انقضى 230 عاماً منذ تم التوقيع على وثيقة جيفرسون في فيلادلفيا، والتي أعلنت استقلال المستعمرات الثلاث عشرة للأبد عن انجلترا التي يحكمها جورج الثالث. وفي خطابه الوداعي عرف جورج واشنطن الاستقلال في جملة واحدة: « تتمثل سياستنا الفعلية في تجنب أي تحالفات دائمة مع أي جزء من العالم الخارجي.

ردد جيفيرسون صدى ما قاله الأب المؤسس لأميركا، معلناً أن السياسة الأميركية هي سياسة «سلام، تجارة، صداقة نزيهة مع كل الدول، تجنب التورط في التحالفات مع أحد». اعتقد الرئيس آدمز أن أعظم ما أنجزه كان قيامه بمنع تردي الحرب البحرية مع فرنسا إلى حرب شاملة مع نابليون، ووضع حد لتحالف أميركا العائد إلى عام 1778 مع باريس.

ولن تدخل الولايات المتحدة تحالفاً دائماً آخر على امتداد 150 عاماً، ويشكل حلف الناتو استثناء. وبرز في وضع غير عادي وهو الحرب الباردة. لأن أميركا ظلت مستقلة عن التحالفات الأوروبية- التحالف الودي البريطاني، الفرنسي، الروسي والتحالف الثلاثي الذي ضم ألمانيا، الإمبراطورية النمساوية المجرية وإيطاليا، يصل الأميركيون إلى ميادين القتال في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) إلا قبل ستة أشهر من إعلان الهدنة.

وقد خسرت أميركا 116000 جندي في حمام الدماء ذاك. ولكنها تجنبت الإصابات المريعة التي أسفرت عن سقوط الإمبراطوريات النمساوية المجرية والألمانية والروسية والعثمانية وإصابة البريطانيين والفرنسيين بجراح لا تزول حتى اليوم. وقد بزغت أميركا باعتبارها الدولة الأقوى والأعظم تقديماً للقروض لغيرها على وجه الأرض، وذلك مع رفض مجلس الشيوخ لمعاهدة فرساي ولعصبة الأمم كأداة لتنفيذ شروطها المخزية.

لقد نشبت الحرب العالمية الثانية في الثالث من سبتمبر 1939، عندما أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا وفاء بتعهد كان رئيس وزرائها نيغل تشمبرلن قد قطعه لبولندا وسقطت فرنسا في أواخر ربيع 1940 مع طرد البريطانيين من أوروبا، وقد تعرض الاتحاد السوفييتي للغزو في يونيو 1941.

وقد مات الملايين في وسط وشرق أوروبا.وبتحررهم من التحالفات، لم ينزل الأميركيون في فرنسا إلا بعد 5 سنوات من بدء الحرب، أي 11 شهراً قبل انتهاء الحرب في أوروبا. لم يقدر لأي من هذه الإمبراطوريات النجاة من هذه الحروب. ولم تترك أية دولة أوروبية عظمى من دون إضعافها. فهذه الحروب أنهت دور أوروبا باعتبارها القوة التي تحدد مجرى تاريخ العالم.

وهكذا فإن أميركا هي التي برزت باعتبارها الدولة الأولى على الأرض، الجمهورية الأولى في التاريخ من حيث الاكتفاء الذاتي، الزعيم الذي لا يقبل الجدل في الغرب. وعلى امتداد 40 عاماً من الحرب الباردة ضد إمبراطورية سوفييتية، رسمت أميركا خطاً أحمر عبر أوروبا وطلبت من موسكو عدم المرور. ولم نعبر نحن أيضاً لتحرير أوروبا الشرقية، وعندما اندلعت الثورة المجرية عام 1956، سحقت الدبابات الروسية ربيع براغ عام 1968 أو تم سحق انتفاضة منظمة «تضامن» بناء على أوامر موسكو عام 1981.

وبخلاف البريطانيين والفرنسيين الذين أعلنوا الحرب بسبب الغزو الألماني لبولندا عام 1939، لم يعتقد الأميركيون أن أوروبا الشرقية تستحق المجازفة بخوض حرب عالمية جديدة. وقد صبرنا طويلاً كي تنهار الإمبراطورية الفاسدة. والصبر أعطى ثماره، لأن ريغان كان يعتقد على الدوام أن الوقت لصالحنا وكان لصالح الحرية، ولا يزال كذلك.

ومع ذلك، فإن سياسة واشنطن وجيفرسون الخارجية، وسياسة أيزنهاور وريغان القائمة على عدم التدخل- التي تقول بتحقيق السلام بالقوة،و بالنأي عن الحروب حيث أن المصالح الأميركية ليست إمبريالية،إلا إذا تعرضت الولايات المتحدة للهجوم، هذه السياسة تتعرض اليوم للسخرية باعتبارها نزوعاً جباناً للعزلة.

لذا، فإن نهاية الحرب الباردة لم تجيء معها نهاية تحالفات الحرب الباردة، إنما جاء توسيع نطاقها الدائم، وإضافة حلفاء جدد، حتى إذا كان من غير المحتمل اندلاع حرب عظمى في أي مكان على وجه الأرض، من دون مشاركة الولايات المتحدة فيها منذ اليوم الأول.

تعد التحالفات أحزمة نقل الحروب. وهي مؤقتة، مثل التحالف الفرنسي لعام 1778 وتحالف الناتو لعام 1949- قد يكون ضرورياً، ولكن الجمهورية الحكيمة تنهي هذه الارتباطات عندما تكون الأزمات قد وصلت إلى نهايتها، وتستعيد حريتها في التصرف لتقرير موعد خوض الحرب، وما إذا كانت ستخوضها أصلاً، وألا تفرض عليها هذا القرار معاهدة ترجع إلى 50 عاماً.

ذلك هو ما علمنا إياه الآباء المؤسسون، وما اعتقدته أميركا- لصالحها بالطبع- على امتداد تاريخها.

ولكن إن استطاع المؤسسون العودة إلى الحياة وطرح عليهم هذا السؤال، «ما الذي يشبه أميركا 2006 أكثر، الجمهورية التي أوجدتموها، أم الإمبراطورية التي انفصلت عنها؟» فهل هناك شك في الكيفية التي ستكون إجابتهم عليها؟

إن أميركا اليوم تعتمد كلياً على الوقود الأجنبي، السلع الأجنبية، القروض الأجنبية، والحلفاء الأجانب أكثر من أي وقت مضى. فتعهداتها العالمية لم تكن كبيرة على الإطلاق شأن ديونها العالمية والدولية. غير أن قادة أميركا لا يزالون يسعون إلى جعلها أميركا أكثر ارتباطاً بالمؤسسات العالمية ابتداءً من منظمة التجارة العالمية إلى الأمم المتحدة وحتى اتحاد أميركا الشمالية. وهذا ليس الطريق الذي مهده لنا الآباء المؤسسون، ولكنه طريق مألوف، مرت به جميع الإمبراطوريات على امتداد التاريخ.

عن «أنتي وور»