في الوقت الراهن الذي لا تزال تفصلنا فيه عن الانتخابات الرئاسية الأميركية أكثر من عامين، فإن معظم الذين يفكرون في خوض السباق إلى البيت الأبيض يخفون طموحاتهم تحت قناع العبارات اللطيفة والتعتيم المتعمد.

لكن، في هذا الأمر، كما في أمور كثير غيره، يبرز السيناتور جون ماكين كسياسي من نوع خارج عن المألوف. ويبدو أن عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية أريزونا يستمتع بالحديث عن إمكانية ترشحه لانتخابات 2008، بل أنه لا يتردد في مناقشة شعور عائلته حيال القرار المرتقب بهذا الشأن.

ويقول ماكين الذي خسر بطاقة الترشيح الجمهورية في عام 2000 أمام جورج دبليو بوش بعد تحدّ قوي، أن أولاده، الذين لايزال اثنان منهم في سن المراهقة، سوف يدعمونه، لكنه يضيف مبتسماً أن ذلك «ربما يضع قيوداً على نمط حياتهم». وفي المقابل، فإن زوجته سيندي «ستحتاج على الأغلب إلى مزيد من جهود الإقناع».

وفي مقابلة حصرية مع«فايننشال تايمز» يعطي ماكين الانطباع عن رجل يزن الأمور في عقله ليرى ما إذا كانت فرصه بالفوز تستحق الجهد الهائل المطلوب، خاصة وأنه، في سن ال69، سيكون أكبر مرشح يصل إلى البيت الأبيض في تاريخ أميركا. ويتساءل ماكين متأملاً: «السؤال الأهم هنا هو هل تتناسب مواهبي وخبراتي وقدراتي مع أولويات الشعب الأميركي، وهذا ما سيحدد ما إذا كانت لدي فرصة جيدة إلى حد ما لكسب ترشيح حزبي وكسب الانتخابات العامة؟»

وفي مشهد سياسي تسيطر عليه المعارك الحزبية الشرسة، يبدو ماكين هنا أيضاً استثناء من القاعدة، فهو رجل يحظى بثقة على نطاق واسع جداً بحيث إن استطلاع حديث للرأي وجد أن من شأن معظم الديمقراطيين أن يصوتوا لأي مرشح يحصل على مباركة ماكين في انتخابات الكونغرس الخريف المقبل.

وماكين الذي عانى من التعذيب على أيدي الفيتناميين خلال أكثر من خمس سنوات أمضاها في الأسر، تعززت سلطته الأخلاقية أكثر بمواقفه القوية إزاء قضايا مهمة مثل إصلاح تمويل الحملات الانتخابية والحملة لسن قانون يحظر التعذيب، وهي المواقف التي جلبت له دعماَ من خارج صفوف حزبه.

ورداً على سؤال حول سر شعبيته، قال ماكين: «أعتقد أن سمعتي ناتجة عن استقلاليتي وكلامي الصريح». ولا يخجل حتى من الإقرار بأن له شخصية كاريزمية قائلاً «لدي شيء من جاذبية النجوم، لأن الناس تراني في الكثير من البرامج الحوارية التلفزيونية».

لكن في الآونة الأخيرة، فإن الرجل، الذي يعتبره الكثير من الديمقراطيين الوجه المقبول للحزب الجمهوري، بدأ على ما يبدو في التودد لقاعدته الحزبية، متحدثاً بحرارة عن الرئيس بوش ومحاولاً التقرب من اليمين المسيحي، الذي سيحتاج دعمه إذا ما أراد أن يظفر ببطاقة ترشيح حزبه في موسم الانتخابات الأولية الذي سيشهد معارك شرسة كما هو واضح من المؤشرات الأولية.

ولقد وجهت إليه انتقادات شديدة لإلقائه محاضرة في جامعة «ليبرتي»، المحافظة والتي يديرها القس جيري فالويل، الذي وصفه ماكين نفسه، في حملة 2002، بأنه «ممثل للتعصب». لكنه يدفع الاتهامات بأنه يتودد لليمين المسيحي، بالإشارة إلى أنه ألقى أيضاً محاضرة في جامعة «نيو سكول» الليبرالية.

ويقول ماكين إن مواقفه حيال قضايا مثل التعذيب، التغير المناخي ومعارضته للتعديل الدستوري الذي من شأنه أن يلغي حقوق الولايات حول بعض القضايا الاجتماعية الحساسة لم تتغير. ويضيف: « لكني أيضاً أفهم أنك عندما تكون «المرشح الأول» في عيون أنصارك، فسوف يتم تحليل كل عبارة تتفوه بها، وسيتم انتقادك دائماً في بعض الأوساط. ومع ذلك فإن النظر إليك كمرشح أول أفضل من النظر إليك ك«متسابق خاسر».

وفي مقابل السهولة التي يناقش بها ماكين موضوع ترشحه للرئاسة فإن هيلاري كلينتون تنفر حتى من الإقرار بأنها كـ «مرشحة ديمقراطية متصورة» للرئاسة. والملفت أن ماكين الذي رفض دعوة جون كيري لخوض الانتخابات الرئاسية إلى جانبه كنائب للمرشح الرئاسي قبل عامين أصبح الآن يعتبر المرشح الجمهوري المحتمل صاحب أكبر جاذبية لدى الناخبين الديمقراطيين.

وربما لم تكن مصادفة أنه يبدو متلهفاً لخوض الانتخابات الرئاسية أمام هيلاري، وهي الشخصية التي لا تحظى بقبول كل الديمقراطيين. ويقول ماكين« سيكون أمراً مشوقاً حقاً أن أخوض السباق الرئاسي ضد هيلاري، التي ستكون أول امرأة تترشح للرئاسة. وهي ذكية وحازمة ومنضبطة جداً».

وفي عيون الكثيرين فإن ماكين كان من المحافظين الجدد، قبل فترة طويلة من أن تصبح هذه الفلسفة المهيمنة للنخبة الحاكمة في واشنطن. فلقد كان واحداً من عدد قليل من الجمهوريين الذين أيدوا التدخل العسكري في البوسنة في 1995 وكان يحث على التحرك للإطاحة بصدام حسين، بينما كان بيل كلينتون لا يزال في السلطة.

لكن في المناقشات الساخنة حول قضايا السياسة الخارجية الساخنة الآن- العراق، إيران، كوريا الشمالية- لا يتردد ماكين في الاعتراف بأن مذهب التدخل العسكري له حدوده، حتى وإن كان قد ضاق ذرعاً باستعداد الرئيس بوش لغض الطرف عن أنظمة بغيضة لتحقيق غاياته السياسية.

وفيما يتعلق بالعراق لا يبدو هناك اختلاف كبير بين آراء ماكين وآراء هيلاري كلينتون. فكلاهما أيد الحرب لكن انتقد بشدة الطريقة التي أدارت بها إدارة بوش السلام. ولا يخفي ماكين شدة استيائه من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لكنه يؤكد أنه لن يسمح بإخراج هذه القضية للعلن حرصاً على المصلحة العامة.

وتعليقاً على أجواء التفاؤل التي حاولت الإدارة الأميركية إشاعتها أخيراً بعد مقتل الزرقاوي واكتمال تشكيل الحكومة العراقية، يقول ماكين: «أعتقد أن هناك ما يبرر التفاؤل إلى حد ما، لكني آمل ألا يتحول هذا التفاؤل إلى حماسة غير عقلانية لأن الطريق لا يزال أمامنا في العراق طويلاً جداً وشاقاً جداً». لكن بخلاف معظم منتقدي الحرب في الكونغرس، فهولا يؤيد خيار سحب بعض الجنود الأميركيين المنتشرين هناك ويقول إنه «واثق من أن الرئيس بوش لن يقدم على فعل ذلك ما لم تتحسن الأمور على الأرض بشكل ملموس يبرر خفض القوات»، وهو أمر لا يتوقع ماكين حدوثه قريباً.

ويقول ماكين:« اليوم الذي أسمع فيه عن عملية عسكرية كبيرة ناجحة في بغداد، أو المثلث السني، لم يحتج فيها العراقيون من الأميركيين سوى الدعم الجوي، أو عندما أستطيع أن أهبط في مطار بغداد وانتقل بالسيارة إلى الحزام الأخضر.. عندها يمكن القول إننا أحرزنا تقدماً في العراق».

ربما حرصاً منه على النأي بنفسه عن الانطباع بأنه يجسد التزام المحافظين الجدد بتغير الأنظمة بالقوة، يؤكد ماكين أنه رغم تحامله على العديد من الأنظمة القمعية في العالم، لا يفكر في خيار العمل العسكري للإطاحة بالحكومات.

ويقول ماكين: «أعتقد أن دعمنا للديمقراطية لا ينبغي أن يتقيد لا بالجغرافية ولا بالاعتبارات الإثنية». لكن هل سيكون ماكين في موقع يمكنه من تنفيذ فلسفته ؟ هذا قد يعتمد على ما إذا كان جمهور الناخبين، الذين يقلقهم ارتفاع أعداد القتلى الأميركيين في العراق، مستعدين لمنح أصواتهم لرجل مؤمن حتى أكثر من جورج بوش بنشر النسخة الأميركية للديمقراطية في العالم.

ترجمة: علي محمد

عن« فاينانشال تايمز»