بمناسبة إصدار أول كتاب له عن إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش للحرب في العراق، أجرت صحيفة « نيويورك تايمز» حواراً أخيرا مع بيتر غالبريث، السفير الأميركي الأسبق لدى كرواتيا. وتطرق الحوار إلى رؤية غالبريث لسياسة أميركا تجاه الحرب، وكيف يرى الوضع في العراق الآن وما يمكن أن تكون عليه الخريطة العراقية في المستقبل. وفيما يلي نص الحوار:
* كتابك الجديد، الذي حمل عنوان «نهاية العراق: كيف تسببت عدم الأهلية الأميركية في إشعال حرب ليس لها نهاية»، يدعو إلى أن تتوقف إدارة بوش عن الإصرار على أن العراق يمكن أن يكون دولة موحدة في وقت ما.
- العراق لا يزال موجودا على الخريطة ولكنه لم يعد يعمل كدولة موحدة. نحن نحاول بناء مؤسسات وطنية الآن. مثل قوات الشرطة والجيش، وذلك في الوقت الذي لا توجد هناك دولة.
* باعتبارك قد تبوأت مراكز حكومية مرموقة؛ فقد كنت أول سفير أميركي لدى كرواتيا وكذلك شغلت لفترة طويلة منصب خبير في شؤون الشرق الأدنى في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، ما هو تعريفك المحدد لكلمة «دولة»؟
- الدولة هي مجموعة من الأفراد يشتركون في هوية واحدة. المرء يتوقع أن يكون للأكراد والشيعة والسنة هويتهم الدينية أو العرقية. ولكن الأمر الذي لا يشتركون فيه هو الهوية العراقية.
* تلك النقطة قد أثيرت مرات لا تُحصى ولا تعد، ولكنك أحد أول من كتب يقترح تخلى الحكومة الأميركية بشكل كامل عن سياستها الحالية لتعمل فحسب على تقسيم العراق إلى ثلاث دول.
- نعم بالفعل. وتكون هناك كونفيدرالية من ثلاث دول.
* ماذا سيكون مسمى تلك الكونفيدرالية؟
- ماذا لو أطلق عليهم كردستان وسونستان وشيعستان؟
* فكرة جيدة. ماذا عن مذهب الأكراد؟
- الغالبية العظمى منهم سُنة.
* فلماذا كان صدام حسين وأتباعه من المسلمين السنة يكرهونهم كل ذلك الكره؟
-لأنه كان فاشيا بالمعنى الأصلي للكلمة، حيث كان يؤمن بالجنس السامي الذي يراه أنه الجنس العربي، ومن ثم فإن الأكراد بالنسبة له هم شعب من جنس أقل مرتبة ومكانة في تلك المنطقة العربية الكبرى.
* من هم أشهر الشخصيات الكردية؟
- بعيدا عن رؤساء العراق وكردستان، فإن أشهر الشخصيات الكردية تاريخيا هو القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من أيدي الصليبيين.
*هذا أمر مبهر، لاسيما وأن صدام حسين نفسه كان لديه قول مأثور اشتهر به ادعى فيه أنه صلاح الدين المعاصر.
ـ نعم لقد ارتدى عباءة صلاح الدين وأطلق هذا الاسم على مسقط رأسه. فصلاح الدين له مكانة خاصة عند العرب.
* قبل حرب الخليج الأولى قمت بتوثيق عملية الإبادة الجماعية التي ارتكبها صدام ضد الأكراد وذلك في وقت لم يكن هناك في الغرب إلا قليلون ممن يبدون اهتماما بالمسألة.
- في واقع الأمر جاءت معرفتي بتلك الإبادة بطريق الصدفة، وذلك في 1987 عندما سافرت إلى كردستان وشاهدت بعيني ما جرى من تدمير للقرى على جانبي الطريق. ولاحقا قمت بجمع 14 طنا من الوثائق بما فيها قوائم بأسماء الناس الذين تم اعتقالهم وذبحهم وأرسلتها إلى الولايات المتحدة.
* غير أن جامعة هارفارد، تلك الجامعة التي درست وتخرجت منها، رفضت أن تحتفظ بها، ما اعتبر قرارا غير شجاع بالمرة.
ـ لقد كان مسؤولو الجامعة منزعجين وقلقين من إمكانية أن تتعرض مكتبة وايدنر لهجوم إرهابي محتمل، ومن ثم ذهبت الوثائق إلى مكتبة الأرشيف القومي.
* ألا تعتقد أنه من الغريب أن رجلا في سنك لا يزال يصدر أول كتاب له؟
-و ليكن الأمر كذلك، فأنا وافد جديد كبير السن على ساحة الكتابة، فالأمر به شيء من الأصالة.
* هل تعني أن الكتاب يتمتع بالأصالة؟
-أعني أنه من الأصالة أن تكون في الخامسة والخمسين من عمرك وتكون مؤلف كتاب لأول مرة في حياتك وتكون أنت الذي ألفت كتابك بنفسك.
* بالطبع. فقد كان لديك أستاذ عظيم هو والدك جون كينيث غالبريث، ذلك العالم الاقتصادي العالمي الذي توفي عن عمر يناهز 97 عاماً.
ـ لقد كان يتمتع بذهن صاف حتى اليوم الذي مات فيه. وكان مهتما بشدة بهذا الكتاب، وقام بالفعل بقراءة أول أربعة فصول وأُعجب به للغاية. وكانت له بعض التعليقات التحريرية البسيطة التي أخذت بها بالطبع.
* لقد كان له إرث كبير، يقدر بنحو 40 كتابا، بما فيها بعض الأعمال الكلاسيكية مثل الرأسمالية الأميركية والمجتمع الموسر.
ـ لقد كان منظما للغاية في كتاباته. وكان يقول دائما إنه في المسودة الخامسة التي يقدمها لأعماله تظهر العفوية والتلقائية اللتين تشتهر بهما أعماله. بعبارة أخرى يمكن القول إن الكتب العظيمة لا تكتب ولكن تُعاد كتابتها.
عن «نيويورك تايمز»

