يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع سرد بالوقائع والحقائق والأرقام للكيفية التي تكشف بها الوجه القبيح للاحتلال الأميركي للعراق، فإذا التعذيب منهاج رسمي للعمل، والنهب نمط للحياة اليومية، وتحطيم إرادة الإنسان العراقي هدف أميركي يحتل أولوية متقدمة وذلك أن الاحتلال يظل في نهاية المطاف.. هو الاحتلال.

في مارس 2003 شن الجيش الأميركي ضربات جوية قوية وأطلق اجتياحاً برياً كجزء من حملة أسماها حملة «الصدمة والترويع»، وكان العراق قد عانى من ثماني سنوات من الحرب مع إيران في الثمانينيات وحرب الخليج في عام 1991 واللتين أضرتا كثيراً ببنيته التحتية وخلفتا إرثاً ساماً من الذخائر التي لم تنفجر واليورانيوم المنضّب، وتبعهما أكثر من ثلاث سنوات من العقوبات الشاملة التي دمرت اقتصاده.

وارتفعت معدلات وفيات الأطفال خلال سنوات العقوبات حيث قدرت الأمم المتحدة وفاة ما لا يقل عن 500 ألف طفل دون سن الخامسة، وكانت شبكة المياه العراقية قد تضررت كثيراً مما أدى إلى العديد من الوفيات نتيجة أمراض يحملها الماء كان يمكن الحيلولة دونها بسهولة ولم تكن الكهرباء متوفرة إلا بشكل متقطع في كل أنحاء البلاد، وكانت المستشفيات والمؤسسات الرئيسية الأخرى تفتقر إلى المواد الحيوية التي صنعتها الولايات المتحدة التي كانت تمارس،

وبشكل متكرر، حقها في الفيتو في لجنة عقوبات الأمم المتحدة لإلغاء أو تعليق العقود لمواد يزعم أنها ذات استخدام مزدوج، (مواد مدنية ذات استخدام عسكري محتمل) ومن بين المواد المحظورة، أقلام الرصاص «لأن بالإمكان أخذ الكربون منها ليستخدم في طلاء الطائرات وجعلها غير مرئية للرادار، إضافة إلى مواد مطلوبة لمرافق معالجة المياه». لكن الأوضاع حالياً أسوأ فبعد ثلاث سنوات من احتلال تباهى المدافعون عنه بأنه سيبني العراق من جديد، فإن كثيراً من العراقيين يقولون ان الأوضاع تحت العقوبات والديكتاتورية كانت أفضل، ففي كثير من البلاد فإن الكهرباء أقل مما كانت قبل الغزو، مع عواقب متوقعة بما فيها المرضى الذين يموتون في غرف الطوارئ، لتعطّل الأجهزة عن العمل. وحتى كثير من العراقيين الذين كانوا قد أيدوا الغزو الأميركي يشجبون الاحتلال حالياً، فقد قال حسين إبراهيم، وهو طالب سابق: «لقد أحببنا الأميركيين عندما جاءوا، وقد صدقتهم عندما قالوا انهم جاءوا لمساعدتنا لكنني الآن أكرههم فهم أسوأ من صدام حسين».

ومع أن الولايات المتحدة أعطت ستة مليارات دولار لعقود تصليح البنية التحتية للكهرباء في العراق فإن توليد الكهرباء أقل بكثير من الاحتياجات العراقية اليومية، كما أن شبكة المياه في أسوأ وضع:

إن البطالة ارتفعت كثيراً، وذلك إلى درجة كبيرة، وذلك يعود إلى القرارات التي اتخذتها سلطات الاحتلال بعد الغزو، فقد قام بول بريمر، رئيس سلطة التحالف المؤقتة في العراق بحل الجيش العراقي المكون من 350 ألف شخص وقام بالتخلص من الآلاف من العاملين في الدولة، الذين كانوا أعضاء في حزب البعث، رغم حقيقة أن عضوية الحزب كانت متطلباً لمعظم الوظائف في العراق، حيث أن حوالي نصف العمال العراقيين عاطلون عن العمل حالياً، ففي يونيو 2005 أعلن رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري عن خطط لإلغاء المزيد من وظائف القطاع العام بينما تنفذ الحكومة العراقية الإملاءات الليبرالية الجديدة التي يصدرها رعاتها الأميركيون.

لاحظ العراقيون «المحررون» المفارقة المتمثلة في أن سلطات الاحتلال الأميركية والمتعهدين العاملين بعقود مجزية دون الدخول في عطاءات، والتي تزيد قيمها على تكلفتها الحقيقية، لا يثقون بالعراقيين حتى يعملوا معهم، وبدلاً من ذلك فإنهم يدفعون ملايين الدولارات لاستيراد عمال أجانب يتقاضون أضعاف معدل الدخل السنوي العراقي،

وقد كتبت صحيفة بوسطن غلوب في يوليو 2004: في كل يوم يقوم الآلاف من العمال الأجانب بقيادة الشاحنات التي تحمل النفط ومواد أخرى، بينما يقوم آخرون بطبخ الوجبات وتنظيف الغسيل للجنود الأميركيين والأجانب المنتشرين في العراق، ومعظم هذه الوظائف يملؤها أميركيون وكوريون ويابانيون وإيطاليون وهنود ونيباليون وعمال آخرون من جنسيات أخرى والذين تم إحضارهم إلى العراق من قبل متعهدين خصوصيين، وفقاً لمسؤولين أميركيين. فقد أحضرت شركة براون أند رون وحدها آلاف العمال الأجانب للعمل معها في العراق».

ظلال وهلوسات

كتب الصحافي كريستيان بارينتي في «الحرية: ظلال وهلوسات في العراق المحتل» حين يكتب التاريخ الكامل لهذا السيرك الدموي فإن الناس سينظرون إلى الوراء وهم غاضبون إزاء مدى بروز فساد الاحتلال وعجزه».

فمن مبلغ الـ 4,18 مليار دولار الذي رصده الكونغرس لإعادة البناء في العراق فإن أقل من النصف قد انفق واختفى حوالي 100 مليون دولار دون أي محاسبة، وفقاً لصحيفة لوس أنجيلوس تايمز، وبدلاً من إعادة بناء العراق، فإن الأموال تتدفق على الأصدقاء المؤسسين لحكومة بوش،

وهنا يكتب أنتونيا جوهاز: «تم منح أكثر من 150 شركة أميركية عقوداً تبلغ قيمتها أكثر من خمسين مليار دولار، أكثر من ضعفي إجمالي الناتج المحلي للعراق، وكانت شركة هاليبرتون أكبر مستفيد، بأكثر من 11 مليار دولار بينما تحصل ثلاث عشرة شركة أميركية أخرى على 5ر1 مليار دولار لكل منها، وهؤلاء المتعهدون مسؤولون أمام الحكومة الأميركية وليس الشعب العراقي».

ينطبق هذا المبدأ من المحاسبة على كل ناحية من نواحي احتلال العراق فالسلطة الحقيقية ليست بين العراقيين وإنما هي بيد قوات الاحتلال وكما قال الكاتب الباكستاني طارق علي في «بوش في بابل» فإننا نشهد مثالاً واضحاً للاستعمار في رداء الاقتصاد الليبرالي الجديد

فقد أصدرت سلطات الاحتلال الأميركي أكثر من مئة تعليمة ترمي إلى البقاء بعد الاحتلال سعياً وراء فرض قيد اقتصادي ليبرالي جديد على أية حكومة تجيء إلى السلطة في وقت لاحق، وقد فتحت كل ناحية من نواحي الاقتصاد العراقي فيما عدا النفط للتملك الأجنبي الكامل، وجددت سلطة الاحتلال المؤقتة قوانين النقابات المناهضة للعمال والتي فرضها نظام صدام حسين وخفضت الضرائب على الأعمال في العراق إلى مستويات لم يكن يحلم بها في السابق سوى الشركات الأميركية.

كتبت صحيفة وول ستريت جورنال بعد الغزو مباشرة: صاغت حكومة بوش خططاً كثيرة لإعادة تشكيل الاقتصاد العراقي حسب التصور الأميركي، وتكهن الكاتب الاقتصادي في صحيفة نيويورك تايمز بأن الخطط الاقتصادية للعراق كان من المحتمل أن تسبب قسوة واسعة الانتشار:

علاوة على انعدام الأمن الاقتصادي فإن انعدام الأمن المادي بالنسبة للعراقيين العاديين قد ازداد بصورة كبيرة، فالنساء اللواتي كنّ يعملن كمعلّمات أو طبيبات يتحدثن الآن عن عيشهن سجينات في بيوتهن، خائفات من الخروج. ويرين زوال الحقوق الاجتماعية والسياسية التي فزن بها بجهد جهيد، كما أن الأطفال الذين كانوا في السابق يلتحقون بالمدارس يقبعون في البيوت لأن آباءهم يخشون من إرسالهم، وفي أي لحظة فإن العراقيين يعرفون أن أبواب بيوتهم قد تتعرض للخلع من قبل جنود أميركيين أو بريطانيين، يقومون بالاعتداء على أفراد الأسرة، يذلونهم، يعتقلونهم، يعذبونهم أو يقتلونهم».

فتح ديكستر فيلكنز، من نيويورك تايمز نافذة على حقيقة الاحتلال عندما نشر في اكتوبر2005 قصة الكولونيل ناتان ساسامان، قائد كتيبة تابعة لفرقة المشاة الرابعة التابعة للجيش، فبعد موت جندي في الوحدة، أعلن ساسامان «أن الأولوية الجديدة لكتيبته ستكون قتل المتمردين ومعاقبة أي شخص يساندهم وحتى الناس الذين لم يساندوهم».

في اليوم الذي تلا مقتل الرقيب ديل، أمر ساسامان رجاله بتطويق أبو حشمة بالأسلاك الشائكة، وأصدر الجنود الأميركيون هويات لجميع الرجال في القرية بين السابعة عشرة والخامسة والخمسين من العمر، وأقام الجنود نقاط تفتيش عند مدخل المدينة،

ووضعت حول المعسكر شاخصات تهدد بقتل أي شخص يحاول دخول المدينة أو مغادرتها إلا بالطريقة الموافق عليها وكانت الهويات باللغة الانجليزية فقط، وقد قال ساسامان وهو واقف عند مدخل المدينة بينما كان العراقيون يمرّون : إذا كان لديك بطاقة من هذه البطاقات، تستطيع أن تجيء وتذهب ولا تستطيع ذلك إذا لم يكن لديك مثل هذه البطاقة.

وكإجراء يرمي إلى إقناع العراقيين بالتعاون، فإن تطويق أبو حشمة بالأسلاك الشائكة كان كارثة فعندما اصطف العراقيون في طابور عند نقاط التفتيش، قارنوا أنفسهم بالفلسطينيين الذين يجبرون في بعض الأحيان على الخضوع لنفس النوع من التفتيش والذين تظهر الإهانات التي يتعرضون لها بشكل متكرر على شاشات التلفزيون في كل أنحاء العالم العربي، وهنا يقول الحاج تامر ربيع، وهو رجل عجوز من المدينة: «إنه أشبه ما يكون الآن بالسجن، فالأميركيون يقومون بغارات ليلية ويدخلون بيوتنا حين تكون النساء نائمات ولا نستطيع أن نحاربهم لأننا لا نملك أي أسلحة».

ويواصل فيلكنز: «في مهمة في يناير 2004 جاءت مجموعة من جنود ساسامان إلى بيت رجل عراقي يشتبه بأنه يختطف الشاحنات، ولم يكن في البيت، وردّت زوجته وامرأتان أخريان على طرق الباب، وهنا قال الرقيب أول غالب مايكل: «أمامكم خمس عشرة دقيقة لإخراج أثاثكم من البيت».

أخذت النساء يولولن ويصرخن لكنهن في النهاية أذعن وسحبن الفراش والأريكة وجهاز التلفزيون نحو الباب الأمامي، ثم أطلق رجال مايكل أربعة صواريخ مضادة للدبابات في بيتهن فنسفنه ليطير قطعاً وتهب فيه النار، وتركت النساء مع حاجياتهن».قال مايكل فيما بعد للمصور الذي يعمل مع نيويورك تايمز، جوهان سبانر: هذه السياسة تسمى سياسة : لا تتركوا أي ملاذ..

وفي نفس ذلك الشتاء، دخل رجال ساسامان إلى مستشفى وسحبوا متمرداً مشتبهاً به من سريره وعندما طلب طبيب من الأميركيين أن يرحلوا بصق جندي في وجهه، وفي مرة أخرى قال ضابط لسبانر ان أحد جنود ساسامان ألقى برجل جريح في زنزانة وهدده بحجب الدواء عنه إذا لم يقل له كل شيء يعرفه، وقد قال الكابتن كارل بفوتز لسبانر: قلنا له انه لن يحصل على رعاية طبية إلا إذا بدأ بالحديث».

في كل يوم يتعرض الناس للمضايقات، للقتل، للاعتقال والتعذيب لمجرد أنهم عراقيون. وقد وجد تحقيق للصليب الأحمر أن الجيش الأميركي قد انخرط في «نموذج من الاعتقالات غير التمييزية شملت تدمير الممتلكات والسلوك الوحشي نحو المشبوهين وعائلاتهم في العراق».

وقال التقرير: كانوا أحياناً يعتقلون جميع الذكور البالغين الموجودين في بيت بمن فيهم المسنون والمعاقون والمرضى». ومن بين الذين احتجزوا في سجن أبو غريب فإنه حتى ضباط الاستخبارات العسكرية الأميركيون قدروا أن ما بين 70 و90 في المئة قد اعتقلوا عن طريق الخطأ.

نمط ونظام

لقد تم تدريب الجنود الأميركيين على النظر إلى العراقيين مثلما تدربوا على رؤية الفيتناميين، على أنهم أقل من البشر وهم ينادون العراقيين بشكل روتيني بكلمة «الحاج» وهي الكلمة المعادلة للكلمة التي كانت تستخدم في فيتنام، فكل عراقي يعتبر إرهابياً محتملاً، وكانت الرسالة الواضحة التي تعطى للجنود من المراتب العليا في السلطة السياسية والعسكرية: أن يموت العراقيون أو يعانوا فهذا شيء غير مهم، وفي الحقيقة فإن العراقيين كانوا يتعرضون للتعذيب كرياضة.

وقد وصف الجنود من الفرقة الثانية والثمانين المنقولة جواً أنهم كانوا يضربون العراقيين من أجل التسلية وتخفيف التوتر. وتحدث رقيب من الفرقة عن كيفية إهانة أو تدجين العراقيين وأسرى الحرب الذين يحظون بحماية قانونية لا تريد الولايات المتحدة أن تعترف بها: لإهانة شخص تحت السيطرة تعني ضربه فيمكن أن نوجه الضربات إلى رأسه، صدره أو ساقيه ومعدته، جرجرته، ركله، وكان هذا يحدث كل يوم.

«وتدجين الشخص يعني وضعه في أوضاع مجهدة حتى تصاب عضلاته بالإعياء ويموت. وكان هذا يحدث يومياً وفي بعض الأحيان كنا نصاب بالملل فنجعل الرجال يجلسون في زاوية ثم يشكلون هرماً، وكان هذا قبل فضيحة أبو غريب، كنا نفعل ذلك للتسلية».

بدأت هذه الانتهاكات قبل أبو غريب وهي مستمرة منذ ذلك الحين وقد وصف حيدر صابر عبد وهو واحد من العراقيين الكثيرين الذين أسيئت معاملتهم في أبو غريب، وصف كيف تعرض هو وستة نزلاء آخرين للضرب والتعرية من الملابس ثم تم إجبارهم على أن يتكوموا فوق بعضهم ليركب الواحد ظهر الآخر وهو عار من الملابس، ويحاكي ممارسة الجنس أمام الجنود الأميركيين الذين يتفرجون. وقال عبد: كان شيئاً مذلاً، لم يخطر ببالنا أننا سنظل على قيد الحياة، كنا جميعاً نعتقد أننا سيتم قتلنا ولن نخرج أحياء.

وحتى السناتور اليميني، لندسي غراهام من ساوث كارولينا قال: «إننا لا نتحدث عن إعطاء الناس تجربة مذلّة، بل نتحدث عن الاغتصاب والجريمة». برّر الرئيس بوش احتلال العراق بالقول «إنه لم يعد هنالك زنازين تعذيب أو غرف اغتصاب في العراق».

لكن بوش أشرف على قرار إعادة فتح سجن أبو غريب موقع الانتهاكات المشؤومة وإعدام السجناء السياسيين في عهد صدام حسين - وكما كتب صحافي التحقيقات سيمور هيرش في نيويوركر: إن مجمع السجن الكبير، الذي هجر في ذلك الوقت، قد جرّد من كل شيء يمكن نقله، بما فيها الأبواب والشبابيك والطوب، لكن سلطات الاحتلال أصلحت أرضية الغرف ونظفت الزنازين وصلحت المراحيض والحمامات وأضيف مركز طبي وأصبح أبو غريب سجناً عسكرياً أميركياً، وأعلنت الولايات المتحدة ببساطة أن أبو غريب تحت إدارة جديدة.

وبينما أعلن مسؤولو حكومة بوش عن الغضب حين ظهرت صور جلسات التعذيب في أبو غريب فإن الحكومة كانت تعرف منذ شهور عن الانتهاكات هناك والتي وثقها الصليب الحمر وتقرير عسكري داخلي لكن الحكومة حجبت المعلومات، وأرسل الصليب الأحمر مذكرة إلى حكومة بوش في شهر فبراير 2004 يصف فيها الممارسات الأميركية في المعتقلات في العراق بأنها ترقى إلى التعذيب وتشكل انتهاكات صارخة لاتفاقيات جنيف التي تحكم معاملة أسرى الحرب، وقد قال بيار كراهنبول، مدير عمليات الصليب الأحمر: «إننا نتعامل هنا مع نمط واسع وليس تصرفات فردية، فقد كان هنالك نمط ونظام».

وكتب اللواء في الجيش الأميركي، انتونيو تاجوبا تقريراً من ثلاث وخمسين صفحة في شباط 2004 يصف الانتهاكات الإجرامية «السادية والصارخة والعشوائية في المعتقلات الأميركية (40) لكن الجنرال ريتشارد مايرز رئيس هيئات الأركان المشتركة، اعترف بأنه لم يقرأ التقرير أبداً (41) وعندما بدأ الحديث عن استنتاجات تاجوبا ينتشر ضغط مسؤولو البيت الأبيض على وسائل الإعلام الإخبارية بألا تنشر المعلومات، وحجبت شبكة سي بي إس قصة أبو غريب لمدة أسبوعين قبل أن تنشرها لتجنب أن تسبقها نيويورك بنشر القصة.

إن جلسات التعذيب في أبو غريب ليست حوادث منعزلة بل هي جزء من نمط أوسع للتعذيب والانتهاكات والتي ووفق عليها من أعلى المستويات في الحكومة الأميركية ففي سلسلة من أوامر رئاسية غير مكتوبة، وتعليمات من وزارة العدل وتوجيهات استخبارية، فإن ضباط الاستخبارات والجيش قد أعطوا صلاحيات مفتوحة لاحتجاز الناس سرّاً دون الوصول إلى المحامين،

ودون العمل بأي إجراء لازم باستخدام دليل سري لا يتوفر للمهتمين، واستخدام أساليب تعتبرها الولايات المتحدة رسمياً تعذيباً حين تستخدم من قبل دول أخرى، ونقل الناس إلى أقطار مثل المغرب وسوريا ومصر، حيث تعرف الحكومة الأميركية أنهم سيتم تعذيبهم، والعمل مع أدنى حدّ من الإشراف من جانب الحركات القانونية أو حركات حقوق الإنسان، وتقتل الناس في الحجز دون أية تبعات.

وكما كتب كينيث روث من منظمة ووتش لحقوق الإنسان في صحيفة الفاينانشال تايمز: «إن كثيراً من الحكومات تقوم بالتعذيب سرّاً لكن حكومة بوش هي الحكومة الوحيدة المعروف عنها أنها تدعي السلطة للإساءة للمحتجزين كقضية سياسة رسمية».

وفي نوفمبر 2005، وصفت الواشنطن بوست شبكة احتجاز عالمية خفية تديرها وكالة الاستخبارات المركزية «وتعتمد على تعاون أجهزة الاستخبارات الأجنبية كما تعتمد على إبقاء المعلومات الأساسية عن النظام سرّاً حتى عن الجمهور، والمسؤولين الأجانب وجميع أعضاء الكونغرس المكلفين بالإشراف على أعمال السي آي إيه السرية».

مجرد ظاهرة

إن التعذيب مجرد ظاهرة من ظواهر الاحتلال والتي تظهر ازدراء للناس الذين يدعي أنه حرّرهم، فقد انخرطت قوات الاحتلال في عدة أشكال محظورة من العقاب الجماعي بحق السكان العراقيين، فعندما دخلت القوات الأميركية مدينة الفلوجة في نوفمبر 2004 بعد هجوم كبير آخر على المدينة في شهر ابريل كان أول هدف لها هو مستشفى الفلوجة العام.

كانت عواقب الاحتلال مدمرة، فقد قدرت دراسة أجرتها المجلة الطبية البريطانية البارزة «ذا لانست» في أكتوبر 2004 أن 98 ألف شخص قد ماتوا في العراق بعد الغزو الأميركي، لكن الرقم محافظ فعلاً حيث يستثني الوفيات في ضرب الفلوجة بالقنابل العنقودية، وهي المدنية التي شهدت أشرس الهجمات العسكرية الأميركية ووفقاً للدراسة فإن المخاطرة بالموت نتيجة العنف في الفترة التي تلت الغزو كانت أعلى من الفترة التي سبقت الحرب بثمان وخمسين مرة.

وقدرت دراسة أجرتها إحصائية القتلى في العراق، والتي استندت إلى تقارير إعلامية متواترة أن 9270 مدنياً عراقياً قد قتلوا نتيجة نيران أميركية مباشرة في السنتين الأوليين من الغزو، ومرة أخرى فإن الرقم أقل من الواقع لأن كثيراً من الموتى العراقيين لا يردون في الإعلام، وكما ذكرت كولومبيا جورناليزم ريفيو في ربيع 2005 «إذا ظل معدل الوفيات على حاله (كما توقعت دراسة ذا لانسيت، فإن حوالي 25 ألف عراقي آخرين قد ماتوا.

في ظل هذه الظروف، ليس مثاراً للدهشة أن الأغلبية الكبيرة من العراقيين ينظرون إلى الجنود الأميركيين ليس كمحررين وإنما كجنود احتلال، وبحلول عام 2004، وجد استطلاع أجرته يو إس توداي، وشبكة السي إن إن ومنظمة غالوب أن 71 في المئة من العراقيين يعتبرون الجنود الأجانب قوة احتلال، وهو رقم يزداد إلى 81 في المئة خارج المنطقة الكردية شبه المستقلة في شمال العراق،

ووجد استطلاع أصدره المركز المستقل للإدارة ودراسات المجتمع المدني في مايو 2004 أن 92 في المئة من العراقيين يعتبرون الجنود الأجانب قوة احتلال واعتبرهم اثنان في المئة كمحررين. وفي نفس الاستطلاع عبر 7 في المئة فقط من العراقيين عن الثقة في قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته فإن حصيلة القتلى قد استمرت في الازدياد بالنسبة للجنود الأميركيين ويقف الرقم حالياً عند أكثر من ألفين، كما أن الإصابات تتصاعد، حيث أن واحداً من كل ستة جنود عائدين من العراق يتحدثون عن معايشة أعراض التوتر بعد الصدمة، والذي يؤدي إلى معدلات عالية من الاكتئاب والانتحار.

ويكتشف الجنود الذين ذهبوا إلى العراق وهم يعتقدون أنهم يحمون العالم من أسلحة الدمار الشامل العراقية أو يحررون العراقيين، أنهم يطلب منهم أن يخضعوا مواطنين لا يريدونهم في بلدهم، وقد قال جندي تقدم بطلب اعتباره «معترض ضمير»: «عندما ذهبت في البداية إلى العراق كنت أصدق فعلاً ما كانت الحكومة تقوله،

بأننا نبحث عن أسلحة الدمار الشامل وأننا سنجعل البلد أكثر أماناً بالنسبة للديمقراطية وأشياء مثلها، لكن عندما وصلت إلى هناك وجدت على الفور قصة أخرى، وجدت أن العراقيين لا يريدون وجودنا هناك، وإذا كان الجنود قد جاءوا إلى بلدنا وغزونا ودخلوا بيوتنا فإنني كنت سأحاربهم أيضاً».

ترجمة: محمود برهوم ورغدة عزيزية