يلقي المؤلف الضوء هنا على تاريخ الاحتلال في العراق والمقاومة الوطنية الباسلة لقوات الاحتلال البريطانية والكفاح الذي خاضه العراقيون لنيل استقلالهم، وهو يشدد على أوجه الشبه بين غطرسة الاحتلالين البريطاني والأميركي، ويؤكد أنه على الرغم من عدم وجود جبهة تحرر وطني موحدة في العراق اليوم لأسباب موضوعية يشير إليها فإن من المؤكد أن العراقيين لن يتعايشوا طويلاً مع احتلال بلادهم من قبل قوى أجنبية.
ليست الولايات المتحدة أول دولة تحتل العراق بينما تعلن أنها جاءت لتحريره وليس لاحتلاله، فللعراقيين تاريخ طويل من التعرض للاحتلال ومقاومته، وهي حقيقة تجاهلتها حكومة بوش وحلفاؤها العراقيون المنفيون عن قصد عندما توجهوا إلى بغداد في ربيع 2003، وهم مطمئنون لتحقيق انتصار حاسم وفي وقت قصير.
لقد تكهن الذين يعرفون ولو شيئاً بسيطاً عن تاريخ العراق بردة فعل وطنية شرسة ضد الولايات المتحدة وحلفائها. والعراقيون يتذكرون ليس فقط آخر خيانة أميركية للعراقيين الذين ثاروا ضد صدام حسين في نهاية حرب الخليج 1991، الذين شجعتهم الولايات المتحدة ثم تخلت عنهم لذبحهم،
ويتذكرون أيضاً سنوات العقوبات والهجمات الجوية الأميركية والبريطانية المتقطعة، مثلما يستذكرون بكل وضوح دروس الاحتلال البريطاني للعراق في النصف الأول من القرن العشرين. إن أوجه الشبه بين غطرسة وعجز الاحتلالين البريطاني والأميركي مذهلة، وهي تساعد في تفسير السبب الذي يجعل كثيراً من العراقيين لا يصدقون اليوم مزاعم الذين يدعون أنهم حرروا بلدهم.
ولد العراق الحديث من بين أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنهارة التي عانت من هزيمة شديدة نتيجة انتصار الحلفاء على ألمانيا وتركيا في الحرب العالمية الأولى، ففي نهاية تلك الحرب برزت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة كقوة رئيسية في الصراع على رسم حدود الدول الجديدة،
وحلّ قضايا الفئات المضطهدة التي حرمت لفترة طويلة من تقرير المصير مثل الأكراد والأرمن، وحسم السيطرة في الممرات التجارية والقواعد العسكرية والأسواق الاقتصادية والموارد في الشرق الأوسط وغربي آسيا، وكلها أشياء مهمة.
وحتى قبل اكتشاف النفط في العراق، كانت المملكة المتحدة تعتبر المنطقة حيوية للسيطرة على الخليج العربي، وذلك لموقعه الاستراتيجي قرب طريق رئيسي للسفن المتوجهة إلى الهند والتي أخذت تعتبر فيما بعد جوهرة في تاج الإمبراطورية البريطانية، لكن تصوّر استغلال النفط هناك جعل البلد ذا أهمية جيوسياسية أكبر، فقد كتب وليم ستايفرز في كتابه «التفوق والنفط».
في وصفه للنزاع في الشرق الأوسط عند نهاية الحرب العالمية الأولى: «إن ثروات العراق النفطية جعلته الهدف الرئيسي للنزاع بين المناطق العربية التي فككت في تسوية ما بعد الحرب».
من مود إلى بريمر
دخلت شركات النفط الأميركية أولاً إلى الشرق الأوسط في شراكة مع شركة البترول التركية، التي أسست في عام 1912 «لاستغلال ثروة العراق النفطية«، ولفترة اتصفت باحتكار الامتيازات النفطية العراقية.
وفي شهر أغسطس 1918 كتب وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفور إلى مجلس الحرب الملكي عن احتمالات وجود احتياطيات نفطية ضخمة في العراق، وقال : «إنني أؤيد التوجه إلى أبعد ما يمكن حتى الموصل» التي كانت خاضعة في ذلك الوقت لفرنسا: «قبل أن تنتهي الحرب».
ومن خلال سلسلة من المعاهدات والمناورات العسكرية أقامت بريطانيا دولة العراق، وضمت المحافظات الثلاث، الموصل (التي كانت بشكل رئيسي كردية)، وبغداد (والتي كانت بشكل رئيسي سنية مسلمة) والبصرة (التي كانت شيعية بشكل رئيسي)
ونصبت نظاماً ملكياً وأقامت حكم الانتداب على العراق، الذي تقررت حدوده الإقليمية على يد حفنة من المديرين الاستعماريين بوجود شخصين عراقيين فقط. وأبقت بريطانيا على الكويت التي أقامتها في البداية في عام 1899 وحققت السيطرة على منفذ إلى خطوط الملاحة انطلاقاً من الدولة الجديدة.
إن العاهل الذي نصبته بريطانيا على العراق في أغسطس 1921، وهو الملك فيصل، كان قائد القوات العربية التي حاربت إلى جانب القوات البريطانية ضد الأتراك. وكان البريطانيون قد حاولوا في البداية تنصيب فيصل كحاكم لسوريا قبل أن يتم إخراجه بالقوة في يوليو 1920، وكان دوره في العراق العمل كشخصية رمزية،
فقد اعترف فيصل قائلاً: «إنني أداة للسياسة البريطانية». وقامت ما تسمى باللجنة الشرقية للحكومة البريطانية التي كان يرأسها لويد جورج بوضع هذه السياسة بوضوح في شهر أغسطس 1918، حيث يتوجب أن يحكم العراق «واجهة عربية».
وبكلمات اللورد كيرزون، «يمكن أن يحكم العراق ويدار بتوجيه بريطاني ويسيطر عليه طاقم مسلم، وأن يكون عربياً قدر الإمكان» ويمكن منح العرب في النهاية، استقلالاً، «لكن ليس قبل أن يثبتوا أنهم يستحقون ذلك» - حسب قول السير مارك سايكس.
وقال اللورد كيرزون: وإلى أن يحين ذلك الوقت فإن «استيعاب» العراق في الإمبراطورية البريطانية ينبغي أن «يتقنّع بأوهام دستورية كمحمية، مجال نفوذ، دولة عازلة..الخ..».
ووفقاً لكلام ستايفرز، «إلى أن يثبت العرب أنهم دولة متقدمة يحترمون قدسية الممتلكات والتعاقد ويستطيعون إدارة الهياكل الإدارية والقضائية بطريقة ترضي القوى الكبيرة، فإنهم سيظلون تحت الرعاية.
ولن يحصلوا على الاستقلال إلا إذا أظهروا أنهم سيستخدمون حريتهم السياسية وفقاً للمعايير الليبرالية» - أو وفقاً لما يمكن أن نصفها اليوم «بالمعايير الليبرالية الجديدة»: فتح الأسواق أمام الاستثمار الأجنبي، تخفيض الضرائب وقمع التدابير الراديكالية بواسطة النقابات والمعارضة السياسية.
في يناير 1918، ألقى الرئيس وودرو ويلسون خطابه الذي لقي ثناء كبيراً والذي ضمّ «أربع عشرة نقطة» أمام الكونغرس، حيث أفصح بكل وضوح عن الحق الأساسي في تقرير المصير لجميع الشعوب، لكن اللورد بلفور أدرك بوضوح النوايا الحقيقية وراء حديثه عن الديمقراطية وتقرير المصير: «إن الرئيس ويلسون لم يقصد بشكل جدّي تطبيق ما قاله خارج أوروبا،
وعنى أنه لا يتوجب أن يبقى أي مجتمع «متحضر» في أعقاب المجتمعات «المتحضرة» الأخرى - وأنه لا يتوجب منح الشعوب غير المتطورة سياسياً، تقرير المصير. واستنتج بلفور أن الولايات المتحدة لن تقف في طريق المحاولات البريطانية الرامية إلى السيطرة على العراق والدول الأخرى في المنطقة - أو خارجها وقد قال ويلسون نفسه أن مبدأ تقرير المصير لا ينطبق على المستعمرات «التي ما زالت شعوبها في مرحلة متدنية من الحضارة».
وقال روبرت لانسنغ، وزير خارجية ويلسون ان السياسة لا يمكن تطبيقها على أفريقيا، التي يعيش فيها «أناس قساة في مرتبة متدنية من الحضارة لا يستطيعون أن يتوصلوا إلى قرار ذكي». كانت مثل هذه العنصرية مرتبطة بشكل وثيق مع تبرير الإمبراطورية البريطانية للإمبريالية.
بعد أن دخل الضباط والجنود البريطانيون بغداد مارس 1917 أصدر الجنرال سير ستانلي مود الذي كان في ذلك الوقت قائد أركان القوات البريطانية في العراق تصريحاً يقول أن الجيش البريطاني قد جاء ليس «كقوة احتلال أو عدو بل كقوة تحرير».وقد تكررت نفس الكلمات بعد ست وثمانين سنة، دون أي شيء من المفارقات، من قبل الحاكمين الإمبرياليين الجديدين للعراق، جاي غارنر وبول بريمر.
رؤية واضحة
كان العراقيون عندئذ، كما هم الآن، ينظرون إلى الأمور بصورة مختلفة بالنسبة للبريطانيين ليس كقوة تحرير بل قوة احتلال، ورأوا فيصل ليس كممثل لهم وإنما كدمية يخدم مصالح القوة الحقيقية في العراق: البريطانيين. وفي عام 1920 اضطر الاحتلال إلى استدعاء الجنود من انجلترا وإيران والهند لسحق انتفاضة شعبية استمرت حتى هزيمتها في فبراير 1921.
وقد شكا سير أرنولد ويلسون من الثورة وقال: «إن ركل رجل حين يكون على الأرض، تسلية أكثر انتشاراً في الشرق». وحسب رأيه فإن ضحايا الاحتلال الحقيقيين كانوا البريطانيين مثلما يصور بوش اليوم الولايات المتحدة كضحية للعدوان العراقي.
لم تكن الانتفاضة في العراق معزولة عن غيرها بل كانت من بين سلسلة أوسع من الثورات في كل أنحاء الإمبراطورية البريطانية مما كان يعني أنها أكثر أهمية حتى يتوجب قمعها. فقد وصف ونستون تشرشل ثورة عام 1920 بأنها «جزء فقط من ثورة عامة ضد الإمبراطورية البريطانية وكل ما تمثله».
وقد ربطت مذكرة من مكتب الهند التابع لبريطانيا، الثورة في العراق بالثورة الروسية عام 1917 التي أوجدت طموحات بين العراقيين والشعوب المقموعة الأخرى من أجل «إلغاء السيطرة الأوروبية من كل نوع في كل أنحاء الشرق».
وفي سبتمبر 1920، عقدت الشيوعية الدولية مؤتمر شعوب الشرق في باكو، أذربيجان، سعياً إلى تشجيع وتنسيق الحركات الثورية في آسيا، وشجب بيان المؤتمر استعمار ما بين النهرين ومحاولات بريطانيا الرامية إلى السيطرة على «الحقول النفطية الغنية جداً في البصرة والموصل».
وكان هنالك قضية أخرى بالنسبة لإنجلترا والتي تمثلت في المغالاة في بسط السيطرة، فقد حذّر رئيس الأركان العامة الإمبراطورية في مذكرة داخلية دقيقة جداً: «إننا في الوقت الحالي لا نملك أية قوة احتياط مهما كان نوعها .. والتي يمكن بها تعزيز حامياتنا في أي جزء من العالم.»
لذلك قررت بريطانيا استخدام قوتها الجوية التي لا تضاهيها أي قوة أخرى في محاولة سحق أي مقاومة ضد الاستعمار في العراق. وقد قال الكولونيل جيرالد ليشمان: « أن الطريقة الوحيدة للتصدي للأكراد والمسلمين الثوار تتمثل في ذبحهم بلا تمييز».
وأوصت قيادة سلاح الجو الملكي في الشرق الأوسط باستخدام أسلحة كيماوية، وبالتحديد غاز الخردل، ضد «العرب الحرونين» «كتجربة». وعندما قرأ ونستون تشرشل المذكرة كتب: «إنني أؤيد جداً استخدام الغازات السامة ضد القبائل غير المتحضرة وذلك لإثارة الرعب».
وأدرك تشرشل أيضاً أن بريطانيا كان عليها أن تدعم واجهة دولة مستقلة ففي أكتوبر 1922 وقعت بريطانيا وعملاؤها في العراق على اتفاقية تعترف «بسيادة العراق الوطنية» بينما كانت تضمن في الحقيقة أن يبقى العراق تحت السيطرة البريطانية بشكل راسخ، لسنوات قادمة،
ووافق فيصل على أن يسترشد بنصيحة جلالة ملك بريطانيا التي تجيء من خلال المندوب السامي حول كل الأمور المهمة التي تؤثر على الإلتزامات الدولية أو المالية والمصالح البريطانية (كما سيخضع العراقيون لاحقاً لنظام مدروس من مستشارين أميركيين في العراق)».
لم يكن مسموحاً للعراق بأن يقود قواته، وكان يتوجب أخذ موافقة بريطانيا على أي عمل عسكري، ويمكن أن تكون أية مساع بريطانية عراقية مشتركة تحت قيادة بريطانية. ويمكن أن يطلب المندوب السامي البريطاني من العراقيين أن يفرضوا الأحكام العرفية، وشملت الاتفاقية قواعد عسكرية طويلة الأجل وحقوق ترانزيت وامتيازات نفطية للبريطانيين، وطلبت من العراق أن يدفع تكاليف العملية الاستعمارية لبريطانيا هناك.
ولتحقيق أهدافها فإن بريطانيا طورت علاقات مع طبقة صغيرة من العراقيين النخب الذين يمكن أن يحكموا البلد نيابة عنها، والذين يمكن أن يحكموا بمساندة بريطانيا فقط، لأنهم لم يكن لهم أية شرعية شعبية أو قاعدة اجتماعية،
واستفادت هذه الطبقة العميلة من الاحتلال بينما كانت الأغلبية الشاسعة من العراقيين يعانون من الحرمان والقمع وهذه الطبقة حكمت نيابة عن البريطانيين الذين أوضحوا أنهم سيحضرون قوتهم العسكرية إذا لم تقم الواجهة العربية بدورها على النحو المطلوب.
كانت بريطانيا تأمل في أن تخلق في العراق ما وصفته إحدى مذكرات مكتب المستعمرات: «دولة عربية قوية صديقة للحكومة البريطانية، تكسر سلسلة التأثيرات التي قد تكون معادية».
وقالت مذكرة أخرى: «إن ما هو مناسب للهدف الحالي هو الرغبة في الحفاظ ضمن مجال النفوذ البريطاني على ما قد يثبت أنه واحد من أهم الحقول النفطية في المستقبل».وفي الحقيقة، فإن خبيراً نفطياً تكهن في عام 1919 بأن «بلاد ما بين النهرين سوف تصبح واحداً من أعظم الحقول النفطية في العالم».
حديث عن «الحقوق»
لم تكن الولايات المتحدة سلبية أمام هذه التطورات، فبحلول عام 1910 كانت شركة ستاندرد أويل من نيوجيرسي قد بدأت عمليات تنقيب كبيرة عن النفط في العراق وبحلول عام 1919، كان مضاربو النفط الأميركيون يكتبون عن حقوق النفط «التي تخص المواطنين الأميركيين».
إن الفكرة الماثلة في أن العراقيين قد يسيطرون على النفط في أرضهم لم تكن تخطر على بال، وكان السؤال الوحيد فيما إذا كانت بريطانيا أو فرنسا أو تركيا أو الولايات المتحدة سوف تستغل النفط لمصالحها الاستعمارية،
وفي النهاية قررت الولايات المتحدة أن تدخل العراق كشريك أصغر لبريطانيا وهو تراجع عما يسمى الآن بالعلاقة الخاصة بين البلدين. كانت بريطانيا تحتاج إلى رأس المال الأميركي، وكانت الولايات المتحدة تريد من بريطانيا أن تقدم على مخاطر ومسؤولية ضمان الاستقرار.
وبينما كانت بريطانيا تبقي على وهم الاستقلال العراقي، فإن الاحتلال البريطاني لم يوافق سوى على الإشراف على تطبيق العراق لقرار عصبة الأمم عام 1932، بعد خمسين سنة من إعلان الجنرال مود، وخلف الكواليس كانت بريطانيا تضمن الاتفاقيات التي تحدّ إلى درجة كبيرة من السيادة العراقية.
واستمرت المقاومة للحكم البريطاني طوال العشرينات والثلاثينات، تظهر في ثورات بين الحين والآخر، لكن الحرب العالمية الثانية أوجدت مجموعة جديدة من الظروف التي كانت ستصبح حاسمة بالنسبة لمصير العراق. ففي نهاية الحرب برزت الولايات المتحدة كقوة عالمية كبيرة في الشرق الأوسط، وحلت محل بريطانيا وفرنسا.
وفي عام 1949 حققت الهند الاستقلال أخيراً عن بريطانيا لتبدأ فترة من الكفاح الناجح ضد الاستعمار من أجل الاستقلال، في كل أنحاء أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وهي الفترة التي أخذت تعيد رسم السياسات العالمية.
وساعدت التطورات الدولية في إثارة الكفاح من أجل الاستقلال في العراق، وبأخذ مثال تأميم نفط إيران بقيادة محمد مصدق في عام 1951 بدأت الأحزاب العراقية المتنافسة في العمل بشكل تعاوني وللمرة الأولى شكلت جبهة تحرير وطني موحدة، وفي الوقت ذاته أدت عائدات النفط المتزايدة إلى جعل العراق أقل اعتماداً على الدعم الشعبي - وإلى تقوية بيروقراطية الدولة ذات التوجه العسكري الكبير.
تقول سميرة الحاج «عندما أخذت الحكومة تصبح أكثر قسوة وقمعاً، أصبحت المقاومة السياسية أكثر وضوحاً وتحدياً».وأجبرت تصرفات الحكومة العراقية «المعتدلين داخل المعارضة إلى أن يفقدوا الثقة في استراتيجية إصلاح النظام القائم». وفي يوليو 1958 حقق العراقيون أخيراً، الاستقلال وأنهوا النظام الملكي الذي نصّبه البريطانيون.
يكتب المؤرخ العراقي حنا باتاتو: «إن مزاج الثورة الذي أدى إلى الثورة في عام 1958 لم يسفر عن حدث وحيد، لكنه تراكم ببطء وبالتدريج». لقد اعتمد تحقيق الاستقلال العراقي على عدد كبير من قوى المعارضة، بما فيها القوميون، والضباط الأحرار والقوميون العرب والفصائل الدينية وأعضاء الحزب الشيوعي. لكن الوحدة الهشة للمعارضة لم تدم في فترة ما بعد الثورة، وظهر حزب البعث في الحال كقوة بارزة في السياسة العراقية.
ولترسيخ سيطرته فإن الحزب نظم انقلاباً في عام 1963 وقام بحملة منهجية من ذبح المقاتلين الشيوعيين والمتعاطفين معهم وفي حملته ضد المنشقين كان حزب البعث يعتمد على قوائم وفرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، السي آي إيه، التي أيدت ظهور البعثيين كمتراس ضد الثورة الشيوعية في العراق.
وهنا تكمن أصول دعم الحكومة الأميركية منذ أمد بعيد لصدام حسين الذي برز ضمن صفوف حزب البعث ليصبح نائب رئيس بعد انقلاب بعثي آخر في عام 1968 ورئيساً في عام 1979. وركز البعثيون المزيد من السلطة بين أيد بيروقراطية واسعة للدولة وجهاز أمني، وكان أي انشقاق يؤدي إلى التعذيب أو السجن أو الإعدام.
وكما يكتب الصحافي الإيطالي ايلاريو سالوسي في «تاريخ شعب العراق»
كان عدد أفراد حزب البعث الذي تولى السلطة في عام 1968 بضع مئات فقط، وهو تنظيم كان يسعى بشكل حثيث إلى قاعدة اجتماعية، ولم يكن يبحث عن دعم بين الفلاحين أو العمال الفقراء في البلاد بل كان هدفه في حقيقة الأمر تحييد الطبقات الثانوية...
ونظر إلى بناء قوته بين أعضاء الطبقة المتوسطة في جهاز الدولة (إضافة إلى القوات المسلحة التي ازداد عددها بشكل كبير على مرّ السنوات)، وشريحة الطبقة المتوسطة المعتمدة بشكل كامل على الدولة، والطبقات المتوسطة الريفية المختلفة.
الجبهة الغائبة
واصلت الحكومة الأميركية دعم صدام حسين خلال القمع الشرس لمعارضيه، بما في ذلك حملة مميتة من التطهير العرقي ضد الأكراد في الثمانينات، كما أن الولايات المتحدة شجعت صدام حسين على مهاجمة إيران بعد الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979 خوفاً من أن تلهم إيران ثورات إسلامية أخرى في الشرق الأوسط.
ولم تنقلب واشنطن على صدام حسين إلا عندما تصرف بشكل مستقل بغزو الكويت في اغسطس 1990 ربما على اعتقاد منه بأنه يمكن أن يحقق هناك ما حققته الولايات المتحدة في بنما في السنة السابقة وهو تغيير النظام دونها وتنصيب حكومة دمية، وربما كان يعتقد أيضاً أن الولايات المتحدة قد أعطته موافقة ضمنية على الغزو.
وعلى أية حال، فإنه أساء التقدير بشكل سييء، فآلة الحرب الأميركية التي تحركت وكما هو الحال في عامي 2002 و 2003 لن ترتدع، حتى حين كانت فرص انسحاب عراقي بالتفاوض من الكويت متوفرة بشكل واضح، وبلا أية رحمة قامت الولايات المتحدة بذبح الجيش العراقي المتقهقر لترسل إشارة للعالم أن هذا هو ثمن التحدي.
ومع انهيار احتلال الكويت انتفض الأكراد والشيعة إضافة إلى بعض السنة في الجيش، في محاولة للإطاحة بحكومة صدام حسين وكان الرئيس قد قام كلامياً بتشجيع الثورة لكن عندما وقعت فإنه ومستشاريه فضلوا إبقاء صدام حسين في السلطة بدلاً من مساندة ثورة لا يمكنهم السيطرة عليها.
وكما كتب الصحافي الشرق أوسطي المخضرم تشارلز غلاس، الذي كان في العراق في وقت الثورة «فإن الشعب العراقي نفسه كان يتوجب السماح له بالإطاحة بالنظام في عام 1991 لكن الولايات المتحدة لم تكن تريد ذلك. وحين يتعلق الأمر بتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، كما هو الحال في أميركا اللاتينية سابقاً، فإن الأميركيين يفضلون عدم ترك الأمور لأبناء البلد.
في فترة ما بعد حرب الخليج، كانت إدارتا بوش الأب وكلينتون تسعيان إلى تحقيق تغيير الحرس بشكل يمكن التحكم به في العراق، وعندما أصبح واضحاً أن استراتيجية تغيير النظام من الداخل لم تكن مجدية، قررت إدارة بوش الابن أنها ستسعى إلى تغيير النظام من الخارج. وهي تتسلح بغطاء الردّ على هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
وبدلاً من استقبال القوات الأميركية التي تحتل العراق حالياً كمحررين فإنهم يعتبرون قوات احتلال، فالإعلام المؤسسي والسياسيون في أميركا يصورون العراقيين الذين يقاومون الاحتلال بأنهم بقايا حزب البعث، يائسون، وأعضاء القاعدة لكن أغلبهم عراقيون عاديون يعرفون جيداً تاريخ القوى الاستعمارية التي تجيء بالديمقراطية عبر القنابل والهراوات، كما يعرف العراقيون تاريخ القوى الاستعمارية التي تستخدم سياسة «فرّق تسد» والتهديد بوقوع حرب أهلية لتبرير وجودها.
إن العراق حالياً لا يملك جبهة تحرر وطني موحدة مثلما حدث في الخمسينات، وذلك إلى حدّ ما بسبب إرث مذابح 1963 وبسبب التلاشي المستمر للعلمانية تحت تأثير ثلاث عشرة سنة من العقوبات والهجمات الخارجية، لكن للعراق تقليداً طويلاً من الوطنية العلمانية ومناهضة الاستعمار، مما يعني أن العراقيين لن يتقبلوا بهدوء الاحتلال من قبل قوة أجنبية.
ترجمة: محمود برهوم ورغدة عزيزية


