منذ أكثر من نصف قرن، يتقاتل الإسرائيليون والفلسطينيون على المناطق ذاتها. ولقد جاءت وذهبت مقترحات لا تعد ولا تحصى لتقسيم الأرض بين الجانبين، ولم ينجح منها ولا مقترح واحد. والمسعى الأخير من إسرائيل لإنهاء المأزق بالانسحاب من غزة وتفكيك بعض المستوطنات في الضفة الغربية قوبل بالانتقاد باعتباره خطوة متواضعة جداً ومتأخرة جداً.

رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لخص خططه لترسيم حدود إسرائيل بشكل نهائي بحلول عام 2010- لكن طالما ظل الفلسطينيون يطالبون بعودة إسرائيل إلى حدود 1967، فليس من المحتمل أن يحدث أي انفراج في الطريق المسدود الحالي. وبالنظر إلى التصعيد الأخير في العنف، يبدو احتمال التوصل إلى حل سلمي متفق عليه من الطرفين على قيام دولة فلسطينية بجوار إسرائيل أبعد من أي وقت مضى. لكن هذا الوضع يحتم علينا أيضاً التفكير في الصراع من منظور جديد.

في عالم اليوم، لا تعني السيطرة على المناطق الجغرافية ما كانت تعنيه في الماضي. مفهوم الدولة أصبح أقل ارتباطاً بالأبعاد الجغرافية لأراضي الدولة، وأكثر ارتباطاً حرية الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا وحكم القانون.

ماذا يحدث لو استطاع الفلسطينيون والإسرائيليون بشكل أو بآخر الفصل بين مفهومي الدولة والإقليم الجغرافي، وتمكنوا من استكشاف طرق جديدة للعيش معاً؟ ماذا لو أعطي كلا الشعبين الحق - من حيث المبدأ على الأقل - للاستقرار على كامل المساحة الواقعة بين البحر المتوسط والأردن؟

أعترف أن مجرد تصور هذا ليس بالأمر السهل. عندما نفكر بالدول، نميل بشكل طبيعي للتفكير بالحدود، الحدود الحقيقية المحددة الواضحة التي يمكنك تعيينها على الخارطة. لكن الذي يدور في ذهني أمر مختلف كلياً، ويتجاوز المألوف بكل تأكيد.( ومع ذلك، فنظراً إلى فشل كل الحلول «الواقعية» على مدار الخمسين سنة الماضية، أعذروني إذا قلت أنه ربما آن الأوان الآن للتفكير في إمكانيات أخرى.)

يمكنك تسميتها «دولة ثنائية». بدلاً من الصيغة المألوفة التي تتعايش فيها دولتان جنباً إلى جنب، فسوف تكون إسرائيل وفلسطين دولتين إحداهما فوق الأخرى. بوسع المواطنين الاختيار بحرية إلى أي نظام يريدون الانتماء ، وجنسيتهم لن تكون محددة بالجغرافيا بل بالخيار. وسوف تبقى الدولة الإسرائيلية وطناً لليهود وفي الوقت ذاته سوف تصبح مكاناً يستطيع الفلسطينيون العيش فيه بحرية.

وهذه الهيكلية الإدارية الأساسية نجحت في أماكن أخرى، كالكانتونات السويسرية على سبيل المثال. ففي سويسرا أناس من أصول ومعتقدات مختلفة ويتحدثون لغات مختلفة ولهم ولاءات مختلفة، يعيشون معاً جنباً إلى جنب. وفي الدولة الفلسطينية الإسرائيلية الثنائية، يمكن إعطاء الوحدات الإقليمية الصغيرة حق الاختيار إلى أي دولة تريد الانتماء، اعتماداً على الأغلبية الانتخابية.

وفي الوقت نفسه، سيكون بإمكان الأفراد اختيار الجنسية التي يريدونها لأنفسهم، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه. والشخص الذي يعيش في كانتونة اختارت أن تنتمي إلى فلسطين يستطيع أن يختار أن يبقى مواطنا إسرائيليا، والعكس بالعكس.

ومن شأن الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يعيشون جنباً إلى جنب في منطقة إدارية إسرائيلية على سبيل المثال أن يشتركوا في العديد من الحقوق ذاتها ويعيشوا في ظل العديد من الواجبات ذاتها. وستكون لكل منهما حرية التحرك داخل المنطقة التي تشغلها الآن إسرائيل وفي أراضي الضفة والقطاع. وسيشتركان في عملة موحدة، ويشاركان في سوق العمل نفسه ويسهمان في الضرائب المشتركة ذاتها لقاء عدد من الخدمات المشتركة.

ويمكن تسوية النزاعات المدنية عن طريق محكمين معينين بشكل مستقل. وسيكون للآباء حرية اختيار المدرسة التي يريدون ارسال أبنائهم إليها، حيث يمكن تخصيص التمويل الحكومي للتعليم على أساس نسبي. وسيصوت الجيران لزعماء مختلفين في انتخابات مختلفة، لكن هؤلاء الممثلين المنتخبين سوف يعملون على التوفيق بين التشريعات حول عدد من الأمور مثل الضرائب والقانون الجنائي وقواعد المرور.

ولن تكون هناك حاجة للأسوار أو الحواجز الأمنية، ولن تكون هناك حاجة للدهاليز والممرات الآمنة، ولن تكون هناك حاجة لنقاط التفتيش. ستكون هناك قوة دفاع مشتركة لتأمين الحدود، وإدارة جمارك مشتركة تضمن وجود فضاء اقتصادي واحد.

ويمكن لكلتا الدولتين إبقاء رموزهما الوطنية وحكومتيهما وهيئاتهما الدبلوماسية المنفصلة. وسيتم التعامل مع الشؤون المحلية من قبل مدراء كانتونات على أساس الأغلبية، بينما يمكن ضمان حماية حقوق الإنسان والحريات للأفراد من خلال تعاون كلتا الدولتين.

وليس من الصعب تصور منطقة ذات أغلبية يهودية تتألف بشكل رئيس من إسرائيل الحالية زائد عدد من المستوطنات الكبرى. وتلك المنطقة ستكون تحت السلطة القانونية الإسرائيلية لكنها تبقى مفتوحة للفلسطينيين الذين يرغبون بالعيش تحت السلطة القانونية الفلسطينية. وبطريقة مشابهة يمكن للمرء تصور منطقة فلسطينية الجوهر تتألف من الضفة الغربية وغزة، وربما أجزاء من إسرائيل حيث يشكل عرب 1948 الغالبية السائدة.

وهذه المنطقة كلها ستكون أيضاً مفتوحة لليهود الذين يعيشون تحت حكم القانون الإسرائيلي. ويمكن إخضاع القدس للمبدأ نفسه. ولن تتغير الاعتبارات الديموغرافية على الأرض بين ليلة وضحاها. وعلى سبيل المثال فإن الانقسام بين القدس الشرقية والقدس الغربية سيبقى لبعض الوقت - لكن ستكون هناك على الأقل فرصة للناس ليتحركوا ويعيشوا بحرية.

ومن المؤكد أن الطريق إلى مثل هذه «الدولة الثنائية» سيكون محفوفاً بالتحديات، لكنه يمكنه إلى درجة كبيرة البناء على الوقائع الراهنة والتقدم خطوة تلو الأخرى. ومن شأن الانسحاب من الضفة الغربية، يرافقه بناء مؤسسات فلسطينية ذات مصداقية وديمومة، أن يطلق شرارة هذه العملية. وعند مرحلة معينة، يمكن البدء في محادثات مباشرة بشأن الاقتصاد المشترك والمسؤوليات المدنية والدفاعية لبناء الهيكلية الأساسية لهذه الدولة من النوع الجديد.

هل يبدو هذا المقترح غير واقعي بالمرة؟ ربما. لكن الوقائع الراهنة بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق. ثمة حاجة أساسية للتفكير بطريقة جديدة إذا أردنا إطلاق عملية سلام حقيقية. عن طريق وضع تصورات جديدة لمفهوم الدولة التي يمكن أن توجد خارج المفاهيم التقليدية القائمة على فكرة من يملك ماذا من المناطق الفعلية، ربما تستطيع إسرائيل والضفة والقطاع انتاج أول تجسيد عصري لمفهوم الدولة المعولمة، حيث يمكن للأمور غير المدركة حسياً في القرن الـ 21 أن تحل أعقد الصراعات على الأرض في القرن العشرين.

ومن شأن مثل هذه الدولة أن تكون إبداعاً جديداً في عالم السياسة والقانون الدولي. لكنها ستكون، من نواح عديدة، تصنيفاً للعالم الجديد الذي نعيش فيه، حيث لم تعد حياتنا مرتبطة بالأرض كما كان في الماضي. وبالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين، فإن نسيان الأرض ربما يكون الطريقة الوحيدة لكي يعيش الجانبان على تلك الأرض.

ترجمة: علي محمد

عن: «غارديان»

بقلم: ماتياس موسبرغ