يقدم مؤلف الكتاب انطوني أرنوف هنا تحليلاً نادراً حقاً للحركة المسلحة في مواجهة قوات الاحتلال في العراق، فالإعلام الغربي يقدم لنا صورة لرجال هذه الحركة يبدون في إطارها أقرب الى أشباح لا سبيل إلى أن يمسك بهم البصر ولا الوعي،

وعندما يتم توصيفهم يقال لنا إنهم مقاتلون أجانب أو «إرهابيون»، ولكن من هم هؤلاء المقاتلون حقا؟ ما هي انتماءاتهم؟ ما هي أهدافهم؟ كيف يتصورون عراق الغد؟ كيف يرون إمكانية إخراجه من رماد الحطام الذي يزيده الاحتلال كل يوم انتشاراً تحت آفاق العراق؟

يتضح الآن أن معظم العراقيين يريدون من الولايات المتحدة أن ترحل، فمن روايات وسائل الإعلام الرئيسية، يمكن أن نغتفر لمعظم المراقبين اعتقادهم أن أقلية معزولة فقط من كبار البعثيين والمقاتلين الأجانب والعدميّين يتصدون للولايات المتحدة،

فقد كتب الصحافي تشارلز غلاس وكأنه يتنبأ بالغيب، بعد أسابيع فقط من الغزو: «كما لو أن المتحدثين الرسميين العسكريين الأميركيين يبرزون سوء فهمهم للعالم فإنهم يصفون العراقيين الذين يقاومون غزوهم بالإرهابيين فأين تجد في الأرض من يصفون رجلاً يحارب جندياً أميركياً على تراب وطنه بالإرهابي؟».

إن عبارة المقاتلين الأجانب لازمة تتكرر في كل مؤتمر صحافي تقريباً عن الحرب، وهي مؤشر للمستوى الذي وصلت إليه الدعاية لهذه الحرب من قبل الإعلام المؤسسي حتى أنه لا يوجد أحد يندهش من مثل هذه التصريحات، لكن في الاستخدام المعياري،

فإن الجنود الأميركيين الذين سافروا آلاف الأميال لغزو واحتلال العراق، والذين لا يعرفون في معظم الحالات، كلمة عربية أو شيئاً عن الثقافة أو المجتمع العراقي، ليسوا مقاتلين أجانب «ولا يتدخلون في الشؤون العراقية» (فهذه التهمة تنطلق مراراً من قبل الولايات المتحدة ضد إيران وسوريا والأردن).

قال الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، آري فليشر، أمام المراسلين دون أي أثر للمفارقة في إبريل 2003: «لقد أوضحنا أننا سنعارض أي تدخل خارجي في طريق العراق نحو الديمقراطية». وبكلمات أخرى يتوجب على العالم أن يقف متفرجاً ويسمح للولايات المتحدة بأن تقرر مستقبل العراق.

قبل غزو العراق كانت الولايات المتحدة تقلل من شأن الفكرة القائلة إنها ستواجه مقاومة، وصدق مسؤولو بوش وهم المبعدين العراقيين مثل كنعان مكية بأن القوات الغازية «سوف تستقبل بالحلوى والزهور». وقال نائب الرئيس ديك تشيني لشبكة إن بي سي: «إننا في الحقيقة سنستقبل كمحررين».

وعندما بدأ الغزو بدا أن نصّ الحكومة يتلاءم لفترة قصيرة مع الحقائق على الأرض، فقد انهار الجيش العراقي بسرعة تحت تأثير الهجوم الأميركي، مع فرار الجنود الجماعي، والذين كانوا يدركون أنه عمل انتحاري إذا اشتبكوا في حرب تقليدية ضد القوة العسكرية الضخمة للجيوش الغازية. وسارعت وسائل الإعلام إلى التقاط صور الابتهاج العراقي

ولا سيّما فرصة الصور التلفزيونية المنسقة بعناية للجنود الأميركيين وهم يسقطون تمثالاً لصدام حسين في ميدان الفردوس، وصورت بشكل زائف عملاً شعبياً قام به العراقيون أنفسهم، مع أصداء آلاف الألمان الذين تحدوا السلطات لإزالة جدار برلين المقيت في نوفمبر 1989.

لكن وسائل الإعلام والبيت الأبيض أساؤوا قراءة مشاعر العراقيين الحقيقية، ومع أن من المؤكد أن كثيرين كانوا سعداء لرؤية رحيل ديكتاتور مكروه لكن هذا لم يجعلهم مؤيدين للاحتلال، فقد كان العراقيون يستطيعون أن يكرهوا صدام حسين وأن يكرهوا جورج بوش في الوقت ذاته، وبحماس مساو،

كما كشفت الشعارات في المظاهرات المعادية للاحتلال بعد وقت قصير من وقوعه ، وفي الحقيقة فإنه بعد سنتين من الغزو، جرى إسقاط شعبي حقيقي لتمثال صدام حسين إلى جانب إسقاط تماثيل جورج بوش وتوني بلير.

تم إسقاط تمثال صدام حسين مرة أخرى في ميدان الفردوس في بغداد عند نهاية الأسبوع، لكن على عكس الحدث الذي ابتدع للتصوير التلفزيوني حين دخل الجنود الأميركيون العاصمة العراقية، كان إسقاط صدام في الذكرى السنوية الثانية للاحتلال مختلفاً، فبدلاً من أن يتم ذلك من قبل جنود مارينز أميركيين مع بضع عشرات من المتفرجين العراقيين كان هنالك ثلاثمئة عراقي، اسقطوا أشكالاً تمثل بوش وبلير والديكتاتور السابق في حشد لم يحتفل بالتحرير بل دعا إلى رحيل القوات الأجنبية على الفور.

الغطرسة والعنف

في أعقاب الغزو في مارس 2003 شعر العراقيون، بشكل مبرّر، بلحظة أمل قصيرة بأن المستقبل قد يكون الآن أفضل بعد أن ذهبت الفترة المخيفة للعقوبات مع الديكتاتورية. ويبدو أن قلة من العراقيين تصوروا أن الأمور ستكون أسوأ مما هي عليه فعلاً ولم تمض فترة طويلة على التخلص من الوهم، حيث أظهر الاحتلال عملياً، عجزه عن توفير الأمن للعراقيين العاديين أو إحداث تغيير إيجابي على حياتهم اليومية،

بينما عايش العراقيون عن كثب غطرسة الاحتلال وعنفه. ففي الفلوجة، بعد مضيّ شهر على الاحتلال، أطلق الجنود الأميركيون النار على مظاهرة سلمية للعراقيين المتضايقين من استيلاء الجنود على مدرسة محلية، وقتلوا خمسة عشر شخصاً ، وجرحوا خمسة وستين. وقد قال أحمد حسين الذي قتل ابنه: «لن نبقى ساكتين على هذا فإما أن يرحلوا عن الفلوجة أو نجبرهم على الرحيل».

كانت مدينة الفلوجة التي أخذت تصبح فيما بعد هدفاً مركزياً للجنود الأميركيين ذات تاريخ طويل للمعارضة ضد صدام حسين، مما يقوّض الادعاء بأن المقاومة للاحتلال الأميركي هي من تدبير صدام حسين وجيوب من اليائسين، حسب كلمات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد.

في الأول من مايو 2003، أعلن بوش نهاية «العمليات القتالية الرئيسية»، في خطاب ألقاه على سفينة حربية مقابل سان دييغو، وهو خطاب أثار الضحك. لكن عندما استمرت الهجمات على القوات الأميركية ومع سقوط المزيد من الجنود، أكدّ مسؤولو البيت الأبيض أن التمرد يجيء بتوجيه من صدام ووضعوا مكافأة مقدارها خمسة وعشرون مليون دولار للقبض عليه،

وبعدئذ، وعندما ألقي القبض على صدام في ديسمبر 2003 واستمر التمرد، حمّل بوش المسؤولية للتدخل الأجنبي وقال إن تشكيل حكومة مؤقتة «ذات سيادة» في العراق يمكن أن يخمد الاضطرابات، وبعد أن فشل ذلك، قالت الحكومة الأميركية إن الانتخابات على مراحل في يناير 2005 يمكن أن تضع حدّاً للمقاومة ومرة أخرى، استمر العنف بل ازداد في الحقيقة.

وردّاً على التمرد المتصاعد، عادت حكومة بوش إلى ديباجتها بأن العراق جبهة رئيسية في معركتها ضد القاعدة وأن المقاومة في العراق تتكون إلى درجة كبيرة من أصول أجنبية، لكن هذا خيال، فبعد إنزال عقوبة جماعية بسكان الفلوجة البالغ عددهم ثلاثمئة ألف، وبعد قتل أكثر من ألف في نوفمبر 2004، اعترفت سلطات الاحتلال بأنها لم تحتجز سوى اثنين وسبعين شخصاً يحملون جوازات سفر أجنبية.

وفي يناير 2005، ادعى المسؤولون العسكريون في العراق أنهم يحتجزون 325 مقاتلاً أجنبياً . والذين «يمكن نقلهم خارج البلاد إلى مكان آخر لاحتجازهم إلى أجل غير مسمى، حسبما قال المسؤولون، حيث أنهم لا يعتبرون من قبل وزارة العدل يستحقون حماية اتفاقيات جنيف».

وفي تجاهل للاحتمال القوي بأن كثيراً من المعتقلين كانوا عراقيين يحملون أوراق عمل أو إقامة أجنبية، وأن كثيرين ربما كانوا أبرياء، فإن هذا يمكن أن يعني أن أقل من أربعة بالمئة من جميع المحتجزين في العراق مقاتلون أجانب، هكذا تكلم كوردسمان.

هكذا تكلم كوردسمان

من بين المحللين الوقورين للمقاومة، تقول صحيفة «فاينانشال تايمز»: «إن أهم نقطة اتفاق هي أنه رغم أن المقاتلين الأجانب المتحالفين مع أبو مصعب الزرقاوي يكسبون معظم الانتباه، فإن التمرد يظل محلياً في أغلبه، سنياً ووطنياً».

وفي دراسة مفصلة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وجد المحلل العسكري أنتوني كوردسمان أن «التمرد يبدو وكأنه يظل إلى حد كبير تحت هيمنة عراقية وسنية، بينما كانت أغلبية كبيرة للذين اعتقلوا أو قتلوا سنيين عراقيين مثلما هو حال ما بين 90 ـ 95 بالمئة من المحتجزين.»

وفي كتابته عن «الفئات العربية والإسلامية التي تضم أعداداً كبيرة من المتطوعين الأجانب إضافة إلى متطرفين إسلاميين عراقيين، مثل المجموعة التي يقودها أبو مصعب الزرقاوي»، يخلص كوردسمان إلى القول «من غير المحتمل أن تشكل مثل هذه المجموعة أكثر من عشرة بالمئة من القوة المتمردة، وربما تشكل حوالي خمسة بالمئة.»

كما أن المعارضة ليست سنية بشكل شامل، فقد كان أحد الأصوات البارزة ضد الاحتلال، رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وكما يقول المؤرخ غاريث بورتر: «ما كان للاستجابة الشيعية لنداءات الصدر لمعارضة التصرفات البريطانية التي تمثل فقدان الاستقلال العراقي أن تشكل أية مفاجأة، فعلى مرّ سنة ونصف السنة، أخذ يتضح أن مقتدى الصدر يحظى بتأييد واسع بين الشيعة بسبب موقفه المناهض للاحتلال.

وازدادت شعبية الصدر في ابريل 2004، عندما تحدى جيش المهدي قوات الاحتلال الأجنبية في ثماني مدن شيعية مختلفة، بما فيها البصرة. ووفقاً لمقالة كتبها المتخصصان في مكافحة التمرد، جيفري وايت وريان فيليبس في مجلة جينز انتلجنس ريفيو، فإن الاستفتاء الذي أجرته منظمة بحث عراقية أظهر أن واحداً بالمئة فقط من الذين تم استطلاعهم أيدوه في ديسمبر 2003، لكن 68 بالمئة أيدوه عندما كانت قواته تحارب القوات الأميركية في ابريل 2004».

ويكشف التحول المذهل للبصرة من منطقة خلفية مأمونة للقوات الأميركية والبريطانية إلى مركز للثورة على الاحتلال، يكشف العنف المطلق للقاعدة السياسية الشيعية التي يجب على الولايات المتحدة أن تعتمد عليها للإبقاء على احتلالها للبلد.

في مناسبات عدة تدفق السنة والشيعة إلى الشوارع معاً في تحدّ للولايات المتحدة، ففي ابريل 2004، سار حوالي 200 ألف عراقي في بغداد تحت يافطات شيعية وسنية موحدة ضد الاحتلال، ووفقاً لتقرير عن المظاهرة في صحيفة الغارديان اللندنية كان المتظاهرون يهتفون «عاش مقتدى، عاشت الفلوجة، عاشت البصرة،عاشت كربلاء»، إشارة إلى «المدن المختلفة التي قام الشيعة فيها بمهاجمة قوات التحالف.»

وبعد المظاهرة قال حارث الضاري، إمام مسجد أم القرى في بغداد: «إن الأميركيين يعتبرون أنفسهم صمّام أمان ضد الصراع الطائفي، لكن هذا مبرّر لتجديد إقامتهم، ففي هذا المسجد وفي هذا الحشد نثبت أن جميع الفئات موحدة، وكلنا نريد أن يرحل التحالف عن هذا الوطن.»

أن يلتقي السنة والشيعة ليس أمراً غير مسبوق في التاريخ، فمعظم العراقيين، تاريخياً، المتأثرين بالسياسات العلمانية والقومية، كانوا يعتبرون أنفسهم عرباً أو عراقيين وليس سنة أو شيعة، وفي الحقيقة فإن العراقيين الشيعة والسنة يعيشون معاً منذ فترة طويلة، وتزاوجوا فيما بينهم، وهنا يقول الصحافي سامي رمضاني: «هنالك شيعة يعيشون في كل أنحاء العراق، بما فيه كردستان،

وهنالك أيضاً سنة ومسيحيون يتعايشون بسلام مع الشيعة منذ قرون كثيرة. لا يوجد أي تاريخ للصراع الطائفي أو الحرب الأهلية في العراق، كما يجري في أغلب الأحيان التقليل من شأن الاندماج الاجتماعي الاقتصادي ووحدة الهدف بين الشعب العراقي وهنالك أيضاً تقليد علماني قوي يتجاوز كل الديانات والطوائف».

إن الانقسام الأساسي في العراق حالياً ليس بين السنة والشيعة، أو الفئات الدينية أو العرقية الأخرى، حسبما يقول وميض نظمي، من جامعة بغداد، بل هو بين المعسكر المؤيد للاحتلال والمعسكر المناهض له، وهو يقول: «إن المؤيدين للاحتلال مرتبطون بالولايات المتحدة وبريطانيا، أي أنهم دمى، أو أنهم لم يجدوا أي طريقة للإطاحة بصدام دون الاحتلال،

دعونا نتفق على عدم الانغماس في التجريح بل نناقش القضية علانية، فمن سوء الحظ أن المؤيدين للاحتلال يميلون إلى عدم التمييز بين المقاومة والإرهاب، أو بين المجتمع المدني المناهض للاحتلال والذين يستخدمون العنف. إنهم يصفوننا بأننا جميعاً مخلفات صدام، رجعيون، ساعون إلى الثأر، مرتزقة، ضالّون أو أجانب».

وكما يفترض نظمي، فإن كل المقاومة في العراق توصف من قبل مؤيدي الاحتلال، بالإرهاب ظاهرة ذات إرث استعماري طويل، فقد تم شجب نشطاء جنوب أفريقيا المناهضين للتمييز العنصري في المؤتمر الوطني الأفريقي، والفيتناميين الذين كانوا يحاربون إرهاب الدولة الأميركي، والجزائريين الذين كانوا يقاتلون الاحتلال الفرنسي الإجرامي والهنود الذين كانوا يسعون إلى الحرية من الحكم الاستعماري البريطاني، ووصف هؤلاء جميعاً بأنهم إرهابيون.

لكن النفاق أعمق من ذلك، ففي كل حالة، فإن الذين يشجبون العنف هم القادة العسكريون والسياسيون الذي يستخدمون قوة عسكرية عارمة دون أن يحاسبهم أحد، بينما يسدّون في الوقت ذاته السبل المجدية نحو معارضة سلمية. لماذا لا ندهش حين نرى الناس ينخرطون في هجمات حرب عصابات وحين يواجهون أعظم قوة عسكرية في العالم والتي تتسلح بمزايا تكنولوجية لا يمكن تصورها. وكما يشير غلين بيروسيك:

«إن القوات الضعيفة التي تحظى بتأييد شعبي محلي كانت تحقق النجاح منذ فترة طويلة باستخدام أساليب حرب العصابات غير النظامية على شكل، أضرب واهرب، ضد الأعداء المحتلين الذي يتمتعون بتفوق عسكري طاغٍ. وهذه القوة بالذات هي التي تفرض استخدام مثل هذه الأساليب ضدها».

يقول ديكستر فيلكنز من النيويورك تايمز: نتيجة لقوته الطاغية وجرأته فإن من غير المحتمل أن يواجه الجيش الأميركي عدداً مشابهاً له، وعلى الأرجح أن يواجه رجال حرب عصابات، والتي تبدأ بشكل مثالي عندما يواجه جيش صغير جيشاً أكبر ويضطره إلى اللجوء إلى المزايا التي يملكها: قدرته على الاختفاء بين السكان، ومعرفته بالتضاريس المحلية وقدرته على شن هجمات سريعة ومفاجئة ثم يذوب في أي مكان قبل أن يتمكن الجيش الأكبر بالردّ. وهذا هو الوضع في العراق مثلما كان في فيتنام.»

من المؤكد أن فئات وأفراداً انتهازيين في العراق قاموا بأعمال دفاعية لا يمكن الدفاع عنها، بما فيها الهجمات الطائفية التي تتعارض مع تحقيق تحرير وطني حقيقي للعراقيين. لكن كما يشير رمضاني: «إن من معدل ثلاثة آلاف عملية عسكرية في الشهر ضد قوات الاحتلال في كل أرجاء العراق، فإن العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين وتحتل العناوين اليومية لا تزيد عن ثلاثين عملية في الشهر.»

حاولت أقلية صغيرة في العراق إثارة حرب أهلية بين السنة والشيعة والأكراد والأقليات الأخرى، لكن العراقيين أنفسهم كانوا يسارعون إلى رفض مثل هذه الهجمات الطائفية، ففي مارس 2005 شجبت هيئة علماء المسلمين تفجيراً انتحارياً في الحلّة الذي قتل أكثر من مئة وعشرين عراقياً، وقالت الهيئة:

«إن هذه العملية سوف تفتح الباب أمام أعدائنا لتنفيذ المزيد من مخططاتهم الشريرة في العراق.» «إن الهيئة تطالب بوقف جميع هذه الهجمات ضد العراقيين الأبرياء.» واحتج عبد الغفور وهو إمام مسجد أم القرى السني على الهجوم في الحلّة وهي مدينة ذات أغلبية شيعية وقال: إن هذه ليست الطريقة السليمة لإخراج الاحتلال، فقتل العراقيين ليس الطريق إلى التحرير، إننا ندعو جميع الذين يملكون السلطة على هذه المجموعات أن يمنعوا ذبح العراقيين.»

وفي الشهر نفسه، سار عمال النفط والنقابيون العراقيون في بغداد احتجاجاً على قتل عمال النفط وكانوا يهتفون «لا للإرهاب». لكن إعلام المؤسسة تجاهل بشكل كبير مثل هذه الاحتجاجات من قبل النقابيين وحركات المرأة والعلمانيين المعارضين للاحتلال.

جوهر المقاومة

في الحقيقة، ليس هنالك أي مقاومة مفردة في العراق، بل هنالك مقاومة عريضة تتخذ عدة أشكال، وهنا يقول أحمد هاشم من دائرة البحث الاستراتيجي التابعة لكلية الحرب البحرية الأميركية: إن التمرد ليس حركة متجانسة أو موحدة تديرها قيادة ذات رؤية أيديولوجية واحدة ومنضبطة، فهي تضم جميع الطبقات، حضرية وريفية، وتضم بين صفوفها طلاباً ومثقفين وجنوداً سابقين وشباناً عشائريين ومزارعين وإسلاميين».

تصيب أرونداتي روي، في القول «من السخف أن نشجب المقاومة للاحتلال الأميركي في العراق على أنها من تدبير إرهابيين أو متمردين أو مؤيدين لصدام حسين». وهي تضيف: «مثلما هو حال معظم حركات المقاومة، فإنها تضم سلسلة مختلطة من الفئات المتجانسة، بعثيين سابقين، ليبراليين، إسلاميين ومتعاونين سئموا من الوضع وشيوعيين، إلخ. وبطبيعة الحال فإنها تنوء بالانتهازية، التنافس المحلي، الديماغوجية والإجرام، لكن إذا كنا نؤيد فقط الحركات النقية فلن يكون هنالك أي مقاومة تستحق نقاءنا».

في تحديّه للاحتلال فإن الشعب العراقي غيّر حسابات الإمبراطورية، وهنا يتساءل طارق: ماذا لو لم يكن هنالك أي مقاومة في العراق؟ كان يمكن لدعاة الحرب أن يزعموا أن الاحتلال كان انتصاراً. وكان يمكن لهم أن يقيموا نظاماً متواطئاً ويتحركوا لتغيير النظام في سوريا وربما في إيران، وكان يمكن تحييد المعارضة في الولايات المتحدة وبريطانيا وكان يمكن أن تظل وسائل الإعلام ودية، وكان يمكن للأكاذيب التي رويت أن تبرر الغايات وكان يمكن أن تظل اللقطات التي أظهرت تعذيب العراقيين سراً عائلياً».

إن للشعب العراقي كل الحق في مقاومة الاحتلال الأميركي، ومهمتنا الأساسية ليست أن نملي على العراقيين كيف يتوجب عليهم أن يقاوموا أو أن نصّرّ على أن يكون الشعب الذي يواجه أعتى قوة عسكرية في التاريخ البشري غير عنيف، لكن كما تقول أروندا تي روي «أن ندعم مقاومتنا بإجبار الحكومة الأميركية وحلفائها على الانسحاب من العراق».

ترجمة: محمود برهوم ورغدة عزيزية