عندما سئل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حديث في برنامج (توداي) الذي يقدمه مات لوير عن التأنيب القاسي الذي وجهه نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني إليه وإلى روسيا أخيراً أجاب بشيء من الزهو والتهكم: «أعتقد أن مثل هذه التعليقات التي صدرت من نائب رئيسكم تساوي تماماً طلقة غير موفقة لقناص أثناء الصيد».
في روستوك بألمانيا، رفض الرئيس الأميركي بوش الدفاع عن تشيني أو الرد على بوتين على الرغم من الكلمات القاسية التي وجهها نائب الرئيس في ليثوانيا أخيراً- متهماً روسيا بالارتداد عن الديمقراطية واستخدام نفطها كسلاح لابتزاز الدول المجاورة- نالت استحسان البيت الأبيض.
لا يأبه بوتين الحاصل على الحزام الأسود في الكاراتيه والذي قيل عن بوش إنه سبر قرارة روحه قبل خمس سنوات- عندما كان يحدق في عيني ضابط جهاز الكي جي بي السابق- بالهراء الذي يصدر من هؤلاء الأميركيين.
ذلك يعد من أسباب ارتفاع شعبية بوتين في روسيا أكثر من شعبية بوش في أميركا مرتين وأكثر من شعبية نائب رئيسها أربع مرات. وفي الشاطئ الشرقي لديلاوير، حيث كانت الفتيات الجامعيات تأتين من أوروبا الشرقية للعمل في الصيف- كان بوتين يحظى بشعبية تعادل شعبية نجم موسيقى روك بين الروس.
لماذا تزداد شعبية بوتين في روسيا؟ ولماذا لم تعد أميركا كذلك؟ وتماماً كما كان أحد الانجازات لإدارة ريغان وبوش تحويل روسيا من قوة عالمية معادية برئاسة برجنيف إلى دولة صديقة برئاسة بوريس يلستين، فإن هذه القضايا ينبغي أن تكون موضع اهتمامنا. نظراً لأن العلاقة بين القوتين النوويتين العظميين على الأرض مضت في التردي إلى أدنى مستوياتها.
ويسوق الأميركيون هذه الأسباب لتبرير هذا التباعد بين البلدين، عودة بوتين إلى النزعة السلطوية، دعمه للأنظمة القمعية في روسيا البيضاء وأوزبكستان، وقربه من بكين (بما في ذلك إجراء المناورات العسكرية المشتركة)، وقيامه ببيع هوجو شافيز الطائرات الحربية وطهران الصورايخ المضادة للطائرات ودعم مفاعل إيران النووي، اعترافه بفوز حماس في الانتخابات، ابتزازه النفطي لأوكرانيا بالنفط، تشويشه على إذاعتي «أوروبا الحرة» و«الحرية»،
واتخاذه إجراءات صارمة ضد ترويج المنظمات غير الحكومية الأميركية للديمقراطية في روسيا. ويبدو أن كل هذه الأمور قد تم التخطيط لها من أجل إظهار استقلال روسيا عن أميركا، و- في الواقع - تحدي القيادة الأميركية للعالم.
وذلك ليس بالاستنتاج الظالم لروسيا. لكن يتعين على الأميركيين أن يسألوا أنفسهم عما إذا كانوا يستحقون ذلك أم لا. حيث يتعين علينا التفكير في الكيفية التي تعاملنا بها مع مصالح روسيا وحساسياتها.
وفي ضوء الاستماع إلى المستشارين الأميركيين وهم يتحدثون حول خصخصة ثروة الدولة السوفييتية، رأى الروس اللصوص ينهبون ثرواتهم الوطنية، والترحيب «بالأوليغاركيين» في الغرب، في الوقت الذي شهدوا انخفاض متوسط الدخل الفردي في بلادهم وغياب الضمان الاجتماعي.
وقد رأوا القصف الأميركي وهو يسفر عن إخضاع أمة صربية كانت روسيا دائماً تنظر إليها باعتبارها ابنتها الروحية في البلقان، وذلك لارتكاب صربيا جريمة محاولة التمسك بكوسوفو.
ورأوا أميركا تتراجع عن تعهدها الذي التزمت به عندما انسحب الجيش الأحمر من أوروبا- وتدفع الناتو إلى بولندا، دول البلطيق، البلقان والآن أوكرانيا وجورجيا. وهذا هو المعادل السياسي لحالة تتمثل في قيام بريطانيا العظمى في حالة تفكك الولايات المتحدة في غمار الحرب الأهلية بجعل فرجينيا وساوث كارولينا وتكساس مناطق تابعة للإمبراطورية البريطانية.
كما أنهم رأوا العملاء الأميركيين، بقناع (الحملة للدعوة إلى الديمقراطية)، يتسببون في هزيمة الحكومات المؤيدة لروسيا في كييف و تبليس- من خلال المشروع الذي فشل في مينسك- وانتخابات أنظمة تعهدت بتغيير سياساتها لتتوجه نحو الاتحاد الأوروبي، الناتو والولايات المتحدة.
ورأوا الأميركيين يتآمرون مع الجمهوريات السوفييتية السابقة لتطوير خطوط الأنابيب التي لن تتجنب اجتياز الأراضي الإيرانية فحسب، وإنما اجتياز الأراضي الروسية أيضاً. ورأوا القواعد الأميركية في وسط آسيا التي تمت الموافقة عليها من أجل حرب الأفغان وهي تأخذ طابعاً دائماً.
وقد سمعوا هتافات المحافظين الجدد للمسلحين الشيشانين والمسؤولين من أمثال تشيني وماكين وهم يوبخون بوتين وروسيا، مع قيام بعض هؤلاء المسؤولين بالمطالبة بإبعاد روسيا من مجموعة الدول الثماني الكبرى.
وخلص بوتين، محقاً، إلى أن هؤلاء الأميركيين لا يريدون شركاء، وإنما عملاء. ولكن بوتين ليس بلير. فهو رجل وطني وقومي، بدأ باستعادة استقلال موسكو واحترامها لذاتها وبدأ بالتطلع إلى أن تأتي روسيا أولاً. واعتزم الوقوف من أجلها، حتى وإن عنى ذلك التصدي للولايات المتحدة، وهو السبب الذي دفع الكثير من الروس إلى احترامه.
فقد فرض ضريبة مخفضة، وجرد الأوليغاراكيين من ثرواتهم وزجهم في السجن أو طردهم من البلد، وشرع في استخدام ثروته النفطية كما تفعل القوات العظمى دائماً وبدأ بتغيير سياسته الخارجية من دون استشارة واشنطن، تماماً كما أن واشنطن لم تستشره على الإطلاق.
وعلى الرغم من أن الغرب بدأ يخسر روسيا، إلا أن روسيا لم تفقد. ولكن الثمن الأدنى لإعادة حسن نوايا روسيا هو البدء بمعاملتها كدولة عظمى. ويعني ذلك الابتعاد عن طريقها، وإبعاد الناتو عن شرفتها الأمامية، وإبعاد قواعدنا ووكلاء دعاية الحرب الباردة عن ساحتها الخلفية. لا تقوم روسيا اليوم بتهديد أي مصلحة حيوية من مصالح الولايات المتحدة. فهل نبالغ إذا طالبنا بأن تعامل روسيا و«مجالها» بالطريقة التي نريد روسيا والروس أن يعاملوا بها مجالنا.
ترجمة: كوثر علي
عن «أنتي وور»