تعد الهجمات المكثفة التي شنتها إسرائيل على لبنان عقب اختطاف جنديين إسرائيليين من قبل حزب الله أكثر بكثير من مجرد اندلاع للنيران على الحدود المتوترة. كما أنه يمكن النظر إليها- بحسب بعض المراقبين- باعتبارها امتداداً لهجوم معاكس ضد القوة الأميركية- الإسرائيلية في المنطقة من قبل إيران وسوريا، تعمل من خلال حزب الله ومنظمة حماس الفلسطينية.
غير أنه إذا كانت أميركا وشركاؤها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أذكياء، فإن بإمكانهم استغلال هذه الأزمة لتعزيز أهدافهم الأمنية في الشرق الأوسط ولمساعدة لبنان على الخروج من مستنقعه السياسي هو نفسه.
وذلك لا يعني القول إن دائرة الهجمات والرد عليها بين حزب الله وإسرائيل هي مجرد حرب بالوكالة. فكلا الجانبين خاضا صراعاً طويلاً في جنوب لبنان، وذلك على الرغم من أنه منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، اقتصر الأمر على منطقة صغيرة متنازع عليها وتم احتواؤه بقواعد غير مكتوبة. ومع ذلك قام حزب الله بتجاوز ثلاثة خطوط سياسية.
يتمثل الخط الأول في قيامه بتوسيع نطاق العمليات العسكرية إلى خارج منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها. وبينما كان حزب الله قد قام بذلك فيما مضى، بل وقام بقتل بعض الجنود الإسرائيليين، فإن العمليات الأخيرة كانت لا تطاق بالنسبة لحكومة إسرائيلية تعاملت بالفعل مع قضية اختطاف جندي آخر من قبل حماس.
والخط الثاني الذي اجتازه حزب الله كان تنسيقه الواضح في الإستراتيجية مع حماس. قد مضى هذا الأمر إلى أبعد بكثير من هدفه المعلن الذي تمثل في الدفاع عن لبنان، وجعل إسرائيل تشعر بأنها تخوض حرباً على جبهتين. أما الخط الثالث الذي تم اجتيازه فقد كان محلياً. وهو جر لبنان بصورة منفردة إلى صراع مع إسرائيل، وقد سعى حزب الله إلى توجيه ضربة إلى الغالبية المناهضة لسوريا في البرلمان والحكومة التي تعارض خطوة حزب الله العسكرية.
لحزب الله مقاعد في البرلمان المكون من 128 عضواً ولكن له علاقة متوترة مع الغالبية، التي كانت في وضع الدفاع في الوقت الذي حاولت فيه سوريا تأكيد سيطرتها على لبنان عقب انسحابها العسكري العام الماضي. كان حزب الله بصورة واضحة يأمل في إحراج الساسة المناهضين لسوريا وذلك عن طريق إجبارهم على تأييد عمليات الاختطاف وإظهار مدى محدودية سيطرة الحكومة عليه.
تريد إسرائيل أن يدفع لبنان ثمناً باهظاً لعدم تبنيه موقفاً واضحاً من حزب الله، إذ أنها فرضت حصاراً جوياً وبحرياً وتقوم بشن هجمات جوية على لبنان، بما في ذلك هجمات على مطار بيروت. ومع ذلك، فإنها أبقت سوريا خارج دائرة إداناتها، في اختلاف واضح مع التصريحات التي أدلت بها إدارة بوش عن ضرورة القيام بتسليط الضوء على مسؤولية إيران وسوريا عن العمليات التي يقوم بها حزب الله.
وقد قامت إيران منذ وقت طويل بتمويل حزب الله، وقالت الحكومة الإسرائيلية أخيراً إنها تخشى أن الجنديين المختطفين يجري نقلهما إلى طهران. ولكن سوريا من منظور واشنطن تعد رابطة عدم الاستقرار في المنطقة، فهي تقوم بتوفير ملاذ للعديد من القوى الفلسطينية المتشددة، وإرسال الأسلحة إلى حزب الله وتقويض سيادة لبنان الهشة.
ما إن تنتهي إسرائيل من هجومها، حتى يعيد حزب الله تنظيم صفوفه ويواصل الإبقاء على وضعية الميليشيا التابعة له، وهي القوة الفعالة في لبنان. وسيواصل قادة حماس في دمشق إخراج المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين عن خطها. وستواصل سوريا موقفها من لبنان.
ويرى بعض المراقبين الغربيين أنه يتعين على إسرائيل وأميركا استغلال قيام حزب الله بالاعتماد أكثر من اللازم على قوته. إن النقطة الجوهرية هنا هي أن حزب الله أشعل صراعاً لا يمكن للبنان الفوز فيه. وقد تم القضاء على موسم الصيف السياحي في لبنان، وهو مصدر نادر للعائدات في بلد يعاني عجزاً مالياً. وحتى أنصار حزب الله في لبنان، لن تروق لهم رؤية مدنهم وقراهم تتحول مجدداً إلى ساحة تزهق فيها الأرواح.
وبينما لم تكن مساعي الأمم المتحدة فعالة تجاه الشرق الأوسط، فقد تكون المنظمة الدولية الجهة المناسبة للتدخل في هذا الأمر، إذا كان السبب هو أن لديها هراوة قرار مجلس الأمن رقم 1559، الذي تم تأكيده عام 2004 و ـ من بين أمور أخريـ المطالبة بنزع سلاح حزب الله.
ينبغي على الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، أن يضعوا في عين الاعتبار المبادرة الكبرى التي تقوم على القرار الذي سيتضمن اقتراحاً لجمع أسلحة حزب الله، والضمانات المكتوبة من قبل إسرائيل التي من شأنها احترام السيادة اللبنانية وسحب القوات من الأرض اللبنانية المتنازع عليها، وإطلاق سراح الأسرى من كلا الجانبين.
وقد يجد مثل هذا الاتفاق دعماً من ساسة لبنان المناهضين لسوريا، وقد يضيق الخناق بقوة على قدرة حزب الله في جهوده لتبرير احتفاظه بأسلحته، وقد يعطي سوريا وإيران إشارة لأن تبقيا بعيداً عن المنطقة.
هناك نقطة مهمة جديرة بالالتفات إليها، وهي أنه ليست هناك حكومة لبنانية بإمكانها المساعدة في تطوير مثل هذه الخطة بصورة شرعية إذا حاولت إسرائيل ( إعادة عقارب الساعة عشرين عاماً في لبنان). لذا يتعين على إسرائيل ترك الدبلوماسية تتولى زمام الأمور.
عن (نيويورك تايمز)
ترجمة: كوثر علي
بقلم: مايكل يانغ