ينتقل المؤلف بنا هنا من ساحة العمليات في شبه جزيرة سيناء الى الهجمات الإسرائيلية على الضفة الغربية وهضبة الجولان، فيوضح ان الخطة الإسرائيلية للهجوم على الضفة كانت قد أعدت منذ فترة طويلة وكانت الخطوة الأولى فيها الاستيلاء على القدس إلى جانب استهداف مدن الضفة.
وفي الجولان تكبد الإسرائيليون خسائر فادحة ولم يكن تقدمهم سريعاً، كما كانوا يتوقعون. في صبيحة الخامس من يونيو 1967 بدا العاهل الأردني الملك حسين قلقا حائرا وهو يجلس بقرب هاتفه. كان اللواء عبد المنعم رياض رئيس العمليات في قيادة أركان الجيش الملكي، باعتباره مسؤولا عن القيادة العربية الموحدة، قد أخبره للتو أن الطيران الإسرائيلي كان بصدد قصف المطارات والقواعد الدوية المصرية. كان الملك حسين ينتظر ذلك الخبر منذ يومين، إذ كان السفير التركي في عمّان قد طلب مقابلة معه وأخبره أن إسرائيل تستعد للقيام بهجوم مباغت ضد مصر. نقل الملك المعلومة إلى عبد المنعم رياض الذي نقلها بدوره إلى القاهرة حيث جاء الرد بأن كل شيء طبيعي وأن المصريين الذين كانوا ينتظرون مثل ذلك العمل منذ عدة أسابيع على أتم استعداد للرد.
تحوّل التهديد الإسرائيلي إلى فعل ووجد الملك حسين نفسه أمام مسؤولياته. ورأى أن من المنطق والحكمة الاكتفاء بممارسة ضغط عسكري مستمر على طول الحدود بحيث تضطر إسرائيل إلى الإبقاء على عدة كتائب مما قد يخف الضغط على الجبهات العربية الأخرى.
وكان ذلك هو الموقف نفسه الذي اتخذه الأردن أثناء حملة السويس عام 1956. ولا شك أن ذلك هو الموقف الذي ينتظره الإسرائيليون.
لكن السياق كان قد تغير وتقلّص كثيرا على هامش مناورة الملك الشاب الذي كان قد بلغ منذ فترة وجيزة الثانية والثلاثين من العمر. وكان من الصعب عليه هذه المرّة أن يتّخذ موقفا محايدا جدا لاسيما وأن قسما مهما من الرأي العام العربي، وحتى الرأي العام الأردني، ينظر إليه على أنه قريب أكثر مما ينبغي من المصالح الغربية.
وكان الملك حسين قد أبرم قبل فترة وجيزة اتفاقا للتعاون العسكري مع عبد الناصر جاء بموجبه الفريق عبد المنعم رياض إلى الأردن للقيام بمسؤولية القيادة العسكرية المشتركة. بالتالي كان عدم قيامه بأي عمل قد يؤدي إلى مجابهات داخلية.
وكان الملك حسين على اقتناع بأن واجبه الأخلاقي يدفعه للانخراط في الحرب بطريقة أو بأخرى. كما كان على اقتناع أيضا بأن الإسرائيليين يطمعون بالاستيلاء على مناطق تقع تحت حكمه.
لكنه بالمقابل كان يدرك عدم قدرته على الذهاب بعيدا في الحرب مع إسرائيل؛ فعدد الطائرات التي كان الأردن يمتلكها لا يكفي لذلك والجيش الأردني، رغم تدريبه الجيد، كان محدود العدد والعدّة أيضا.
مع ذلك توجه الملك حسين إلى مقر قيادة الأركان من أجل الإشراف على الإجراءات التي ينبغي اتخاذها. لقد وصل إليها عند الساعة التاسعة والنصف وتحادث مع قيادة الجيش ومع عبد المنعم رياض مسؤول القيادة العسكرية العربية المشتركة وأكّد لهم نيته في الانخراط عسكريا بالحرب، ولكن على أن يتم ذلك بطريقة متعقلة جدا ومعتدلة بحيث لا يقوم الإسرائيليون بهجوم برّي ضد المملكة.
وهكذا وافق الملك على خطة عملية لا يشترك فيها سوى سلاح المدفعية بحيث تقوم بقصف أهداف مثل القواعد الجوية في رامات ديفيد واللد الواقعة في مجال مدى الرمي المدفعي المتوفر لدى الجيش الأردني.
أمّا الطيران فقد جرى وضعه في حالة تأهب قصوى ولكن مع الحرص على عدم مشاركته في المرحلة الأولى على الأقل. والحالة نفسها من التعبئة القصوى بالنسبة للقوات البرية لكن شريطة أن لا ترد إلا في حالة الدفاع عن النفس.
هذه الأوامر جرى نقلها مباشرة إلى الوحدات العسكرية بعد الساعة الحادية عشرة بقليل يوم 5 يونيو حيث بدأت المدفعية الأردنية قصفها المتفرق للأهداف المحددة.
عاد بعدها الملك مباشرة إلى القصر حيث تلقّى اتصالا هاتفيا من الجنرال النرويجي «أودبول» ممثل قوة مراقبي الأمم المتحدة الهدنة الذي نقل له رسالة من السلطات الإسرائيلية تؤكد فيها أنها لن تهاجم الأردن إذا بقي بعيدا عن المشاركة بالحرب.
القدس أولاً
كانت الحاجة لفتح جبهة ثانية ذات أهمية كبيرة لتخفيف الضغط عن الجبهة المصرية بعد الخسائر الكبيرة في الطيران إثر الضربة الإسرائيلية الجوية.
هكذا في الساعة الواحدة قام فصيل من كتيبة المشاة الثالثة الأردنية باحتلال الموقع المنزوع من السلاح للحاكم البريطاني السابق والذي كان قد أصبح مقر المراقبين الدوليين للهدنة التابعين للأمم المتحدة منذ عام 1949.
كان ذلك الموقع على بعد أقل من 2 كيلومتر عن مدينة القدس القديمة وكان معتبرا كمنطقة حيادية بين الطرفين، بل وربما كان يمثل موقعا للقاءات سرية دون الحاجة للإعلان عن ذلك رسميا، كما يشير مؤلف هذا الكتاب. وبنفس الوقت قامت 12 طائرة أردنية من طراز «هنتر» بقصف مطار إسرائيلي بالقرب من ناتانيا.
أصبحت عمليات القصف البرية أكثر كثافة بنفس الوقت واستهدفت ضواحي تل أبيب، كما تغلغل عدد من أعضاء سرية الكوماندوس المصرية التي كانت تتواجد في الأردن ضمن إطار اتفاق الدفاع المشترك الموقع بين البلدين إلى ما وراء خطوط العدو. وزادت حدّة المناوشات على طول خط وقف إطلاق النار.
تذرّعت إسرائيل بحجة الاستيلاء على الموقع «المحايد» وعمليات القصف للقيام بهجوم بربري تدعمه الدبابات واستعادت ذلك الموقع لكنها تكبّدت خسائر كبيرة.
كانت خطة الهجوم على الضفة الغربية قد أُعدّت منذ فترة طويلة، كما يؤكد المؤلف، مشيرا إلى أن الخطوة الأولى فيها كانت حصار المدينة المقدّسة، القدس، في أفق الاستيلاء عليها.
ويشير المؤلف هنا إلى أن المسؤول العسكري الأردني عن قطاع القدس طلب تعزيزات بالمشاة والمدرعات ووعده قائد الأركان عامر خمّاش بتلبية ذلك.
هكذا قام بإعادة تنظيم قواته على هذا الأساس وخطط لعمليات للانطلاق بها اعتبارا من صبيحة اليوم التالي. لكن الدعم الموعود لم يصل بل أخبرته القيادة أن الخطط قد تعدّلت.
وفي ذلك السياق اجتازت القوات الإسرائيلية خط وقف إطلاق النار وقطعت الطريق الإستراتيجي الواصل بين القدس ورام الله. وفي ليلة 5-6 يونيو 1967 بدأ حصار مدينة القدس بعد الاستيلاء على الهضاب المطلّة على المدينة القديمة، الواحدة بعد الأخرى.
وعند الساعة الثانية وعشرين دقيقة صباحا تجاوزت «الخط الأخضر» وشطرت المدينة إلى قسمين بعد أن خاضت معارك بالسلاح الأبيض وخاصة حول «هضبة الذخائر»، وحيث كتب موشي دايان في مذكراته: «كانت المعركة للسيطرة على هضبة الذخائر هي الأكثر صعوبة في حربنا ضد الأردنيين»، هذا قبل أن يتحدث عن «البطولة» التي أظهرها المدافعون الأردنيون عنها.
كما يؤكد المؤلف أن الإسرائيليين قد اصطدموا بمقاومة شرسة من قبل الجنود الأردنيين في العديد من المواقع الأخرى بمدينة القدس وحولها. لكن التفوق العسكري الإسرائيلي وقصف الطيران دفع القوات الأردنية للانسحاب في ليلة 6-7 يونيو ليستولي الإسرائيليون على مدينة القدس القديمة.
وبالتوازي مع القدس استهدف الإسرائيليون مدن الضفة الأخرى وفي مقدمتها جنين ونابلس. وهنا أيضا دارت معارك طاحنة بالدبابات. وينقل المؤلف عن العقيد صالح عليان قائد مفرزة مدرّعة شهادته التي جاء فيها: «طيلة صبيحة السادس من يونيو دخلنا في معركة حامية بالدبابات في موقع ليس بعيدا عن جنين.
لقد أخلينا الطريق أمام الإسرائيليين الذين كانوا يتقدمون نحو مواقعنا مما أدّى إلى بذر التشوش والهلع في صفوفهم. كانت الدبابات والعربات المصفحة الناقلة للقوات تنفجر من حولنا.
وقد استطعنا تدمير العديد من الدبابات الإسرائيلية من طراز شيرمان لكن طيران العدو جاء للنجدة وقصفنا بالصواريخ وقنابل النابالم، مما أوقع خسائر كبيرة في صفوفنا وأرغمنا على التراجع».
وهذه الشهادة تتوافق مع ما يكتبه مؤلف هذا الكتاب مؤكدا أن «الطائرات الإسرائيلية قصفت بكثافة القوات الأردنية، من دون أن تتوصل مع ذلك إلى دفعها إلى التراجع. كان الجنود الأردنيون شديدي البأس، لكن عمليات القصف الجوي قلّصت كثيرا من قدرتهم الهجومية، ودمّرت العديد من دباباتهم».
يضاف إلى هذا واقع نضوب الاحتياطي من الذخائر بسبب صعوبة طرق الإمدادات وقطع الكثير منها من قبل الإسرائيليين.
وفي نهاية ما بعد ظهر يوم 7 يونيو 1967 وصل الإسرائيليون إلى جسري عبد الله واللنبي على نهر الأردن. وقاموا بتدميرهما على الفور من أجل منع الوحدات الأردنية التي كانت قد تجمّعت بعد تراجعها على الضفة الشرقية، من القيام بهجوم مضاد، لكنهم «سمحوا لأكبر عدد ممكن من الفلسطينيين بالعبور إلى الأردن.
وتعرضت الجسور الأخرى على النهر لنفس المصير. هكذا سيطر الإسرائيليون على الضفة الغربية كلها و«التي غدت مقطوعة عن العالم».
دخل قرار وقف إطلاق النار بين الأردن وإسرائيل يوم 7 يونيو 1967 عند الساعة الثانية والعشرين بالتوقيت المحلّي الأردني. وكانت المعارك حامية والخسائر كبيرة من الطرفين» حسب قول مؤلف هذا الكتاب، ويضيف: «لقد خسر الإسرائيليون خلال ثلاثة أيام من المعارك الضارية من الجنود أكثر مما خسروه خلال ستة أيام على الجبهتين الأخيرتين».
كما يشير إلى أنه ربما ما كان للإسرائيليين أن يحققوا ذلك الفوز لولا دعم الطيران ثم يختم تحليله في هذا السياق قائلاً: «ربما أنهم ـ أي الأردنيون ـ ما كان لهم أن ينتصروا في الحرب لكنهم كانوا، من دون شك، سوف يمنعون الإسرائيليين من أن يُلحقوا بهم هزيمة ساحقة».
جبهة الوقت
بدت جبهة الجولان هادئة خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب. وكانت العمليات العسكرية تقتصر على عمليات قصف مدفعي متفرقة من قبل المدفعية السورية وعلى غارات جوية إسرائيلية ضد مواقع المدفعية السورية المتواجدة على أعالي هضبة الجولان المطلّة على بحيرة طبرية ووادي الحولة.
وكانت هناك أيضا بعض الاشتباكات الجوية بين طائرات الميج الروسية والميراج الفرنسية.
ويشير المؤلف إلى برقية تلقاها الرئيس السوري آنذاك نور الدين الأتاسي يوم 8 يونيو من الرئيس جمال عبد الناصر، التقطها الإسرائيليون ـ حسب تأكيد مايكل أورين في كتابه الذي يحمل عنوان «ستة أيام من الحرب» الصادر عن جامعة أوكسفورد عام 2002 ـ وجاء فيها:
«إن جيشي ينسحب، وأنا على اقتناع أن إسرائيل هي بصدد حشد كل قواتها ضد سوريا بقصد إنهاء الجيش السوري. أرجوك أن تثق بما أقول وتقبل وقف إطلاق النار الذي يتم التفاوض حوله تحت إشراف الأمم المتحدة وأن تبلغ بأقصى سرعة ممكنة قرار القبول إلى الأمين العام. هذا هو الحل الوحيد من أجل إنقاذ الجيش السوري الباسل. لقد خسرنا هذه المعركة، وسوف يكون الله في عوننا مستقبلا».
بعد ظهر ذلك اليوم أعطت قيادة الأركان السورية أوامرها لوحداتها كي تبدأ بالتراجع التدريجي باتجاه دمشق. ذلك أن الحرب بدت أنها قد انتهت «عسكرياً» بينما كانت «الجبهة الدبلوماسية» قد نشطت منذ ليلة 5 ـ 6 يونيو في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن وزير الخارجية الأميركي آنذاك «دين راسك» يريد التوصل بأسرع ما يمكن إلى وقف لإطلاق النار بينما أن ممثلين للبيت الأبيض ولوزارة الدفاع الأميركية قد أوحوا للوفد الأميركي في الأمم المتحدة أنه قد يكون من الأفضل الانتظار بعض الوقت.
لقد كانوا يريدون إفساح المجال لإسرائيل كي «تستكمل» مشروعها من الحرب فميزان القوى العسكري يميل إلى صالحها بوضوح حسب المعلومات المتوفرة.
وفي صبيحة 6 يونيو 1967 عقدت قيادة الحلف الأطلسي في بروكسل اجتماعا طارئا من أجل تقييم الوضع ونتائج الحرب الممكنة على أمن أوروبا.
وخاصة فيما يتعلق بمخاطر قيام حلف وارسو بعمل على مسرح أوروبا الوسطى: كانت تقارير أجهزة الاستخبارات الغربية مطمئنة حول هذه المسألة إذ أكدت أنه لم يجر أي تغيير في الاستعدادات العسكرية بشرق أوروبا يسمح بتوقع القيام بأي عمل عسكري. في الفاتيكان طالب البابا بجعل القدس مدينة مفتوحة.
بينما قطعت كل من مصر وسوريا والجزائر واليمن والعراق والسودان علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل.
بنفس اللحظة طلب الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا والهند عقد اجتماع فوري لمجلس الأمن لإعداد بيان مقتضب بطالب الأطراف المتحاربة بوقف القتال فورا.
وكان نص ذلك البيان يقول: «يطلب مجلس الأمن من جميع الحكومات المعنية أن تتخذ مباشرة جميع الإجراءات الضرورية للوصول إلى وقف إطلاق النار ووضع حد لجميع النشاطات العسكرية في الشرق الأوسط».
كانت وزارة الداخلية الأميركية مستعدة للقبول بذلك لاسيما وأن دين راسك لم يستطع خلال اجتماع سري قبل أسبوع بين الإسرائيليين والأميركيين أن يجعل المجتمعين يقبلون بوجهة نظره. وعند الساعة التاسعة وعشر دقائق من صباح 6 يونيو تبنّى مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 233 الذي قبلته الدولة العبرية على الفور على لسان وزير خارجيتها ابا ايبان.
لكن الوفود العربية لم تقبل بالنص الذي كان يسمح ضمنا للمتحاربين أن يبقوا في المواقع التي وصلوا إليها عند دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ أي ما كان يعني في الواقع تكريس الاعتداء الإسرائيلي ومنح جائزة للمعتدي.
وقد حاول العديد من الدبلوماسيين العرب الدفع نحو تبنّي قرار جديد يرغم المتحاربين على العودة إلى مواقعهم الأولية، لكنهم لم ينجحوا في مساعيهم، لذلك رفضت الحكومات العربية مجتمعة قرار وقف إطلاق النار. وبنفس الوقت علّقت كل من السعودية والكويت صادراتهما من البترول مما شكل شروعا في استخدام «سلاح النفط».
يوم 7 يونيو، وأمام خطورة الوضع على الأرض، استدعى الرئيس جمال عبد الناصر السفير السوفييتي في القاهرة وطلب منه أن ينقل للكرملين طلبا ملحا للضغط على الولايات المتحدة كي تتخذ الإجراءات الضرورية من أجل إرغام إسرائيل على قبول وقف إطلاق النار.
وفي وسط ذلك اليوم بتوقيت نيويورك أصدر مجلس الأمن قرارا جديدا (القرار 234) دعا المتحاربين إلى وقف إطلاق النار في مساء نفس اليوم. قبل الأردن وإسرائيل القرار لكن مصر رفضته، الأمر الذي يعيده مؤلف هذا الكتاب إلى واقع أنه كان هناك تطور في ميدان المعركة إذ كانت القوات المصرية بصدد القيام بهجوم مضاد واعد.
وبنفس الوقت كان الكسي كوسيجين قد أخبر السلطات المصرية أن الاتحاد السوفييتي يفكر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية وأنه قد طلب منها وضع حد فوري لعدوانها وإلا «ستتحمل كل النتائج التي تترتب على ذلك». هذا دون أي تحديد للإجراءات التي قد تقوم بها موسكو.
في اليوم التالي أصدر مجلس الأمن القرار رقم 235 الداعي للوقف الفوري لإطلاق النار. وقد قبلته مصر هذه المرّة، وكذلك قبلته الأردن وإسرائيل وأعلنت سوريا استعدادها لقبوله.
وهكذا انتهت في ليلة 8 ـ 9 يونيو المعارك في سيناء. لكن الحرب لم تضع أوزارها نهائيا مع ذلك. إذ كانت القيادة المركزية الإسرائيلية قد طلبت من الجنرال دافيد اليعازر منذ 6 يونيو القيام بالهجوم واحتلال أعالي هضبة الجولان.
الكناري والهررة
لم تبد تلك المهمة سهلة إذ كانت توجد ثماني كتائب سورية منتشرة في الجولان وتمتلك 300 دبابة و265 مدفعا ثقيلا. وفي ليلة 7 ـ 8، مع توقف العمليات في الضفة الغربية، أراد الجنرال اليعازر القيام بهجومه.
لم يوافق موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي على ذلك، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، مشيرا إلى أنه كان على قناعة بضرورة التوقف والاكتفاء بما تحقق وينقل عنه تصريحه: «لقد ابتلع الكناري الإسرائيلي هرّين (مصر والأردن) وهذا يمثل بحد ذاته وجبة شهيّة، وليست هناك حاجة لإضافة سوريا».
اعتبر الجنرال اليعازر أن عدم القيام بالهجوم يعني حرمانه من «انتصار»، ولذلك توجه إلى تل أبيب للقاء رئيس الحكومة ليفي اشكول الذي كانت تربط به علاقات شخصية قوية. وينقل المؤلف أن اشكول قد أصغى له بانتباه كبير وإنما أكّد أن له أن السلطة الحقيقية بيد موشي دايان وليس بيده.
لكنه أكّد له بالوقت نفسه أنه سوف يستدعي في مساء نفس اليوم اجتماع مجلس وزراء الأزمة في محاولة لوضع دايان في وضع الأقلية.
وفي 8 يونيو جرى الاجتماع حيث تحدث الجنرال إسحق رابين أولا ودعا للقيام بالهجوم. كما تحدّث الوزير إيحال آلون قائلا: «في فرضية أن الهجوم على الجولان سوف يؤدي إلى قطع علاقاتنا الدبلوماسية مع موسكو - وأنا أشك، على حد قوله، أن السوفييت سوف يصلون إلى هذا الحد- فإنني أفضل الاستيلاء على المواقع السورية وقطع العلاقات مع الاتحاد السوفييتي على رؤية السوريين يحتفظون بمواقعهم والاتحاد السوفييتي يقوم بمواساة إسرائيل».
بقي موشي ديان مصرّا على رأيه حيث ينقل عنه المؤلف قوله: «أفضل نقل عدة قرى وكيبوتزات عشرين كيلومترا كي يكون سكانها بمنجاة من المدفعية السورية على فتح جبهة ثالثة تقودنا إلى المواجهة مع السوفييت».
هنا اقترح ليفي اشكول حلا وسطا ينص على أن الشروط السياسية الضرورية للقيام بهجوم في الجولان ليست متوفرة الآن لكن ينبغي بنفس الوقت عدم استبعاد مبدأ الهجوم، ويمكن الأخذ به في الساعات أو الأيام التالية.
وعند الساعة الخامسة من صباح 9 يونيو أُعلن أن سوريا قد قبلت رسميا وقف إطلاق النار. ودلّت تقارير استخبارية أنها بصدد سحب وحداتها تدريجيا من الجولان. وكان وقف إطلاق النار قد أصبح نافذ المفعول في سيناء وعلى الجبهة الأردنية.
أعاد موشي ديان حساباته ف«هذه الفرصة قد لا تتكرر». وعند الساعة السادسة اتصل بالجنرال اليعازر وسأله: «هل أنت جاهز للهجوم هذا الصباح؟». كان الجواب إيجابيا فأضاف: «قم بالهجوم إذن عندما تكون جاهزا».
وعند الساعة الحادية عشرة والنصف من ذلك اليوم، وبعد عمليات قصف كثيف بالطيران للمواقع السورية، بدأ الهجوم البري الإسرائيلي. كانت المقاومة السورية شديدة في العديد من المواقع، مثل موقع «كالا» حيث استمرت المعركة ساعتين خسر فيها الإسرائيليون 33 دبابة من أصل 35.
لكن تدخل الطيران حسم المعركة مرّة أخرى لصالح الإسرائيليين الذين استخدموا في هجومهم الجوي قنابل النابالم. كذلك عرفت مواقع أخرى نفس القدر من المقاومة وأرغمت الإسرائيليين على التراجع إلى أن تدخل الطيران.
أرسلت الحكومة السورية احتجاجا رسميا إلى الأمم المتحدة ضد خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار وقيامها بالهجوم وطالبت باجتماع فوري لمجلس الأمن.
وعندما انعقد الاجتماع طلب دين راسك وزير الخارجية نفسه من ابا ايبان، وزير الخارجية الإسرائيلي أن ينصح حكومته بالوقف الفوري لمغامرتها «الغبية وغير المسؤولة»، على حد تعبيره، إذا كانت حريصة على التحالف مع واشنطن.
وكانت آراء ممثلي فرنسا والاتحاد السوفييتي في نفس الاتجاه وجرت مشادّة كلامية حادّة بين ابا ايبان وممثل مصر في الأمم المتحدة الدكتور القوني. وفي نهاية بعد الظهر بدا أن مجلس الأمن قد توصل إلى نص شديد اللهجة يفرض وقف إطلاق النار على المتحاربين بعد ست ساعات من تبنّي القرار.
وطلب ابا ايبان من المجلس، كي يكسب بضع ساعات، استشارة حكومته وعرض اقتراح مجلس الأمن عليها. هكذا كان لدى الإسرائيليين عدة ساعات إضافية لزيادة تغلغلهم في الجولان.
المهمة الصعبة
لكن لم يكن الاستيلاء على هضبة الجولان بالسهولة التي اقترضها الإسرائيليون إذ كان إسحق رابين قد حدد قوله لموشي ديان عندما سأله عن الزمن الذي يحتاجه الجيش الإسرائيلي للاستيلاء على الجولان قبل ساعات قليلة من الهجوم بأربع وعشرين ساعة فقط. لقد كانت الخسائر أكبر بكثير مما كانوا يتوقعون ولم يتقدموا بالسرعة التي كانوا ينتظرونها.
ويشير المؤلف إلى أن عدة وزراء إسرائيليين، ومن بينهم موشي ديان، بدأوا بطرح الأسئلة على أنفسهم. وطالب إسحق رابين نفسه بإلغاء بعض العمليات المقررة لليوم التالي إذ اعتبرها ليست مقنعة بدرجة كافية. مع ذلك قررت الحكومة الإسرائيلية متابعة الهجوم مع تحديدها فجر يوم العاشر من يونيو موعداً لاتمامه.
وعندما تحدث ليفي اشكول مع وزير خارجيته ابا ايبان في نيويورك طلب منه أن يعمل لتأجيل موعد وقف إطلاق النار إلى حين بلوغ الأجل الذي حدده الإسرائيليون لهجومهم.
وعند الساعة الخامسة صباحا بتوقيت نيويورك، أعلن ابا ايبان لمجلس الأمن قبول إسرائيل بالقرار 236. وفي الساعة الخامسة والنصف تبنى المجلس ذلك القرار. كانت الساعة هي 12,30 في الشرق الأوسط، أي كان أمام الجيش الإسرائيلي حتى الساعة السادسة والنصف تنفيذا لمهلة الست ساعات لتنفيذ القرار، كي يكمل احتلاله لهضبة الجولان.
إذ في الساعة الثالثة من بعد الظهر كانت مدينة القنيطرة (عاصمة الجولان) قد سقطت بيد الإسرائيليين.
وعند الساعة السادسة والنصف مساء دخل قرار إطلاق النار حيّز التنفيذ. وكانت الحرب قد انتهت.
وفي الأسبوع التالي عاد «أصحاب القبعات الزرقاء» من جنود الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة. استمر ذلك الوضع الجديد حتى حرب أكتوبر 1973.
عرض ومناقشة د. محمد مخلوف

