يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يشكل الصوت الأعلى الذي ارتفع في قلب الولايات المتحدة مطالباً بالانسحاب الأميركي من العراق وبصورة فورية، ورافضاً الاقتراحات المقدمة بجدول زمني للانسحاب أو الانسحاب التدريجي أو الانسحاب لدى استقرار الوضع في العراق في أفق زمني غير محدد.

وفي ضوء هذه الأهمية حرصت «البيان» على تقديمه للقارئ بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر في الوقت نفسه الذي تصدر فيه الطبعة الانجليزية من الكتاب.

إن عنوان هذا الكتاب مستعار من كتاب هوارد زين «فيتنام: منطق الانسحاب»، الذي نشر للمرة الأولى في عام 1967 من قبل دار بيكون بريس وأعيد نشره في عام 2002 من قبل ساوث أند بريس ففي ذلك الكتاب، طرح زين حجة واضحة ومقنعة لانسحاب القوات الأميركية من فيتنام، وفي استعادة للأحداث.

يمكننا أن نرى المعاناة الهائلة التي سببتها إطالة أمد تلك الحرب، وعندما أخذ يتضح أن الولايات المتحدة كانت تخسر الحرب، فإن واشنطن لم تنسحب في البداية بل وسعت الحرب لتشمل لاوس وكمبوديا وكتب لعشرات الآلاف الآخرين من الجنود الأميركيين وملايين الناس في الهند الصينية أن يموتوا قبل أن تضطر الحكومة في النهاية لسحب جميع قواتها.

وأوجه الشبه التاريخية ليست دائماً مناسبة لكن التشابه بين العراق وفيتنام بالغ الأهمية ،ففي كلتا الحالتين واجهت أعظم قوة عسكرية في التاريخ البشري حدود قدرتها على فرض مشيئتها على شعب لا يرحب بتدخلها .وفي العراق، كما الحال في فيتنام، بدأ الجنود أنفسهم يتساءلون عن منطق الحرب الذي قدمه السياسيون والذي تردد يومياً في وسائل الإعلام المهيمنة.

بينما يرون على الأرض التناقضات الهائلة في الإدعاء بأن الولايات المتحدة «تجيء بالديمقراطية» إلى شعب تمارس معه الوحشية والقمع، وفي كلتا الحالتين فإن الحرب في الخارج تجرّ تكاليف مماثلة على الصعيد المحلي.

فيما يتعلق بتقليص النفقات الاجتماعية وتفسخ العائلات والمجتمعات نتيجة الحرب والتخلي عن المحاربين القدامى من قبل حكومة تسعى إلى إسكات المعارضة بشعارات جوفاء تصرّ على أن علينا أن «ندعم جنودنا» أي بمعنى أن علينا أن نقدم الدعم بلا أي نقد للحرب التي تقتلهم وتشوههم دون أي حاجة لذلك. كما أن الولايات المتحدة حالياً تحاول تغطية إخفاقاتها بانتهاج «عرقنة» الصراع مثلما انتهجت «الفتنمة» من قبل.

ومع هذا فإن التشبيه بفيتنام يقلل من شأن ما يتربص بالحكومة الأميركية في العراق، فمن منطلق جيواستراتيجي، فإن العراق الذي يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم ويقع في منطقة تحتوي على ثلثي الاحتياطي النفطي العالمي، أهم بالنسبة للولايات المتحدة حالياً مما كانت فيتنام في عام 1967 وكما كتب كاتب العمود في «الواشنطن بوست»، ريشارد كوهن: «إن ما يختلف فيه العراق عن فيتنام هو أنه لن يكون هنالك أي انسحاب في غير وقته، فوضوي ومخزٍ. ففي النهاية لم تكن فيتنام مهمة لكن العراق مهم».

حرب بالاختيار

تبين أن كل حجة أطلقتها حكومة بوش لتبرير غزو العراق زائفة، فلم تكن لدى العراق أي أسلحة دمار شامل ولم يكن يشكل أي تهديد للولايات المتحدة ولم يكن له أي علاقة بالقاعدة أو بالهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001. فقد هوجم العراق ليس لأنه كان يملك أسلحة دمار شامل بل لأنه لم يكن يملكها (وهي حقيقة لم تغب إزاء أهداف محتملة أخرى للتدخل الأميركي). ولم يتم استقبال الجنود الأميركيين كمحررين.

ولم يسدّد الاحتلال تكاليفه أو يتطلب بضعة جنود ولم ينته بسرعة. كما أن الاحتلال لم يجعل العالم أكثر أمناً أو يقلص تهديد أسلحة الدمار الشامل، وفي الحقيقة فإن الاحتلال جعل العراق والشرق الأوسط والعالم أكثر خطورة.

يجب أن لا يشكل أي من هذه الحقائق مفاجأة.

فقد تم التكهن بها جميعها على الصعيد العام من قبل الحركة المناهضة للحرب، وهو ما تجاهله الإعلام بشكل متعمّد، وحول كل نقطة جوهرية تبين أن الحركة المناهضة للحرب كانت مصيبة في تحليلها وتبين أن حكومة بوش كانت مخطئة.

كان انهيار حجة حكومة بوش للحرب كاملاً تماماً حتى أن إعلام المؤسسة توجب عليه أن يتساءل، في استعادة للأحداث الماضية، حول تغطيته الساذجة جداً لمزاعم الحكومة حول الحرب، ففي 26 مايو 2004، بعد أكثر من سنة من غزو العراق - نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالة من المحررين بعنوان : «التايمز والعراق» والتي قالت «اكتشفنا عدداً من حالات التغطية التي لم تكن دقيقة كما كان يتوجب أن تكون.

ففي بعض الحالات كانت المعلومات التي كانت مثيرة للجدل في حينها وتبدو مشكوكاً فيها الآن، لم تكن مؤهلة بشكل كاف أو تسمح بالصمود دون تفنيد لها، وعند النظر إلى الوراء، نتمنى لو كنا أكثر اجتهاداً في إعادة النظر في المزاعم مع ظهور أدلة جديدة - أو عدم ظهورها».

وعلى عكس كثير من تقارير الصفحة الأولى، بعناوين صارخة تحذر من أسلحة الدمار الشامل في العراق، فإن الإشارة كانت تدفن في الصفحة العاشرة ولم تستثن أي مراسل للنيويورك تايمز من الانتقاد والأبرز أن المقالة لا تأتي بأي ذكر لمراسلة التايمز، جوديث ميلر، التي كانت قد أصبحت بوقاً للدعاية المؤيدة للحرب التي غذيت بها من قبل حكومة بوش والمبعدين العراقيين.

وشبيهاً بذلك فإن «الواشنطن بوست» استنتجت بعدة نقاط تدعمها، أن تغطيتها «تبدو بعد إدراك متأخر منحازة جداً في بعض الأوقات».

يقول مراسل البنتاغون توماس ريكس: لم تكن المادة تستحق أن توضع في الصفحة الأولى بينما كانت تأكيدات الحكومة على الصفحة الأولى وكانت الأشياء التي تتحدى الحكومة في صفحة داخلية يوم أحد، أو صفحة داخلية يوم اثنين، فقد كان هنالك موقف لدى المحررين: «انتبهوا، إننا ذاهبون إلى الحرب فلماذا نقلق إزاء كل هذه المادة المعاكسة؟».

قال مدير التحرير ليونارد دوني: «كانت الأصوات التي تثير التساؤلات حول الحرب أصواتاً وحيدة في كل أنحاء أميركا ولم نعر الأقلية انتباها كافياً».

المساعد السابق للمحرر الإداري لـ «الواشنطن بوست»، كارين دي يونغ طرح الموضوع بشكل أكثر صراحة: «إننا، بصورة حتمية، بوق لأي حكومة في السلطة».

وبدون استثناء تقريباً استندت التفسيرات للفجوة الكبيرة بين هرج حكومة بوش والواقع على الأرض في العراق على فرضية مشتركة ولا أساس لها أبداً وهي أن الرئيس بوش تصرف بإيمان جيد أو ربما بمغالاة في المثالية «في السعي لتحقيق الأهداف التي أعلنها للعالم. وربما كان البيت الأبيض قد أخطأ في استخدام معلومات سيئة في التخطيط للحرب أو ربما خدع من قبل المبعدين العراقيين الذين أرادوا خداع الولايات المتحدة لشن الغزو لكنها تصرفت بنوايا نبيلة.

لكن الحقيقة أن الحكومة تلاعبت بشكل مستمر بالمعلومات لهندسة تأييد شعبي «لحرب بالاختيار» وهو تعبير واحد من مؤيديها الرئيسيين، وهو كاتب العمود في نيويورك تايمز، توماس فريدمان ، كما أن المحافظين الجدد في صميم إستراتيجية بوش لغزو العراق شكلوا مكتب الخطط الخاصة في البنتاغون وذلك خصيصاً لتجاوز وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية.(8)

كان بوش وكبار مساعديه مصممين على غزو العراق لأسباب أخفوها، وكانوا يعرفون أن بإمكانهم الاعتماد على إعلام طيّع لن يتحدى حجة الحرب بشكل كبير لكنه سينشر على الصفحات الأولى إدعاءاتهم أمام حزب ديمقراطي يمكن أن يتهاوى تحت خطر الظهور بعدم الوطنية أو الضعف إزاء أمن الوطن.

صد و رد

لقد ذكر بوش القاعدة وهجمات مركز التجارة العالمي والبنتاغون وبشكل مستمر في خطبه العامة حول العراق بينما انطلقت الحكومة لترويج الحرب لدى جمهور متشكك، وخلفت في النهاية الانطباع الزائف بين أغلبية السكان بأن العراق ذو علاقة بالحادي عشر من سبتمبر.

لكن غزو العراق لم يكن ذا علاقة بالإرهاب أو القاعدة أو الحادي عشر من سبتمبر. بل كان يتعلق بالنفط، وهو عنصر أساسي للنظام الرأسمالي العالمي، حيوي للإنتاج والنقل في كل صناعة رئيسية بما فيها الجيش. وكان الغزو يتعلق بالحفاظ على شعبية وأجندة «رئيس حرب» كما أطلق بوش على نفسه هذا الاسم بإعجاب، وراهن عليه لولاية ثانية.

لو أن صدام حسين كان ديكتاتوراً قاسياً في بلد ذي موقع أقل استراتيجية، في شرق أفريقيا مثلاُ، أو لو كان يرغب في تنفيذ الأوامر التي تصدر من البيت الأبيض، مثلما فعل ذات يوم خلال سنوات أسوأ جرائمه، لظل النظام في مكانه، لكن بعد غزوه للكويت في أغسطس 1990 لم يعد يخدم المصالح الأميركية وكان خطراً على استقرار الشرق الأوسط. وبالنسبة للمحافظين الجدد المقربين من حكومة بوش فإن حقيقة بقاء صدام في السلطة بعد حرب الخليج 1991 عززت «افتقاراً للرهبة» من الولايات المتحدة.

وشعر عدد من مستشاري بوش أن موقف الولايات المتحدة كدولة لا يمكن الاستغناء عنها - وهي عبارة صاغها الرئيس بيل كلينتون وكانت ترددها كثيراً مادلين أولبرايت سفيرته لدى الأمم المتحدة ووزيرة خارجيته - كان يعتمد على خلق نظام مستقر في العراق.

وتصور آخرون أن «تغيير النظام» في العراق يمكن أن يطلق عملية «صدّ ورد!» في الشرق الأوسط ويخدم كمنصة انطلاق لتغييرات أخرى في المنطقة مما يضمن الهيمنة الأميركية. وقد كتب جورج باكر في مجلة نيويورك تايمز: «بهذه الطريقة من التفكير فإن الطريق إلى دمشق وطهران والرياض والقدس تنطلق من بغداد، في نظرية دومينو جديدة» .

في البداية سعى أفراد حكومتي كلنتون وبوش إلى تحقيق «تغيير النظام» في العراق بدعم ثورة داخلية أملاً في بروز شخصية مثل صدام أكثر قبولاً، من صفوف الجيش وحزب البعث، وعندما فشلت تلك الاستراتيجية تحول المخططون الأميركيون بصورة متزايدة إلى نموذج تغيير النظام عن طريق التدخل الخارجي.

أرادت واشنطن نظاماً خانعاً في العراق لسبب بسيط: يملك العراق حوالي 112 مليار برميل من احتياطي النفط الثابت (ولا يتفوق عليه سوى السعودية) ونفطاً من نوعية عالية، استخراجه سهل نسبياً ورخيص. وكما تقول الفاينانشال تايمز على عكس نفط منطقة بحر قزوين وهي الحدود الجديدة العظيمة للتسعينيات - فإن الوصول إلى نفط العراق الخام وتصديره أسهل.

حيث أن العراق يتميز بكونه قادراً على نقل كثير من إنتاجه عبر البحر الأبيض المتوسط عن طريق خط أنابيب إلى تركيا - وهي مرونة يفتقر إليها المنتجون الآخرون في الشرق الأوسط . كما يقع العراق في منطقة تملك احتياطيات هائلة ومتزايدة الأهمية من الغاز الطبيعي.

كانت واشنطن على مدى عقود ملتزمة بضمان أن تستطيع وحدها استخدام النفط كسلاح ضد الدول الأخرى، وخاصة المنافسين الاقتصاديين والسياسيين في آسيا وأوروبا وذلك بالتحكم في تزويد النفط وتدفقه. وزادت أهمية هذا الهدف في السنوات الأخيرة عندما أصبح المنافسون الاقتصاديون والسياسيون البارزون أكثر اعتماداً على استيراد موارد الطاقة الشرق أوسطية وعندما تضاءلت احتياطيات النفط العالمية مما جعله سلعة أغلى وأدى إلى تزايد المنافسة على الوصول إلى الإمدادات.

تستورد اليابان حالياً أكثر من 85 في المائة من نفطها من الشرق الأوسط وتستورد الولايات المتحدة 13 في المائة فقط من المنطقة وتتوقع الصين والهند واردات طاقة متزايدة بسرعة على المدى القريب بينما يدفعهما معدل نموهما الاقتصادي إلى منافسة أشد مع الولايات المتحدة.

بصراحة

أصاب العالم السياسي مايكل كلير في قوله في وقت غزو مارس 2003: «إن تنحية صدام حسين واستبداله بشخص مدين للولايات المتحدة جزء رئيسي من استراتيجية أميركية أوسع ترمي إلى ضمان هيمنة عالمية أميركية دائمة في الشرق الأوسط».

وكتب يقول ان الولايات المتحدة وسعت مبدأ كارتر - بأن الولايات المتحدة ستدافع عن مصلحتها الحيوية في نفط الخليج بأي وسيلة ضرورية بما فيها القوة العسكرية - على المسرح العالمي:

إن مبدأ كارتر يتجاوز اليوم الخليج، وهو مخطط لبسط القوة العسكرية الأميركية على مناطق العالم الأخرى المنتجة للنفط. وكما تدعو السياسة الأميركية الحالية إلى استخدام القوة العسكرية لحماية تدفق النفط من الخليج العربي فإن مبدأ كارتر الموسع حالياً يبرر القيام بعمل مماثل في منطقة بحر قزوين، وأميركا اللاتينية والساحل الغربي لأفريقيا. وقد أخذ يتم تحويل الجيش الأميركي، ببطء لكن بشكل مؤكد إلى جهاز عالمي لحماية النفط.

في شهورهم الأكثر صراحة فإن المدافعين عن حكومة بوش اعترفوا بأن المصالح الأميركية في العراق تتعلق بسياسات القوة المباشرة، فقد أكد الكاتب السابق لخطب بوش، دافيد فروم:

«إن الإطاحة بصدام حسين بقيادة أميركا - واستبدال الديكتاتورية البعثية الراديكالية بحكومة جديدة أكثر انحيازاً للولايات المتحدة يمكن أن يضع أميركا مسؤولة عن المنطقة أكثر من أي قوة أخرى منذ العثمانيين، أو ربما منذ الرومان».

إن التخطيط الأميركي لغزو العراق والذي كان يمكن أن يكون مصادفة لولا التخطيط له، وضع بتفصيل كبير «الاستيلاء السريع على حقول النفط في ذلك البلد». وفي الحقيقة فإن أول المناطق التي استولت عليها القوات الغازية في جنوب العراق سميت «قاعدة إكسون للعمليات المتقدمة» وقاعدة شل للعمليات المتقدمة.

وقد لاحظ العراقيون وبسرعة أن الجنود الأميركيين، في الفوضى التي جاءت بعد الغزو، قد أمنوا وزارة الداخلية ووزارة النفط لكنهم وقفوا متفرجين بينما كان يجري نهب المتاحف ومخابئ الأسلحة وحتى المواقع التي كان فيها مواد ذات علاقة بالذرة.

لكن مبرراً آخر للحرب طرحته حكومة بوش تركز على انتهاكات حقوق الإنسان من قبل النظام العراقي، فقد أعلن الرئيس بوش في خطابه عن حال الاتحاد عن دوافع غزو العراق: «إن صدام حسين استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه».

صحيح، إذا تناسينا الاعتراض بأن الأكراد بالكاد مواطنو صدام حسين، لكننا يمكن أن نعرف إلى أي مدى كانت هذه المذبحة تقلق المؤسسة السياسية فعلاً، بتفحص تاريخ التصرفات الأميركية بعد الغزو، ولنأخذ على سبيل المثال ما يتم الاستشهاد به كثيراً عن هجوم كيماوي عراقي، ذبح حوالي خمسة آلاف كردي في حلبجة في مارس 1988.

فالهجوم الوحشي، جزء من حملة حكومية أوسع للتطهير العرقي قد تمت الإشارة إليه كثيراً في 2002 و 2003 كذريعة لغزو العراق، لكن عندما انكشفت القصة في مارس 1988 فضلت حكومة ريغان التقليل من شأنها أو تكذيبها، ويشجع البعض في واشنطن الفكرة القائلة بأن إيران هي التي نفذت الهجمات في الحقيقة.

تسويق الحرب

في الحقيقة، وقبل أن تطلق حكومة بوش حملة علاقاتها العامة «لتسويق» الحرب، باستخدام عبارة رئيس طاقم البيت الأبيض أندرو كارد، فإن كوندوليزا رايس وكولن باول نفيا فكرة أن العراق يهدد جيرانه. وفي 24 فبراير 2004 قال باول «إن صدام حسين لم يطور أي قدرة ذات أهمية فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، وهو لا يستطيع أن يظهر القوة التقليدية ضد جيرانه».

وفي الوقت ذاته قالت رايس لشبكة السي إن إن في يوليو 2001: «إننا نستطيع أن نبقى بعيدين عنه، فلم تتم إعادة بناء قواته العسكرية».

ومع أن الأمر لم يتم الاعتراف به أبداً فإن الولايات المتحدة وشريكتها الصغيرة، بريطانيا، قد أمضيتا ثلاث عشرة سنة في قصف مستمر للعراق، ودمرتا البنية التحتية قبل الغزو في مارس 2003. وفي انتهاك صارخ للقانون الدولي فإن الطائرات البريطانية والأميركية صعدّتا بشكل كبير عدد الهجمات على العراق في الشهور التي سبقت الغزو ولم تكن الهجمات تتم لحماية الأكراد في شمال العراق أو الشيعة في جنوبه كما زعمت الولايات المتحدة بل لجرّ ضربة انتقامية يمكن أن توفر ذريعة للحرب وتضمن أن يصبح العراق أقل قدرة على الدفاع عن نفسه خلال الغزو المقرر.

وكما كتب مايكل سميث، صحافي التايمز اللندنية الذي حصل على مذكرات رئاسة الوزارة البريطانية حول الاستعداد البريطاني لغزو العراق:

«إن أرقام الحكومة البريطانية حول عدد القنابل التي أسقطت على جنوب العراق في عام 2002 تظهر أنه مع أنه لم تستخدم أي منها في مارس وابريل، فإن ما معدله عشرة أطنان من القنابل كانت تسقط في الشهر بين مارس وأغسطس.

«لكن هذه العمليات الأولية للنشاط لم يكن لها الأثر المرغوب، فالعراقيون لم يردّوا ولم يوفروا الذريعة المطلوبة لبوش وبلير لذلك فإن الحلفاء قاموا في نهاية أغسطس بتكثيف كبير للقصف فيما كانت الحرب الجوية الأولية فعلاً.

«كان عدد القنابل التي أسقطت على جنوب العراق من قبل طائرات الحلفاء 6,54 طناً في سبتمبر وحده ، مع تزايد المعدل في 2003.

وبكلمات أخرى فقد بدأ بوش وبلير حربهما ليس في مارس 2003 كما اعتقد الجميع بل في نهاية أغسطس 2002 قبل ستة أسابيع من موافقة الكونغرس على العمل العسكري ضد العراق.

«وعلاوة على ذلك، كانت الولايات المتحدة طوال سنوات تبعث بالطائرات والطائرات بلا طيّار لتحلق فوق العراق، تستطلع كل إنش من أرضه، مما أثار الشكوك حول مزاعم بوش عن أسلحة الدمار الشامل المخبأة في العراق.

«وبالتدخل في العراق، كانت حكومة بوش تأمل ليس فقط في ترسيخ سيطرتها على الشرق الأوسط بل ترسيخ حق الولايات المتحدة في التدخل في أي مكان يعتبر تهديداً محتملاً لمصالحها الإمبراطورية.

«كانت حكومة بوش، بوجود الديمقراطيين وراءها، تقصد من الحرب في العراق، مثل حربها في أفغانستان، أن يكون لها «تأثير ملموس» يبين للدول الأخرى أن الحكومة الأميركية:

1- تملك الحق (والذي يمكن على أساس محدود أن يشمل الحلفاء، مثل إسرائيل) في الإقدام على ضربات استباقية ضد أي دولة تختارها

2- سوف تعود إلى الأمم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى عندما يلائمها هذا فقط ويحقق غاياتها وسوف تصرف النظر عنها على أنها غير ذات علاقة.

3- لن تسمح لأي تحدّ لمصداقية الاستعمار الأميركي».

وكما نسبت النيويورك تايمز إلى صقر لم تذكر اسمه: بوضع جيشنا في العراق فإننا نستطيع أن نضرب مثالاً للدول الأخرى: إذا تعاونتم مع الإرهابيين أو هددتمونا بأي طريقة أو حتى إذا نظرتم إلينا شزراً، فإن هذا يمكن أن يحدث لكم».

ترجمة: محمد برهوم ورغدة عزيزية