يتناول المؤلف، أنتوني أرنوف، هنا فكرتين محددتين على جانب كبير من الأهمية، كان لهما تأثير كبير في تكريس الدعوة لاحتلال أميركي للعراق يدوم طويلاً، الفكرة الأولى هي النظر إلى الإمبراطورية الأميركية باعتبارها قوة خيرة في الشؤون العالمية،

تأتي تجسيداً لجهود الفكر الأميركي للجمع بين الواقعية والمثالية على جسر من البراغماتية، والفكرة الثانية هي ما يدعوه بعض المنظرين الأميركيين بالعقل العربي ويختزلون في إطاره مجموعة من الأفكار العنصرية التي يتوهمون أنها تحكم سلوك الإنسان العربي، رغم أن الواقع يؤكد زيف هذه الأفكار العنصرية وكذب المروجين لها.يرتكز معظم الحجج المؤيدة لغزو العراق واحتلاله على فرضية أن الولايات المتحدة قوة خيّرة في الشؤون العالمية بحقوق ومسؤوليات فريدة، وهي قوة من أجل الديمقراطية والحضارة، لا يدفعها الجشع أو القوة بل المصلحة المشتركة الكبرى.

وطوال أكثر من قرن، وبثقة متزايدة احتفظت الولايات المتحدة بالحق في استخدام الإكراه الاقتصادي أو العسكري عند الضرورة لتحقيق ما يسمى في كثير من الأحيان «بالاستقرار» وهو كناية عن وضع أمور مقبولة للشركات الأميركية المقرّ والتي يجب أن يكون لها سوق عالمية لمنتجاتها وسوق عالمية أيضاً للعمالة والموارد لاستغلالها.وبكلمات واحد من المدافعين المثقفين فإن الولايات المتحدة «دولة مسيطرة لفعل الخير»، تتدخل عندما وحيثما لا يمكن لأي قوة أخرى أو مجموعة قوى أن تقوم بذلك حتى إن كان كثير من الناس، بسبب «مناهضة أميركا» يفشلون في رؤية فوائد مثل هذه الأعمال.

لكن كما يقول المؤرخ سيدني لينس في كتابه الذي لا غنى عنه «تشكيل الإمبراطورية الأميركية» فإن فكرة الولايات المتحدة كدولة مسيطرة لفعل الخير ليست جديدة: «نسجت الولايات المتحدة، مثل الدول الأخرى، خرافة الأخلاق حتى ترضي ضميرها وتعزز صورتها، ونحن يقال لنا إن الولايات المتحدة حاولت دائماً أن تتجنب الحرب وإنها اضطرت لأخذ الطريق العسكري، ومن النادر أن تكون فعلت ذلك لدوافع الكسب أو المجد، فعلى عكس ذلك فإن الحروب لا تشنّ إلا من أجل مبادئ سامية مثل حرية البحار، حق تقرير المصير ووقف العدوان

وتقول الخرافة إن الولايات المتحدة كانت، قولاً وفعلاً، مناهضة للحرب ومناهضة للاستعمار، ومناهضة للاستيطان، وهي لم تسع إلى بوصة من أراضي الغير وكانت المستعمرات القليلة التي احتلتها تعامل برفق وتم تحريرها عندما سمحت الظروف.».

«وبناء على الخرافة فإن الولايات المتحدة تحترم كثيراً حقوق الشعوب الأخرى في تقرير مصيرها وكانت متعاطفة مع الثوريين الذين يناضلون من أجل استقلال حقيقي، وكانت دائماً تحجم عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، صغيرة أو كبيرة، قوية أو ضعيفة، وهي أكثر من أي دولة عظيمة أخرى كانت تسترشد بالاهتمام الغيري للأقل حظاً».

تأصيل الوهم

إن أي شخص درس اللغة التي استخدمتها حكومة بوش لتبرير حروبها في أفغانستان والعراق أو لتفسير الحرب التي لا تنتهي على الإرهاب والتي شنتها في سبتمبر 2001، سوف يدرك الخرافة التي يصفها لينس، ففي حفل تخريج في ويست نيت في يونيو 2002، على سبيل المثال، قال الرئيس بوش: ليس لأميركا أي امبراطورية توسعها أو مدينة فاضلة (يوطوبيا) لإقامتها، إننا لا نتمنى للآخرين سوى ما نتمناه لأنفسنا.

وفي نوفمبر 2002 عاد إلى هذه المقولة، مؤكداً أن الولايات المتحدة «ليس لها أي طموحات في الأرض، ولا نسعى إلى إمبراطورية، وأمتنا ملتزمة بالحرية، لأنفسنا وللآخرين». إن أميركا الخيرية ليست موجودة ولم تكن موجودة أبداً فالولايات المتحدة سرقت أراضي شاسعة من شعوب عاجزة أو شبه عاجزة وفرضت إرادتها على عشرات الأمم ضد رغباتها وضد مصالحها،

وانتهكت مئات المعاهدات والتفاهمات وارتكبت جرائم شنيعة واستخدمت سياسة العصا العسكرية وجزرة الدولار لتشكيل إمبراطورية استعمارية لم يعرفها الإنسان من قبل، وتدخلت بشراسة في حياة عشرات الدول لتمنعها من اختيار القادة الذين لم تردهم أميركا أو الإطاحة من خلال الثورة بمن لم تردهم.

إن السياسيين في الولايات المتحدة والمؤسسة الإعلامية أيضاً، قدموا التدخلات العسكرية على نطاق شبه شامل على أنها تدخلات دفاعية بطبيعتها: إن كل تصرف مبالغ فيه في التاريخ الأميركي قد تمت تغطيته برداء الدفاع.. فقد كانت الحروب التي لا تعد ولا تحصى على الهنود (دفاعاً) أمام ثوراتهم وانتهاكاتهم للمعاهدات.

وكانت الحرب ضد المكسيك (دفاعاً) عن تكساس، وإجراء ضروريا، بكلمات وزير الخارجية جيمس بوكانان «للاستيلاء على المكسيك وتمدينها»، وشنت الحرب الإسبانية الأميركية انتقاماً لإغراق مين، وفي كوريا وفيتنام، كانت الولايات المتحدة، حسبما قال هاري ترومان وليندون جونسون «تدافع» عن القوى الصغيرة «اليائسة» ضد العدوان الشيوعي.

الخرافة والتاريخ

يكتب لينس «إن خرافة الأخلاق تتضاءل أمام حصيلة التاريخ.. وحتى نظرة خاطفة توحي بأن السياسة الأميركية كانت دوافعها ليس الاعتبار الشهم لاحتياجات الشعوب الأخرى، ولكن رغبة أميركا في الأرض والتجارة والأسواق ومجالات العقود والاستثمارات.. وكان المحور الرئيسي ليس أخلاقياً بل استعماري».

ومع أن كلمة «الاستعمار» أزيلت من الخطاب السياسي لليسار بسبب تدويل المكارثية بأصواتها الليبرالية المهيمنة فقد تم إحياء الكلمة مؤخراً - من قبل المدافعين عنها وليس من قبل ناقديها. ومثال ذلك فإن المؤرخ البريطاني نيال فيرغوسن يقول في كتابه «الإمبراطورية» إن على الولايات المتحدة «أن تتغلب على مناهضتها للاستعمار وتتقبل المسؤوليات التي وضعتها على كاهلها نهاية الحرب الباردة».

وفي الحقيقة فإن عدداً من الكتاب والمنظّرين قالوا إن الاستعمار - وحتى الاستيطان - ينبغي إعادة تفسيره في ضوء أكثر إيجابية، في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويشير إدوارد روتشتاين في النيويورك تايمز في 7 سبتمبر 2002 إلى أن كلمة الاستعمار ما زالت تتردد بأصداء شوفينية مغالية في الوطنية وقد يصبح الاستعمار الجديد الأميركي مأساوياً باحباطات مثلما تكهن روديارد كبلنغ منذ زمن طويل في أنشودة الشكر التي أسيء فهمها «لعبء الرجل الأبيض».

لكن هذه الفكرة كفيلة بأن تغير السلوك فبدلاً من الاستغلال، فإن الاستعمار يرتبط الآن بالإصلاح الديمقراطي وأحياناً بما يرضي الخاضعين له. وحتى استعمار القرن التاسع عشر ربما سيتم تفسيره والاستشهاد به كمثال لأن كثيراً من الدول غير الغربية طورت مؤسسات ديمقراطية وذلك فقط بسبب التأثير الاستعماري، وكان للاستغلال الاستعماري في أحيان كثيرة جانب فاضل.

يستقطر روتشتاين، بشكل ملائم، منطق عبء الرجل الأبيض في شكله التاريخي والمعاصر، ولا مانع أن يتعرض الملايين الخاضعون له للقتل والتجويع والزج بهم في معسكرات العمل القسري، يتعرضون للمرض والانتهاك ويحرمون من تراثهم الثقافي، ويتم استغلالهم والسطو عليهم - فقد كان الاستعمار قوة من أجل الديمقراطية والحضارة، نقل الناس «المتخلفين» إلى نور المدنية.

ويبدو أن الإمبراطورية قد أعطيت مسؤولية سيئة، حيث يقول ماكس بوت، المحرر السابق لصفحة المقالات في الوول ستريت جورنال، ان العالم لم يحتج اليوم إلى الولايات المتحدة لتوفير «ذلك النوع من الإدارة الأجنبية المستنيرة التي كان يوفرها ذات يوم الإنجليز الواثقون بالنفس» وفي الوقت ذاته فإن فيرغوسون، الذي يصف نفسه بأنه «عضو من عصابة الاستعمار الجديد ويتقاضى راتباً كاملاً» يشكو من أن الإمبراطورية البريطانية كان لديها صحافة حقيرة جداً.

وهنالك نصير آخر متنفذ لمدرسة الفكر الاستعمارية الجديدة وهو مايكل اغناتيف، رئيس مركز كار لسياسة حقوق الإنسان في كلية جون كيندي للحكومة في جامعة هارفارد والذي يعطي غطاء ليبرالياً للحجج الفجة التي يطرحها بوت وفيرغوسون، فقد كتب مايكل في مجلة نيويورك تايمز في 28 يوليو 2002 يقول: «كان الاستعمار عبء الرجل الأبيض وهذا أعطى سمعة سيئة،

لكن الاستعمار لا يتوقف عن كونه ضرورياً لأنه يصبح غير صحيح سياسياً، فالدول تفشل أحياناً، وعندما يحصل ذلك، فإن المساعدة الخارجية وحدها ـ القوة الاستعمارية ـ تستطيع أن تعيدها على أقدامها». وبلمسة اغناتيف الخفيفة فإن التاريخ الوحشي للاستعمار يتضاءل حتى يصبح صواباً سياسياً لا يستحق التفكير فيه ولو للحظة.

وفي دفاع آخر عن الإمبراطورية في مجلة نيويورك تايمز أوضح إيغنانيف للقراء أن: كون الدولة قوة استعمارية، أكثر من كونها أقوى دولة أو الأكثر عرضة للكراهية، وهذا يعني أن تطبيق مثل هذا النظام الموجود في العالم والقيام بذلك هو في خدمة المصلحة الأميركية.

وكان ذلك يعني وضع القواعد التي تريدها أميركا، (حول كل شيء من الأسواق إلى أسلحة الدمار الشامل)، مع إعفاء نفسها من القواعد الأخرى (بروتوكول كيوتو حول التغير المناخي ومحكمة الجنايات الدولية) والتي تعمل ضد مصلحتها.

وهو يعني أيضاً القيام بمهمات استعمارية في الأماكن التي ورثتها أميركا من الإمبراطوريات الفاشلة للقرن العشرين ، العثمانية والبريطانية والسوفييتيه. وفي القرن الحادي والعشرين فإن أميركا تحكم لوحدها، تكافح لإدارة المناطق المتمردة - فلسطين والحدود الشمالية لباكستان، ناهيك عن مناطق أخرى - والتي أثبتت أنها مخلفات الإمبراطوريات السابقة.

إن إمبراطورية أميركا ليست مثل إمبراطوريات الأزمان الماضية تقوم على المستعمرات والاحتلال وعبء الرجل الأبيض، فنحن لم نعد في حقبة شركة الفواكه المتحدة، حين كانت الشركات الأميركية تحتاج إلى جنود المارينز لتأمين استثماراتها في الخارج. فاستعمار القرن الحادي والعشرين تدخل من جديد في رداء العلوم السياسية، إمبراطورية من الماضي، هيمنة عالمية تتخفّى بالأسواق الحرة وحقوق الإنسان والديمقراطية، تطبقها أعتى قوة عسكرية عرفها العالم.

لم يكن الشعر صنعة اغناتيف المختارة لكن إجلاله للإمبراطورية الأميركية كان متذللاً وبعيداً عن الواقع مثلما كانت حال روديارد كبلنغ في عام 1898. ويجدر تفحص أوجه الشبه بين لحظة كبلنغ ولحظته، فالخطاب الذي استخدم لتبرير الحرب ضد الشعب الفلبيني ذو شبه كبير بحجج تهدئة العراق اليوم. وفي الحقيقة فإن الرئيس بوش نفسه قدم بوضوح، العلاقة بين الاحتلالين في خطاب أمام الكونغرس الفلبيني في 18 أكتوبر 2003، حيث قال بوش أمام المجلس «معاً حرر جنودنا الفلبين من الحكم الاستعماري».

إن للديمقراطية دائماً متشككين، فالبعض يقول إن ثقافة الشرق الأوسط لن تبقي على مؤسسات الديمقراطية، وكانت نفس الشكوك تنطلق ذات يوم حول ثقافة آسيا وأثبتت هذه الشكوك خطأها بعد حوالي ستة عقود عندما أصبحت جمهورية الفلبين أول دولة ديمقراطية في آسيا، ومنذ ذلك الحين وصلت الحرية إلى كل شاطئ من شواطئ الفلبين الغربية.

رؤية وهمية للتاريخ

كانت رؤية بوش للتاريخ وهمية جداً حتى أن صحيفة نيويورك تايمز اضطرت إلى تذكير القراء بكل لطف، ببعض الحقائق التاريخية غير المناسبة، مشيرة إلى أن تشبيه الإدارة الأميركية بالفلبين كان شيئاً مشكوكاً فيه في ضوء التجارة البحرية والأسواق الخارجية وسياسات نصف الكرة الغربي بشكل خاص (منطقتنا الصغيرة هنا كما كان وزير الحرب هنري ستيمسون قد وصفها).

وهذا جرّ الولايات المتحدة إلى صراع مع اسبانيا القوة المستعمرة في كوبا وغوام وبورتوريكو إضافة إلى الفلبين وشكلت سنة 1898 ليس فقط مواجهة مع اسبانيا جعلت الولايات المتحدة تدعي أن المناطق الثلاث من أراضيها مستخدمة خطاب تحرير الشعب من الهيمنة الاسبانية بل شهدت أيضاً ضم هاواي التي ضمت أخيراً إلى الولايات المتحدة.

وفي الحقيقة، وكما يشير المؤرخ كليفورد كون: «بعيداً عن كونه نموذجاً لبناء الدول والديمقراطية، كما قال بوش بوضوح، فإن الفلبين تمثل سياسة خارجية أميركية تقوم على أسس مشكوك فيها ووعود كاذبة» ففي الفلبين، يكتب:

«ارتكبت القوات الأميركية المجازر وهاجمت المدنيين ودمرت محاصيلهم وقراهم. وعند انتهاء الحرب في عام 1902 (مع أن القتال المتقطع استمر عقوداً) فإن أكثر من أربعة آلاف أميركي، وعشرين ألف ثائر وربما 200 ألف مدني قد قتلوا..

وتغيرت علاقة الولايات المتحدة مع بقية العالم تغيراً دائماً. وفي عام 1946 فقط تم منح الفلبين الاستقلال مع أن أوراق وزارة الخارجية التي وزعت في هذا الأسبوع (أكتوبر 2003) على الحاشية البريطانية ما تزال تقول إن الإدارة الأميركية للفلبين كان يتم الإعلان عنها دائماً بأنها مؤقتة. وفي السنوات اللاحقة واصلت الحكومة الأميركية دعم سلسلة متعاقبة من الأنظمة غير الديمقراطية والقمعية في الفلبين».

كان من بين ناقدي الاحتلال الأميركي للفلبين، الروائي وكاتب المقالات مارك توين، الذي عاد من فترة طويلة من العيش في أوروبا ليصبح نائب رئيس الرابطة المناهضة للاستعمار التي شكلت حديثاً، وقد جاهر توين بمعارضته للحرب ضد الفلبين وكتب مقالات شديدة اللهجة حول إدارة الحرب بما فيها ذبح مئات من المورو على يد الجنود الأميركيين في عام 1906.

وكتب الجنود السود الذين كانوا يخدمون في وحدات عسكرية منفصلة عن البيض إلى صحفهم المحلية وصفوا الأهوال التي شهدوها وعنصرية الضباط نحو الفلبينيين ونحو الجنود السود أيضاً.وذكر مسؤول في الصليب الأحمر أن «الجنود الأميركيين مصممون على قتل كل فلبيني يقع بصرهم عليه» واصفاً أجساد الفلبينيين المشوهة بشكل مرعب.

في ذلك الوقت كما هو الآن، غطى المثقفون والسياسيون الدوافع الحقيقية للحرب بخطاب نبيل ومثالي لكنهم أظهروا احتقاراً للشعب الذي زعموا أنهم كانوا يحررونه، فالولايات المتحدة رفضت السماح للفلبينيين الذي هزموا الإسبان في كوبا وفي الفلبين أن يتولوا السلطة. وباستخدام لغة تقرير المصير، أنكروا ذلك بكل صراحة على شعبي البلدين مثلما يفعلون حالياً في العراق.

كان إحجام مشترك من قبل المدافعين عن الإمبراطورية الأميركية، مثلما أكدّ بوش، أن الولايات المتحدة «ليست لها أية أطماع في الأرض» لكن الزعم زائف كما يبدو تماماً، فالولايات المتحدة اغتصبت ليس فقد أراضي الأميركيين الأصليين، بل اغتصبت أيضاً أراضي من المكسيك وكوبا (حيث تظل قاعدة خليج غوانتانامو شاهداً استعمارياً لحرب 1898) بالإضافة إلى ضم عدة جزر.

وعلى أية حال فإن الحجة واضحة فالدولة لا تحتاج إلى الاستيلاء على أرض دول أقرب حتى تصبح قوة استعمارية، وعلى عكس القوى الاستعمارية السابقة التي حلت محلها فإن الولايات المتحدة لم تكن تحتاج إلا لاحتلالات مؤقتة لتحقيق أهدافها، مفضلة أن تحكم من خلال الوكلاء بدلاً من الاضطرار إلى وضع موظفين في حكومات الدول التي تدخلت فيها للإطاحة بقادة سياسيين أو سحق حركات مقاومة.

نظرة عنصرية

ليست للحكومة الأميركية هذه الأيام أي مصلحة في جعل العراق الولاية الحادية والخمسين لكن لها كل مصلحة في تنصيب حكومة خاضعة للمصالح الأميركية، تضمن استخراج النفط وتكريره وتصديره وبيعه بشروط مفضلة للولايات المتحدة، حكومة توفر حقوق إقامة القواعد على المدى البعيد للجيش الأميركي في منطقة حيوية من العالم،

حكومة توفر شروطاً مفضلة للاستثمار وإعادة الأرباح للشركات الأميركية، حكومة يمكن أن تحتوي، وتقمع عند الضرورة، الحركات القومية أو الديمقراطية في العراق وفي الدول المجاورة التي يمكن أن تزعزع الشرق الأوسط.

لكن من النادر أن تقول حكومة إنها ترسل الجنود حتى يقتلوا أو يقتلوا (بضم الياء) لحماية أرباح النفط أو السيطرة عليه وبينما تكشف وثائق التخطيط الداخلية، عندما يتم نزع صفة السرية عنها أو حين تتسرب، بصيص ضوء على الدوافع الحقيقية لتخطيط النخبة، فإن الحكومات تصف تصرفاتها علانية على أنها دفاع ضد الأعداء أو حماية للقيم العزيزة ونشر الحضارة لكن مثل هذه المزاعم حول تحضير الشعوب الأجنبية ليست فقط خادعة وإنما هي عنصرية.

في مناقشات العرب والمسلمين في العراق هذه الأيام، مثلا، يؤخذ أمراً مسلماً به إن هذه هي ما تسمى بالعقلية العربية والتي علينا أن نتعلم كيف نؤثر عليها مع أنه يقال من الصعب سبر غورها، فهذه «العقلية العربية» حسبما يقول المعلقون بتعقل قابلة لمناهضة أميركا لأنها حسبما يفترض لا تستطيع أن تدرك ما نفعله لدعم العرب والمسلمين

أو لأننا لم نجد الطريقة المناسبة لإيصال خيرنا لهم. ويقال لنا، إن هذا لأن المسلمين يرفضون الحداثة وليس لديهم أدنى فكرة عن الديمقراطية وهم يفضلون الرجال الأقوياء لقيادتهم أو الاهتمام فقط باحتياجات «عشيرتهم». يمكن أن تكون مثل هذه الأفكار مضحكة لو لم يكن لها مثل هذه النتائج المزعجة عند تطبيقها في عالم الواقع، ففي وصف سياسة التعذيب في أبو غريب، يكتب سيمور هيرش:

كان الكتاب الذي تم الاستشهاد به مراراً هو «العقل العربي» وهو دراسة للثقافة والنفسية العربيتين، والذي نشر للمرة الأولى في عام 1973 من قبل رفائيل باتاتي.. وقد أخبرني شخص أكاديمي أن كتاب باتاتي «إنجيل المحافظين الجدد حول السلوك العربي» وقال إنهم في مناقشاتهم، ظهرت فكرتان، «الأولى أن العرب لا يفهمون سوى القوة والثانية أن أكبر ضعف لدى العرب هو العار والذل».

إن هذا المنطق العنصري لم يؤد فقط إلى تعذيب وإذلال العراقيين بل أدى أيضاً إلى الفكرة الماثلة في أن العراقيين لا يقدرون على حكم أنفسهم وبالتالي يحتاجون إلى قوة خارجية لفرض النظام وإقامة مؤسسات الحكم وتوجيههم: إنه عبء الرجل الأبيض الجديد.

ترجمة: محمود برهوم ورغدة عزيزية