يتناول المؤلف هنا بالتحليل الإطار الشامل للخروج الأميركي من العراق، ويؤكد ان خمسة عناصر رئيسية كانت وراء الخروج الأميركي من فيتنام وعلى رأسها مقاومة الشعب الفيتنامي المسلحة لقوات الاحتلال، ويشدد على أن هذه العناصر قائمة بالفعل في الوضع الراهن في العراق، وأنها لابد ان تؤدي الى النتيجة ذاتها، مهما كانت محاولات المراوغة وكسب الوقت من جانب المخططين الأميركيين.

في اليوم الذي بلغ عدد القتلى من الجنود الأميركيين في العراق ألفي قتيل، تباهى الرئيس بوش أمام جمهور قاعدة بولنغ الجوية قائلاً: «لن نتراجع، لن نستسلم ولن نقبل بما هو أقل من النصر الكامل».

أطلق جون كيندي وليندون جونسون وريتشارد نيكسون مزاعم مماثلة عن الحرب الأميركية في فيتنام، وفي النهاية اكتشفت الطبقة الحاكمة الأميركية أن تبجحاتها حول النصر المؤكد على «التمرد الشيوعي» في فيتنام كانت جوفاء.

وسوف يتم طرد الولايات المتحدة وحلفائها من العراق مهزومين أو يجدون في وقت من الأوقات طريقة، من خلال الوحشية الضارية، لفرض مظهر النصر، ربما في ظل رئيس جديد يمكن أن يزيل وصمة اللاشرعية التي وسمت إدارة حكومة بوش للحرب.

وعندها سيكون السؤال: كم من الجنود الآخرين الذين سيتوجب أن يموتوا بلا منطق قبل إنهاء هذا الاحتلال الدموي؟

تقول صحيفة نيويورك تايمز «إن حكومة بوش تقول إنها لا تستطيع أن تبدأ بسحب عدد كبير من القوات قبل أن تتمكن قوات الأمن العراقية من العمل بشكل مستقل في كثير من أنحاء البلاد». وهي تضيف إن بعض الخبراء العسكريين يقولون إن سنتين غير كافيتين لتخفيض الجنود الأميركيين وجنود الحلفاء الذين يبلغ عددهم أكثر من 170 ألف جندي.

ويقول إيريك شميت «إن الجيش في واقع الأمر أخذ يدرك أن الحرب في العراق يمكن أن تنتهج طريق التمردات الحديثة الأخرى وقد يستمر ذلك عقداً أو حوالي ذلك».

حسابات الحقل والبيدر

في التاسع والعشرين من أكتوبر ، شهد الجنرال جون أبي زيد رئيس القيادة المركزية الأميركية، أمام لجنة الخدمات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ قائلاً إن كتيبة واحدة فقط من الجنود العراقيين استطاعت تنفيذ عمليات فعالة باستقلالية عن السيطرة الأميركية، من أصل ثلاث كتائب في وقت سابق من عام 2005. إن الكتائب في الجيش العراقي تضم بين 300 جندي وألف جندي.

ومن هنا فإن أكرم تفسير هو أنه، ورغم كل المبالغة حول «التقدم الكبير الذي يتحقق على الأرض» في العراق فإنه لا يوجد أكثر من ألف جندي عراقي مدربين بشكل واف.

«أعتقد أننا سعداء فعلاً بوتيرة التدريب» قال ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي، لصحيفة نيويورك تايمز، وهو يتمسك بنص الحكومة المكتوب، لكن وكما اعترفت النيويورك تايمز «فإن مسؤولين آخرين في حكومة بوش أشاروا إلى أن ادعاءات البيت الأبيض قبل سنة حول عدد الجنود والشرطة الذين تم تدريبهم قد ثبت أنه عدد مبالغ فيه».

وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الحسابات تخدم المصلحة الذاتية من ناحية، فالعمل المسلح الذي أوجده الاحتلال يتم استغلاله لتفسير السبب الذي يوجب على الولايات المتحدة أن تستمر في الاحتلال، كما أن تقييمات القدرات العراقية تعكس الفرضيات العرقية الاستعمارية حول عجز العراقيين عن إدارة شؤونهم وهو ما يتم ترويجه في المؤسسة العسكرية. وفي الوقت ذاته فإن صعوبة تدريب الجنود العراقيين مؤشر على المشكلات العويصة التي تواجه الولايات المتحدة وهي تسعى إلى تنظيم قوة أمنية يعتبرها السكان المحليون بأنها متواطئة.

وفي ضوء المعارضة واسعة الانتشار للاحتلال فإن المخاطر أمام العراقيين الذين يتواطأون مع الولايات المتحدة والقوات الأجنبية الأخرى والشاهد على اختراق الشرطة العراقية من قبل عراقيين يريدون أيضاً أن يشهدوا رحيل القوات الأميركية، فإن من المحتمل أن تفشل الاستراتيجية الأميركية «للعرقنة» لكن إخفاقات «العرقنة» لن تؤدي إلا إلى توفير المنطق للاحتلال الأميركي إذا لم تستطع الحركة المناهضة للحرب أن تجبر الولايات المتحدة على الانسحاب.

افترضت دراسة أجراها المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقرّه لندن في أكتوبر 2005 أن الولايات المتحدة سوف تبقي قوة كبيرة في العراق حتى بعد أن يغادر الرئيس بوش المنصب مثلما انتقلت حرب فيتنام من حكومة إلى أخرى. وقد قال باتريك كرونن، مدير المركز لصحيفة فاينانشال تايمز: «سيكون للحكومة المقبلة قوات في العراق، بعدد كبير جداً لسنوات قادمة».

من بداية غزو العراق، كانت الولايات المتحدة تضع خططها لإقامة قواعد عسكرية طويلة الأجل هناك. وبينما يقول دونالد رامسفيلد: «لا نية لدينا في الوقت الحاضر أن نضع قواعد دائمة في العراق، فإن كبار مسؤولي حكومة بوش قالوا للنيويورك تايمز إنهم خططوا بعد الغزو مباشرة «لعلاقة عسكرية طويل الأجل مع حكومة العراق الناشئة، وهي حكومة ستمنح للبنتاغون إمكانية الوصول إلى قواعد عسكرية وإلى نشر النفوذ الأميركي في قلب المنطقة غير المستقرة».

وتحدث مسؤولون عسكريون أميركيون، في مقابلات أجريت معهم في هذا الأسبوع عن الإبقاء على قواعد، ربما أربع في العراق، يمكن استخدامها في المستقبل: واحدة في المطار الدولي خارج بغداد، وأخرى في طليل، قرب الناصرية في الجنوب، والثالثة في مطار منعزل يسمى إتش 1 في الصحراء الغربية، على امتداد خط أنابيب النفط الذي يمتد إلى الأردن، والرابعة في مطار بشور في الشمال الكردي.

يقول مسؤول رفيع المستوى في الحكومة الأميركية : «سيكون هنالك نوع من العلاقة الدفاعية طويلة الأجل مع العراق الجديد، شبيهة بتلك التي قامت مع أفغانستان. ويتوجب تعريف مدى تلك العلاقة هل ستكون قواعد عملياتية كاملة أو قواعد متقدمة أصغر أو مجرد إمكانية وصول».

وبينما تغيرت تصريحات واشنطن العلنية بعد أن أصبح واضحاً، شعور العراقيين نحو خطط القواعد الدائمة، فإن كل المؤشرات تشير إلى أن الحكومة الأميركية تعمل من أجل تواجد عسكري طويل الأجل في العراق وترتيبات توفر الوصول إلى الفضاء والأرض العراقيين.

وكما تقول صحيفة لوس أنجيلوس تايمز: «يشير جون بايك، وهو خبير عسكري في موقع غلوبال سيكيوريتي، الألكتروني إلى مؤشر آخر، فمع أن الولايات المتحدة تدرّب العراقيين بشكل منهجي لمحاربة المتمردين فإن البنتاغون لم يقم بخطوات رئيسية مثل وضع الخطط للحصول على دبابات أو طائرات - لبناء جيش عراقي قادر على الدفاع عن البلد ضد جيرانه.

وتضيف لوس أنجيلوس تايمز: «إن ذلك بالنسبة لبايك يعني أنه مع أن الولايات المتحدة قد تخفض عدد جنودها في العراق، فإن الدولة الناشئة، مثل ألمانيا أو كوريا الجنوبية سوف تحتاج إلى تواجد دائم، إلى قوة أميركية ضخمة، ربما 50 ألف جندي، فهو يقول: إننا نبني هيكل القواعد لتسهيل ذلك».

وتقول الصحيفة: «مهما قال السياسيون العراقيون على الملأ، حسبما يرى بايك فإنهم يفضلون بالسرّ مثل هذا التواجد الأميركي طويل الأجل، والذي يمكن أن يوفر أيضاً ضمانة ضد أي انقلاب عسكري محتمل».

رسالة للنخبة

وكما هددت بريطانيا العراق في النصف الأول من القرن العشرين بالعواقب الاقتصادية والسياسية للاستقلال دون حمايتها، فإن الولايات المتحدة تبعث اليوم برسالة واضحة للنخب العراقية بأنهم سوف يحتاجون إلى دعم الولايات المتحدة من أجل بقائهم. وتقول صحيفة كريستشيان ساينس مونيتور إن «المسؤولين الأميركيين يتوقعون من حكومة جديدة ـ والتي من المحتمل أن تتعرض للنقد من أول يوم ـ ألا تطالب بانسحاب سريع، وهنا يقول دبلوماسي أميركي رفيع المستوى، «أعتقد أن الحكومة الجديدة لن تنظر إلى كل المشكلات بل تنظر إلى الجحيم وهذا لن يكون مشكلة».

إن أهمية العراق كقاعدة استراتيجية لنشر القوة الأميركية في الشرق الأوسط يشكل همّاً كبيراً بالنسبة لواشنطن، فبينما يحافظ الجيش الأميركي على اتفاقية أمنية مع السعودية، والتي تسمح لها بالوصول إلى الأراضي السعودية وأبقت على بعض الجنود فيها لبرنامج تدريبي قائم لمدة طويلة فإنها أغلقت مؤخراً قواعدها العسكرية إدراكاً منها للمعارضة واسعة الانتشار التي سببتها القواعد وهي أسبقية غير مرغوب فيها.

وبغزو العراق كانت حكومة بوش تأمل في جعل العراق نظاماً عميلاً لأميركا، وموالياً للغرب، بقواعد يمكن استخدامها لتخويف «واحتواء» الدول المجاورة، لاسيما سوريا وإيران، وإخراجها من العراق لن يعني فقط تراجعاً بل تغيير خطير للخطط الأميركية في المنطقة.

ومن أجل فرض هذا التراجع، سيكون على الحركة المناهضة للحرب في الولايات المتحدة وعلى صعيد دولي، تصعيد معارضتها بشكل كبير، وبناء مثل هذه الحركة فإن ذلك سيساعد في تعلّم بعض دروس الهزيمة الكبيرة الأخيرة التي لحقت بالولايات المتحدة في مغامرة استعمارية، وهي الحرب في فيتنام، فقد انتهت الحرب الأميركية في فيتنام نتيجة خمسة عوامل:

1- مقاومة الشعب الفيتنامي الهائلة للتدخل الأميركي

2- مقاومة الجنود والمحاربين القدامى الأميركيين الذين أشعلوا ثورة ضد الحرب، ودفعوا محللاً عسكرياً للقول: «إن معنويات وانضباط وجدوى الحرب لدى القوات المسلحة الأميركية هي الآن أدنى وأسوأ من أي وقت مضى في هذا القرن وربما في تاريخ الولايات المتحدة مع استثناءات قليلة».

3 المعارضة الداخلية على نطاق واسع أجبرت النخب في الولايات المتحدة على إدراك أنهم خسروا الحرب في الداخل وفي فيتنام أيضاً.

4- الاحتجاجات والمعارضة العالمية التي عزلت الولايات المتحدة سياسياً وزادت من تكاليف الحرب أكثر فأكثر.

5- النتائج الاقتصادية المتزايدة للحرب مما أدى إلى التضخم والعجوزات التي نسفت وضع الاقتصاد الأميركي.

إن كلاً من هذه العوامل يتكرر الآن وإن لم يكن بشكل كاف ولم تصل حتى الآن إلى حجم قوي بما يكفي لإجبار واشنطن على التخلي عن الاحتلال. المقاومة العراقية حالياً أكثر انتشاراً مما توقع أي شخص في الجيش الأميركي. فقد كان المخططون الأميركيون يعتقدون أنهم سيبدأون حرباً سريعة سهلة، ففي مقابلة مع آمي غودمان، من حركة الديمقراطية الآن، وصف الجنرال المتقاعد جانيس كاربنسكي المشاعر بعد الإطاحة بالحكومة العراقية، فقد اعتقد الجنود الأميركيون «أنهم سيعودون إلى البلاد بعد إعلان الرئيس بوش عن النصر في الأول من مايو 2003:

لقد سمحوا لي بالانتشار في العراق للانضمام إلى وحداتي لقيادة الوحدات، مع أنني قيل لي إن أغلبية الوحدات، والجنود سوف يعودون إلى البلاد لأن المهمة أنجزت.

وعندما وصلت إلى الكويت، قيل لي أن الوحدات ستبقى لشهرين إضافيين لأننا كلّفنا بمهمة جديدة لترميم السجن والتدريب ومساعدة خبراء السجن القريب من مقر السفير بريمر في بغداد، بتدريب الحرس العراقي للقيام بأعمال السجن والاحتجاز...

وأصبحت مدة الشهرين أربعة أشهر، ثم أصبحت 365 يوماً، وكان جميع الجنود في حالة عمل دائم. من هنا فإن الجنود قد أرسلوا إلى الحرب بالتوقعات الكبيرة بأنهم سيعودون إلى الوطن خلال ستة أشهر أو أقل كما كان يقال لهم مراراً في مراكز التجنيد في الولايات المتحدة وما أن وصلوا إلى العراق لم يستطيعوا الخروج منه».

وتيرة متصاعدة.

عندما شهد الجنرال إيريك شنسكي رئيس هيئة أركان الجيش أمام جلسة لمجلس الشيوخ قبل الحرب «أن الحاجة تدعو إلى حوالي عدة مئات من آلاف الجنود» لاحتلال العراق، فقد كذّبه، علانية، نائب وزير الدفاع بول وولفويتز ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد.

وقد قام وولفوويتز (الذي كان يحذو حذو روبرت مكنمارا الذي أصبح رئيساً للبنك الدولي) قام بوصف تقدير شننسكي «بأنه بعيد جداً عن الحقيقة«، مضيفاً أن تكاليف الاحتلال ستكون أيضاً متدنية لأن عائدات النفط العراقي ستسدد نفقات الاحتلال «وحتى دول مثل فرنسا سيكون لها مصلحة قوية في مساعدة العراق في إعادة البناء».

كتب ديكستر فيلكنز في مجلة نيويورك تايمز: «أن ظهور التمرد العراقي قد أذهل كبار القادة الأميركيين الذين كانوا قد خططوا لحرب قصيرة قاطعة ضد جيش غير رسمي مع فترة حفظ سلام بعد ذلك».

واستجابة لذلك، فإن الضباط الأميركيين أمروا جنودهم بالسيطرة على العراق، وحثوا رجالهم على مطاردة العدو وسمحوا بعدد من الأساليب العدوانية، ففي زيارة من مقره في تكريت، أمر الجنرال ريموند أوديرنو، قائد فرقة المشاة الرابعة، ضباطه «بزيادة القتل».

لم تؤد مثل هذه الأساليب إلا إلى زيادة المعارضة للاحتلال، وفي الحقيقة فإن وتيرة الهجمات على جنود الولايات المتحدة والحلفاء تصاعدت مع استمرار الاحتلال، فقد ذكرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز بعد موت الجندي الأميركي رقم ألفين في العراق:

كان المسؤولون الأميركيون يزعمون باستمرار عن تحقيق تقدم خلال واحد وثلاثين شهراً من الحرب في العراق لكن حصيلة القتلى بين الجنود الأميركيين استمرت في الارتفاع، مما أدى إلى تلاشي التأييد للحرب وللرئيس المرتبط جداً بها.

وتسارع معدل الوفيات بين الجنود الأميركيين قبل ثمانية عشر شهراً، عند الذكرى السنوية الأولى للحرب، وثبات هذا المعدل منذئذ، رغم المعالم السياسية المعلنة والاستراتيجيات العديدة التي استخدمها المسؤولون العسكريون الأميركيون للتصدي للتمرد، فإن هذا الثبات من بين أكثر الاستنتاجات إثارة، والتي توصل إليها تحليل لوس أنجلوس تايمز للإخفاقات.

قارن التحليل أول ألف قتيل - من بداية الحرب في مارس 2003 وحتى أوائل سبتمبر من العام الماضي - مع القتلى منذ ذلك الحين، وأظهر التحليل زيادة كبيرة في عدد القتلى الذين نسبوا إلى القنابل التي زرعت على جوانب الطرق، واعتبر التحليل أن الصواريخ وقنابل المورتر ونيران الأسلحة الرشاشة أكبر تهديد للجنود الأميركيين وأنها مسؤولة عن نصف عدد القتلى في القتال في العام الماضي.

ووثق التحليل الحصيلة المتزايدة التي سببتها الحرب في الحرس ووحدات الاحتياط، ويشكل جنودها الآن حوالي ثلث القتلى، بعد أن كانوا يشكلون الخمس».

إن المشتركين في الهجمات المسلحة على قوات الاحتلال يستطيعون الاعتماد على الدعم من شريحة معنية من السكان العراقيين، كما كان الحال في فيتنام، فقد وجد استطلاع سري أجرته وزارة الدفاع البريطانية في أغسطس 2005 أن ما بين 45 و 65 في المئة من العراقيين يؤيدون الهجمات المسلحة على قوات الاحتلال البريطاني والأميركي.

وتقول مراسلة نيويورك تايمز سابرينا تافيرنيز: إن الخط بين المدنيين والمتمردين باهت، فعندما تصبح الشوارع فارغة يدرك الأميركيون أن هنالك هجوماً وشيكاً، فالسكان يحصلون على المعلومة - هنالك شبكة مختصة بذلك، حسبما قال الكولونيل روجر تيرنر في معسكر الكتيبة الثالثة، وهو قصر قديم على نهر الفرات».

مواجهة السخط

وعلاوة على المقاومة من السكان العراقيين فإن الحكومة الأميركية كانت مضطرة لمواجهة السخط، إضافة إلى المعارضة المباشرة، من الجنود الذين أرسلوا لخوض الحرب، ومن عائلات الجيش ومن المحاربين القدامى في العراق وأفغانستان، ففي عام 2005 شهدت الولايات المتحدة نقصاً كبيراً في تجنيد الجنود بشكل لم تشهده منذ عام 1979.

«ويمثل ظرف اليوم اوقاتاً أصعب مما شهدناه في التجنيد طوال سنواتي الثلاث والثلاثين في الزي العسكري» حسبما قال الجنرال مايكل رونسيل، رئيس شعبة التجنيد للجيش الأميركي في عام 2005. والجيش يشهد انخفاضاً شديداً في تجنيد الشبان الأفارقة الأميركيين بشكل خاص، وفي عام 2005، ووفقاً لما قالته نيويورك تايمز:

إن حوالي 14 في المئة من المجندين الجدد في الجيش كانوا من السود، بعد أن كانت النسبة 23 في المئة في عام 2001، ويقول مسؤولو الجيش إن تحسين الفرص الوظيفية في ميادين أخرى كان أحد الأسباب، لكن دراسة طلب الجيش اجراءها في السنة الماضية توصلت إلى أن شباناً أكثر من السود كانوا يرفضون الخدمة العسكرية لأنهم يعارضون الحرب أو يخافون أن يموتوا فيها.

واستنتجت الدراسة أن أفارقة أميركيين أكثر يرون أن اضطرارهم للقتال من أجل قضية لا يؤيدونها يشكل مانعاً للخدمة العسكرية.

وفي المدارس والكليات في كل أنحاء الولايات المتحدة فإن الطلاب والكليات في تنظيمات مثل شبكة الجامعات المناهضة للحرب، تصدوا لضباط التجنيد في بعض الحالات وطردوهم من الحرم الجامعي.

وأصدرت رابطة للآباء والمعلمين والطلاب في سياتل قراراً يمنع ضباط التجنيد من دخول مدرسة عليا محلية، وقالت آمي هاغوبيان، وهي رئيس مشارك للمنظمة في مدرسة غارفيلد العليا في سياتل: «نريد أن نظهر للجيش أنهم غير مرغوب فيهم من قبل رابطة الآباء والمعلمين والطلاب في هذا المبنى.

ونحن نأمل من روابط أخرى مثلنا أن تحذو حذونا» وقام الآباء والطلاب بحملة ضد مادة في قانون باتريوت الأميركي والذي يجبر المدارس العامة على تقديم معلومات حول علاقات الطلاب بضباط التجنيد أو يشطب الآباء أسماء أبنائهم.

من المهم أن نقيم حركة قوية لمناهضة التجنيد لكشف الأكاذيب التي يستخدمها الجيش لإرسال أبناء الطبقة العاملة والفقيرة إلى الحرب. وعلينا أيضاً أن نقدم الدعم الكامل للجنود وجنود الاحتياط الذين يرفضون القتال في العراق.

في اكتوبر 2003، كان كاميلو ميجيا، وهو جندي في حرس فلوريدا الوطني أول جندي من الغزو العراقي يرفض العودة إلى موقعه بعد الإجازة ، فقد قال ميجيا: «لا أستطيع أن أجد سبباً واحداً مقنعاً لأكون هناك وأطلق النار على الناس وأتعرض لإطلاق النار عليّ، فالناس لم يعودوا يريدون وجودنا هناك ونحن لا نريد أن نكون هناك».

خدم ميجيا تسعة أشهر في السجن، وهو اليوم واحد من محاربين قدامى وجنود يجاهرون بموقفهم ضد الحرب، وهنالك آخرون مثل ضابط البحرية بابلو باريدس، الذي رفض الذهاب إلى العراق وحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع الأشغال الشاقة وتنزيل رتبته، وكيفن بندرمان، الذي حكم عليه بالسجن خمسة عشر شهراً بسبب اعتراضه على الحرب.

وقرر داريل اندرسون، جندي من لوتون، كنتاكي، العبور إلى كندا وطلب الحماية، وهو يدرك جيداً أنه قد لا يستطيع العودة إلى الولايات المتحدة، وفضل ذلك على العودة إلى العراق. وقال داريل: « إذا عدت إلى بغداد فقد كان سيطلب مني مرة أخرى أن أقتل الناس، المدنيين، وأنا لم أعد أطيق القيام بذلك، فنحن نقاتل أناساً يفترض أن نساعدهم لكنهم في الواقع يكرهوننا وفي كل مرة تسير فيها في الشارع يطلقون النار عليك لأنك تحتل بلدهم.

يطلب منك أن تدخل بيوتهم ومحلاتهم التجارية وأن تسد الطرق لكنك قوة محتلة، تشوش حياتهم اليومية، فأنت لست محرّراً، إنك تغير على بيوتهم وتقتل عائلتهم». وفي أوائل عام 2005 قالت برقية نشرتها سانت لويس بوست:

«فيما تستمر الحروب في العراق وأفغانستان فإن المستشارين والنشطاء المناهضين للحرب وآخرين ممن يعملون مع عائلات الجيش يتحدثون عن ارتفاع في المكالمات من الجنود والبحارة والطيارين وجنود المارينز يطلبون المساعدة للانسحاب من الخدمة، حيث أن عدداً متزايداً من الجنود والمارينز في القوة التي تضم المتطوعين بشكل كامل يسعون إلى اعتبارهم معترضي ضمير، وهنالك ما بين خمسة آلاف وستة آلاف جندي متغيبون بلا إجازة».

وفي العراق، رفض الجنود في الميدان الأوامر من رؤسائهم فقد عوقب 23 عضواً في فرقة كورتر ماستر 343، ومقرها في روك هيل، ساوث كارولينا، وذلك لرفض أمر في أكتوبر 2004 بقيادة قافلة صهاريج محروقات من قاعدة طليل الجوية في جنوب العراق، إلى تاجي شمال غرب بغداد. وشكا الجنود من أن صهاريجهم ليست مجهزة بما يلزم وأن وقودهم ملوث، وأنهم لا ترافقهم مركبات مسلحة، ووصفوا الأمر بأنه «مهمة انتحارية».

ترجمة: محمود برهوم ورغدة عزيزية