ربما يبرهن استعراض الألعاب النارية الذي أطلقه الزعيم الكوري كيم جونغ إيل في الرابع من يوليو أن ذلك اليوم كان أفضل يوم بالنسبة للرئيس جورج بوش منذ انتقل أبو مصعب الزرقاوي إلى العالم الآخر. على امتداد سنوات، حاول بوش إقناع الرأي العالمي بأن كيم رجل مضطرب نفسياً لا يمكن الاطمئنان إلى امتلاكه أسلحة نووية.
وبإطلاق كل تلك الصورايخ في بحر اليابان، مضى كيم شوطاً طويلاً لإقناع هيئة المحلفين العاجزة عن اتخاذ أي قرار بأن بوش محق فيما قاله. كما أن كيم قدم دليلاً دامغاً على أن الدفاع الصاروخي قد لا يكون مجرد فكرة سخيفة من أفكار اليمين الأميركي في نهاية الأمر.
وهناك أنباء سارة أخرى مفادها أن الصواريخ بعيدة المدى من طراز تايبودونغ 2 ـ والتي كان من المفترض أن توجه قذائفها إلى الولايات المتحدة ـ بعيدة كل البعد عن كونها تمثل تهديداً حقيقياً. ومع كونها قد وضعت على منصات إطلاق الصورايخ، مزودة بالوقود، وعلى أهبة الاستعداد للانطلاق، لمدة أسبوعين، فقد انطلق الصاروخ 42 ثانية قبل السقوط في بحر اليابان.
ولا نعلم ما إذا كان الصاروخ التايبودونغ 2 قد مضى بعيداً عن مجراه، وفجرته كوريا الشمالية،أم أنه أخفق في الانطلاق كلية، ولكن هذا هو الاختبار الأول للصواريخ الباليستية العابرة للقارات الذي تجريه كوريا الشمالية في غضون ثمانية أعوام، وقد برهنت على الفشل التام.
اليوم، وعلى امتداد السنوات المقبلة، لا تشكل كوريا الشمالية أي تهديد صاروخي للولايات المتحدة. وبالفعل فإن السوق العالمي لصواريخ كوريا الشمالية ربما انكمش قليلاً في الخامس من يوليو، لاسيما عندما سقط أحد الصواريخ قصيرة المدى على روسيا الأم.
ولحفظ «ماء وجهه» الذي أريق، سيتعين على كيم إثبات أن صواريخه من نوع تايبودونغ تعمل، ما يعني أنه يجب إجراء المزيد من الاختبارات، على الرغم من نداءات المجتمع الدولي.ولماذا يعد هذا نبأ ساراً؟ لأنه من الأفضل أن نعرف من أن نجهل صفات الخصوم وقدراتهم.
لم يتسبب إطلاق كيم الفاشل للصواريخ في وقوعه في الحرج فحسب، فقد جعل من كل نصير من أنصاره في آسيا يبدو كالأحمق. فرئيس كوريا الجنوبية، الذي اتبع «سياسة الشفافية» تجاه بيونغ يانغ وخطط للقيام بزيارة رسمية لها، ناشد كيم بألا يقوم بإطلاق الصواريخ. ولم يتلق رداً إيجابياً.
والصينيون الذين سهروا على مصالح كيم في المحادثات سداسية الأطراف مع الولايات المتحدة، والذين كان غذاؤهم ووقودهم ضروريين لبقاء كيم، طلبوا منه أيضاً عدم إطلاق الصواريخ. فرفض طلبهم أيضاً. وتبدو بكين اليوم أمام العالم باعتبارها أقل تأثيراَ على الدولة العميلة لها مما جعلت العالم يظنه.
وحذرت اليابان كيم أيضاً من إطلاق الصواريخ، حيث أن آخر صاروخ بعيد المدى جرى اختباره حلق فوق الجزر اليابانية. وتجاوزها اليابان الآن بإيقاف تقديم المساعدات وقطع الصلات في مجال السفر، ننظر بعين الحذر إلى الدفاع الصاروخي، والاقتراب من الولايات المتحدة وربما التفكير في الرادع النووي الخاص بها، وليس بإمكان أي من هذه الخيارات جعل الصين، راعية كوريا الشمالية، تبتهج.
وتجاهل بوش، بحكمة، وزير الدفاع السابق وليام بيري ووزير الخارجية السابق لورنس إيغلبيرغر، اللذين حثاه على توجيه ضربات صاروخية وجوية من أجل تدمير صواريخ تايبودونغ على منصاتها. كان كيم سيضطر إلى الرد، ربما بواسطة سد من نيران المدفعية على المنطقة المنزوعة السلاح. الأمر الذي كان من شأنه أن يشعل حرباً كورية ثانية، وهو آخر ما تتمناه أميركا الآن. وإذا قدر لحرب كورية ثانية أن تنشب، فليخضها الكوريون.
ويتعين على بوش أيضاً تجاهل الضجة التي تطالب بفرض عقوبات جديدة. ذلك لأن الضعاف، النساء، المرضى، كبار السن، الأطفال هم الذين سيتعرضون بدون استثناء لما أسماه وودرو ولسون «العلاج الصامت والقاتل» ولن يتعرض له الدكتاتوريون العاكفون على أنفسهم مثل صدام وكيم جونغ ايل أو حرسهم الموالي لهم. لقد عانى الشعب الكوري الشمالي ما فيه الكفاية في ظل حكم كيم وأبيه.
وينبغي ألا نضيف المزيد إلى معاناتهم. ما الذي ينبغي على أميركا القيام به حيال الاختبار الصاروخي الاستفزازي الذي يجريه كيم؟ إن عليها الاقتداء بمثال وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية دين راسك، الذي أخبر وكيلاً لوزارته اشتد به الانزعاج في وقت من الأوقات: لا تقم بأي شي. قف هناك.
يتعين على أميركا التراجع وترك آسيا تستوعب الدرس، على الرغم من أننا على الجانب البعيد من المحيط الهادئ، فإننا قمنا بحمل عبء الدفاع عن كوريا الجنوبية واحتواء الشمال على امتداد 50 عاماً. والآن نخطط للتخلص من هذا العبء. ومع انتهاء الحرب الباردة، ليس لأميركا أي مصلحة حيوية في شبه الجزيرة الكورية لتبرير إرسال جيش آخر كي يخوض حرباً أخرى هناك.
وعلينا إخراج جنودنا الذين أصبحوا كالرهائن من الجنود من المنطقة المنزوعة السلاح وإرجاعهم إلى جوام، إن لم نرجعهم جميعاً إلى الولايات المتحدة. إذا قامت كوريا الشمالية بمهاجمة كوريا الجنوبية أو القواعد البعيدة عن الشاطئ في آسيا، فإن بإمكاننا الرد بالقوة الجوية والبحرية من البحر. وبينما يعجز الشمال عن ضرب الولايات المتحدة، فإن بإمكاننا مهاجمة الشمال ساعة نشاء. ويعد كيم وأسلحته النووية وصواريخه مشكلة آسيا في المقام الأول، وليس مشكلتنا.
وقد آن الأوان للآسيويين لتحمل المسؤولية عن دفاعهم في مواجهة كوريا الشمالية التي يعد اقتصادها وسكانها محدودين بمعيار أي قوة كبيرة. وإذا رغب الرئيس الكوري الجنوبي بانفراج مع كيم جونغ ايل، فلتقدر سيؤول التكاليف ولتتحمل العواقب إذا برهن على أنه نيفيل تشيمبرلين. وفي خطابه الوداعي، قبل 55 عاماً، دعا الجنرال مكارثر أميركا إخراج جنودها من آسيا وتشكيل خطنا الدفاعي في الجزر البعيدة عن الشاطئ. كانت تلك النصيحة مجدية آنذاك. ولا تزال كذلك الآن.
ترجمة: كوثر علي
عن «أنتي وور»
بقلم: باتريك بوكانان
