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية وتعجّل من عملية الالتقاء بدول أوروبا المتقدمة.
هناك الكثير من الأمور التي يتوجب انجازها قبل الدخول إلى الاتحاد الأوروبي على المستويات السياسية، الاقتصادية والفنية، كما أن هناك تحديات كبرى تلوح بوادرها أمام تركيا، بما فيها التحديات في مجال حقوق الإنسان. ولكنّ هناك تحديا ماثلا أمام حكومات أوروبا أيضاً. وكثير من الأوروبيين قلقون حيال عجز الاتحاد الأوروبي عن قبول أو تبني دولة بحجم تركيا.
وعلينا التمكن من إيضاح أن هذه المخاوف ليست في محلها. إن اقتصاد تركيا- الذي دعمته الإصلاحات الأخيرة- ينطلق على خير ما يرام. و من الصحيح أن أسواق تركيا المالية قد تأثرت بالتقلبات أخيراً ولكن الثوابت الأساسية في حالة جيدة.
ومن المحتمل أن يجلب انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فوائد أكبر مع اعتماد معايير أرفع في الحكم. وبينما يتاح لتركيا بالفعل الدخول بصورة جيدة من خلال الاتحاد الجمركي فإن انضمامها الفعلي إلى الاتحاد الأوروبي سيدخلها بصورة كاملة إلى السوق الداخلية.
وهذا الأمر من مصلحة تركيا. ولكنه من مصلحة بقية دول أوروبا أيضاً، فهو يحقق سوقاً كبيراً متنامياً للمستهلكين وطلباً متزايداً لخدمات المصارف والتأمين وبيئة استثمارية أكثر استقراراً وشفافية. عندما توسع الاتحاد الأوروبي في الماضي توسعاً كبيراً عام 2004 لم يكن استثناء- كان هناك تأثير ايجابي على اقتصاد الدول الأعضاء الموجودة.
وهكذا ستكون حال تركيا.
نحن في بريطانيا نرى بالفعل بعض الفوائد من تركيا المتنامية، فالشركات البريطانية من قبيل فودا فون، بي بي، تيسكو، اتش اس بي سي وشل تحقق أرباحاً كبيرة هناك. ويبلغ عدد السياح البريطانيين في تركيا مليوني سائح. كما نرى العمال المهرة من أوروبا الشرقية يدعمون اقتصاد بريطانيا، فإن بإمكاننا أن نتوقع الأمر ذاته إذا انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. في الواقع عندما يتقدم العمر أكثر بالسكان في أوروبا الغربية، فإننا نرحب بالشباب التركي المتعلم.
تشير بعض التقارير إلى أن هجرة العمال هذه ستضيف إلى الناتج الإجمالي المحلي بين 5,0% و7,0% للدول الأوروبية الغربية. ولكي تتأكد قارن بتقديرات- كلها أقل من 2,0% من مقدار كامل الناتج الإجمالي المحلي للاتحاد الأوروبي والتي ستقدم إلى تركيا كإعانة مالية صافية.
باختصار، فإن التهديد الأكبر الذي يواجه الشعب الأوروبي لا يأتي من ترك الأبواب مشرعة لاقتصاد متوثب وديناميكي كاقتصاد تركيا وإنما من حبس أنفسنا والسماح لأوروبا بأن تعاني من الركود في وجه المنافسة الدولية.
وهناك أيضاً قضية الاستقرار والأمن. مجدداً، ربما تكون نتيجة دخول تركيا الاتحاد الأوروبي بصورة ايجابية ساحقة. فلتضع قائمة للأمور التي تقض مضاجع الشعب في بريطانيا، جرائم،مخدرات،إرهاب، هجرة غير قانونية بسبب موقعها الجغرافي فإن تركيا تلعب دوراً حيوياً في مساعينا للتعامل مع كل هذه الأمور. ومع إدخال الإصلاحات السياسية والقانونية، فإن قدرة تركيا على التعامل مع هذه الجرائم ستزداد ، شأن ذلك مستوى تعاوننا معها.
كما أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي لن يضمن أن اقتصاداً كبيراً متصاعداً يخطو الخطوات الصحيحة لمعالجة تقلبات المناخ فحسب، وإنما سيساعدنا وضعها المتصاعد باعتبارها محور عبور لإمدادات الوقود والغاز في ضمان مصادر الطاقة التي نحتاج إليها لاستمرار إدارة أعمالنا والتمتع بالدفء في بيوتنا.
هذه هي الأجندة البراغماتية، وهي السبب الحقيقي لكون النساء والرجال في بريطانيا سيكونون أفضل حالاً إذا انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن هناك أمراً أكثر إلزامية. فعلى امتداد أكثر من ألف عام تم تقرير الحدود بين أوروبا وآسيا من خلال سفك الدماء والصراع. ورسم الدين في كثير من الأحيان خط الانقسام. ويظهر الترحيب بتركيا- مع أعداد المسلمين الكبيرة فيها- ان ما يربط أوروبا الحديثة ببعضها هو مجموعة من الحقوق الأساسية والحريات مع الأهداف المشتركة، بغض النظر عن العرق أو الدين.
هذه رسالة قوية نوجهها ليس للشعوب ذات الأديان المختلفة التي تقيم في الدول المجاورة بل إلى الملايين ممن يقيمون بالفعل في داخل حدود الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب علينا جميعاً الاحتفاء بتركيا التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع الاتحاد الأوروبي، تركيا الحديثة والمزدهرة.
ترجمة: كوثر علي
عن «الغارديان»
