مرت أكثر من ستة أشهر منذ أحداث الشغب العنيفة التي شهدتها ضواحي باريس خلال الخريف الماضي، واليوم تنغمس فرنسا نفسها في مناظرات برلمانية حول قضية دمج المهاجرين. وبشتراك اليمين، الذي يؤيد «هجرة مختارة»، واليسار، الذي يتوقع «هجرة يمكن الاستفادة منها وقت الحاجة»- يشتركان في إيمان راسخ بالنزعة الفرنسية الجمهورية، وهي عقد اجتماعي يدين بالكثير لفكرة جان جاك روسو القائلة بوجود إرادة عامة لا تقاوم تتغلب على الصالح الخاص.
النزعة الجمهورية، وهي النظير الأيديولوجي الفرنسي لفكرة الحلم الأميركي، تقوم على فكرة أن المواطن الشامل، المجرّد عن ظروفه الاجتماعية والاقتصادية( سواء كانت سكنية أو دينية أو عرقية)، وترد الدولة بالتقليل من أهمية مثل هذه الكيانات في العملية السياسية. وبذلك ترفض الدولة ما تنظر إليه على أنه البلقنة السياسية وسياسات الهوية باعتبارها لا تنسجم مع تحقيق المصلحة العامة.
والخلل الرئيسي في هذا النموذج شبه المقدس لمفهوم الجمهورية هو أنه يمنع استخدام قوانين مكافحة التمييز.وحتى عندما تظهر الدراسات مراراً وتكرارا انتشار التمييز على نطاق واسع في فرنسا، فلا يجد سوى القلائل ما يحفزهم على المطالبة بإنصافهم بقوة القانون.
ويظهر التقرير الأول لسلطة مكافحة التمييز الجديدة بأن عدد الشكاوى في 2005 لم يتجاوز 1800 شكوى، وأن 600 شكوى منها فقط تمت متابعتها بإجراءات فعلية من قبل السلطة.
وحالة الإحباط والاستياء التي تعبر عنها الأقليات في فرنسا إنما تنشأ إلى حد كبير عن التناقض بين وهم المساواة وواقع التمييز. لكن ليس هناك من شيء محتوم في هذا الوضع المؤسف.
وعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، حدثت تطورات فتحت آفاقاً جديدة. ففي نوفمبر الماضي تم تأسيس أول اتحاد لـ «سود فرنسا» لتجميع السود الذين هم مواطنون فرنسيون بالولادة، لأنهم مولودون في مقاطعات فرنسية في الخارج مثل جزر مارتينيك وغواديلوب؛ والشباب السود من الجيل الثاني، وهم على الأغلب من إفريقيا جنوب الصحراء ويصبحون مواطنين فرنسيين عندما يبلغون سن الثامنة عشرة، وسود آخرون من خلفيات متنوعة.
وحدث أيضاً تطور إيجابي آخر في مارس الماضي تمثل في تعيين أول مقدم برامج إخبارية أسود في وقت الذروة على المحطة التلفزيونية الأكثر جماهيرية في فرنسا. وقبل بضعة أسابيع فقط حمل غلاف مجلة فرنسية مرموقة عنوانا عريضا يقول «نحن، سود فرنسا» ويظهر صورة مديرة فرنسية سوداء تدعى كايزا نوبريه.
وليس مفاجئاً أن فرنسا الملونة هذه ( تتراوح تقديرات عدد الفرنسيين السود بين 5,2 و4 ملايين) تصبح مرئية خارج نطاق الدولة الجمهورية. ولقد شهد يوم العاشر من مايو الماضي، وهو يوم الاحتفال بالقضاء على العبودية، توترات بين المظاهر الرسمية المتزمتة للجمهورية ورغبة جمعيات السود بمظاهر احتفالية أكثر حيوية.
ومع ذلك فإن هذه الأحداث في مجملها وولادة مجموعة مثل «سود فرنسا» تعتبر بمثابة زلزال صغير في المشهد السياسي الفرنسي.
والمؤسف أنه منذ أن بدأت تهب ريح التغيير الإيجابية هذه، التزم العالم الأكاديمي الصمت عل نحو مبهم. وباستثناء بعض الأصوات الشجاعة، فإن السمة التي لا تزال طاغية على الكثيرين في طبقة المثقفين والمفكرين الفرنسيين هي التزامهم الإجمالي بأيديولوجية النزعة الجمهورية و استيعابها المثالي.
وما لم يتصالح المفكرون الفرنسيون مع نزعتهم الإمبريالية الثقافية، فلن يساهموا في التصدي لتحديات دمج الأقليات بشكل أفضل في الدولة الفرنسية.
إن البزوغ البطيء لواقع فرنسا الملونة لا يعني التخلي عن مبادئ المواطنة الفرنسية وانه يجب تأسيس نظام الحصص الإثنية في كل مكان من شاشات التلفزة إلى الخدمات العامة. بل يعني أن التمثيل أمر مهم وأن فرنسا لن تستطيع الازدهار إذا استمرت في خديعة مهاجريها بالمساواة بينما هي تقدم لهم التمييز.
ترجمة: علي محمد
عن: «إنترناشيونال هيرالد تريبيون»

