ينتقل بنا المؤلف بيير رازو من دور الطيران الإسرائيلي في حرب يونيو 1967 إلى المعارك التي دارت على الأرض في مسرح العمليات في شبه جزيرة سيناء، حيث يطلعنا على وقائع معارك الدبابات في مناطق المضائق والممرات وخاصة ممري متلا والختمية اللذين شهدا معارك ضارية بالدبابات، وهو يثير دهشتنا بالمطالبة ـ ربما لأول مرة خلال عقود ـ بإعادة تقويم الصورة المرتسمة في أذهاننا عن دور المشير عبد الحكيم عامر وإنصاف الرجل.
كان الجنرال أرييل شارون ينتظر الأوامر للشروع بالهجوم البري على سيناء بعد العمليات الجوية الإسرائيلية المكثفة. وكان قد أجرى اتصالاته مع الجنرالين إسرائيل طال وأبراهام يوفي، قائدي الفرقتين الأخريين على الجبهة الجنوبية بالإضافة إلى فرقته.
على الجانب الآخر، في ليلة 4 يونيو 1967 كان القادة العسكريون المصريون يمضون ليلة عادية مثل الليالي الأخرى ولم يكونوا يتصورون أبدا أن صباح اليوم التالي يخبئ لهم القنابل والدمار. الاستثناء الوحيد الذي يشير له المؤلف هو الفريق سعد الدين الشاذلي الذي كان في عمق الصحراء ولا يستطيع النوم ويجتاحه الإحساس أن اليوم التالي لن يكون يوم راحة.
عند فجر يوم 5 يونيو أعطى الجنرالات الإسرائيليون الأوامر بإزالة الشبكات التمويهية عن المدرعات والمدافع. وعند الساعة التاسعة، بعد الضربة الجوية الأولى للمطارات المصرية، أُعطيت الأوامر للجنرالات الإسرائيلية وقادة الفرق للتحرك نحو الغرب، فانطلقت 600 دبابة وألف عربة مصفحة مشكلة غيمة من الغبار.
في قطاع غزة
كان الهدف الأول للجنرال إسرائيل تال هو الهجوم على القوات المصرية المنتشرة حول رفح، عند نقطة التقاء قطاع غزة مع الحد المتوسطي لصحراء سيناء؛ وذلك في أفق التقدم باتجاه العريش. وعندما نجح في الخطوة الأولى عزلت فرقته المدرعة الوحدات المصرية المبعثرة في قطاع غزّة وهذا سهّل في الوقت نفسه تقدم الفرقتين اللتين كان يقودهما شارون ويوفي.
كانت تدافع عن قطاع رفح عناصر من الفرقة المصرية السابعة للمشاة تساندهم مئة دبابة وكتيبتان من سلاح المدفعية الثقيلة. وكان يمكن لهذه القوات أن تثير وابلا حقيقيا من النيران ضد أي معتد. وكانت مداخل رفح باتجاه الحدود الإسرائيلية مزروعة بحقول كبيرة من الألغام. لذلك شنّ الإسرائيليون هجومهم من الشمال ومن الجنوب وليس من المواقع المواجهة.
وكانت بلدة خان يونس، شمال رفح، هي التي سقطت أولا. وبعد حصار رفح في نهاية الفترة الصباحية وجدت القوات الإسرائيلية مقاومة كبيرة في البداية وألحقت الكتيبة 121 المصرية من المشاة خسائر كبيرة بالدبابات الإسرائيلية. وكانت المعارك شديدة العنف وصلت إلى حرب الشوارع بالسلاح الأبيض. وكان الثمن غاليا على صعيد الخسائر البشرية إذ خسر المصريون حوالي 2000 جندي بين قتيل وجريح وأسير وبلغت خسائر الإسرائيليين 250 جنديا بين قتيل وجريح.
وبعد سيطرة القوات الإسرائيلية المهاجمة على رفح، اتجهت غالبية الوحدات نحو العريش العاصمة الحقيقية لسيناء ومقر القيادة العامة المتقدمة للجيش المصري. سقطت العريش بسهولة نسبيا. ويبدو أن الكتيبة الثامنة والعشرين التابعة للحرس الوطني المصري وبعض وحدات الدعم الموجودة آنذاك في المدينة لم تر أنه من المجدي كثيرا المقاومة بسبب الخلل الكبير في موازين القوى.
ومهما يكن من أمر أصبح الطريق مفتوحا أمام الإسرائيليين للولوج غربا في صحراء سيناء، كما أن قطاع غزة كان قد أصبح معزولا تماما. وأصبح أحد الأهداف هو السيطرة على الطريق والشاطئ وصولا إلى قناة السويس. هكذا فتحت الفرقة الإسرائيلية التي كان يقودها الجنرال تال ثغرة كبيرة خلال الساعات الستة وثلاثين الأولى من بداية حرب يونيو 1967.
بالمقابل لم يكن تقدم القوات الإسرائيلية سهلا مع ذلك في قطاع غزة. وكانت قيادة العمليات الإسرائيلية قد أوكلت مهمة السيطرة على القطاع للكتيبة الثانية عشرة المحمولة آليا والتي كانت مؤلفة من سرية مدرعة وسريتين من المشاة وسرية من المظليين. وكان قطاع غزة هو بمثابة عرين حقيقي للفدائيين الفلسطينيين كما أن أرضه كانت مزودة بشبكة كثيفة من الخنادق المحصنة إلى هذه الدرجة أو تلك كما كان يحتوي على عدة حقول من الألغام. وكانت الفرقة 20 الفلسطينية من المشاة متمركزة فيه بقوة.
منذ بداية العمليات العسكرية بدأت الكتيبة الإسرائيلية هجومها على ثلاثة محاور في قطاع غزة. ففي الجنوب تقدمت سرية مدرّعة معززة بسرية مظليين باتجاه خان يونس وعندما وصلت إلى مشارفها انعطفت نحو الشمال. ولم تستطع وحدات الكتيبة 107 الفلسطينية ذات التسليح المتواضع كبح تقدمها. وفي الوسط حاولت إحدى سرايا المشاة السيطرة على مفترق طرق دير البلح أما في الشمال فقد اصطدمت سرية مشاة أخرى بمقاومة شديدة عند القبة والمنطار.
واستطاعت الدبابات الفلسطينية العتيقة أن تُخرج من المعركة عدة دبابات إسرائيلية حديثة من طراز آ.ام.اكس-13. لقد فاجأ المقاتلون من الفدائيين الإسرائيليين. لكن القصف المدفعي والقصف الجوي الإسرائيلي المستمر ضغط عليهم كثيرا فلجأوا عند حلول الظلام إلى المناطق المحيطة بمدينة غزة.
ثم قامت عدة وحدات إسرائيلية متنوعة بهجوم عام على هذه المدينة حيث كانت ترابط الكتيبة 19 من الحرس الوطني المصري: كان ذلك الهجوم مدعوما أيضا بقصف مدفعي وقصف جوي لكن هذا لم يمنع من الالتحام في حرب الشوارع بالسلاح الأبيض. وقصفت المدفعية الإسرائيلية ـ عن طريق الخطأ كما قال الإسرائيليون ـ مقر قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة مما أدى إلى مقتل 15 جندياً هنديا وإصابة 25 آخرين بجروح خطيرة. لقد استطاعت القوات الإسرائيلية السيطرة على النقاط الحساسة في المدينة بعد أن كانت قد تكبّدت خسائر كبيرة. وانتهى الأمر بالقوات المصرية والفلسطينية المحاصرة والمعزولة بالاستسلام.
لكن ذلك لم يؤدِ إلى نهاية المعارك في قطاع غزة إذ أن قوات مصرية وفلسطينية استطاعت أن تستعيد السيطرة على خان يونس وتتمترس فيها. ولم تنجح قوات المظلات الإسرائيلية التي حاولت طيلة الليلة في زحزحتهم من مواقعهم. ولم يتحقق ذلك سوى في اليوم الثاني بعد عمليات قصف مدفعي كثيف.
أبو عجيلة
كان أرييل شارون يحظى بثقة موشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي، إذ كان قد نفّذ لحسابه منذ مطلع سنوات الخمسينات الضربات الأكثر التواء. هكذا تقارب الرجلان وألحّ دايان بالتالي على أن يتولى الجنرال المندفع الذي كان آنذاك في التاسعة والثلاثين من العمر، والذي أطلقوا عليه تسمية «إريك الرهيب»، المهمة الأكثر صعوبة أي الاستيلاء على موقع أبو عجيلة الذي يسيطر على المدخل إلى وسط سيناء.
وفي عام 1956، أثناء الحملة الثلاثية الفرنسية ـ الإنجليزية ـ الإسرائيلية على السويس، لم يستطع الجيش الإسرائيلي ولوج هذا المدخل واضطر للالتفاف عليه مما أضعف كثيرا من موقعه. ومنذ ذلك الحين انكبّ الإستراتيجيون العسكريون الإسرائيليون على دراسة كيفية الاستيلاء على هذا «القفل الإستراتيجي». وكان شارون نفسه قد تابع تلك الدراسة على مدى عدة سنوات بحيث أنه كان يعرف أدق تفاصيل تلك «المعضلة»، والتي زادت تعقيدا بعد التعزيزات الكبيرة التي لم يتوقف المصريون عن تقديمها للموقع.
كان موقع أبو عجيلة مثل ميدان تدريب محصّن واسع تحيط به عدة صفوف من الأسلاك الشائكة والمحاطة بدورها بحقول من الألغام وتجتازه ثلاثة خنادق طويلة متوازية من الشمال إلى الجنوب كانت تشكل ثلاثة خطوط دفاعية متتالية. كانت هذه الإجراءات كلها تعني أن الإستراتيجيين المصريين لم يكونوا يتوقعون حدوث أي هجوم سوى من جهة الشرق، بل وتحديدا من الجهة الجنوبية ـ الشرقية، أي الجهة الإسرائيلية، وبالتالي جرى تعزيز الدفاعات لمواجهة مثل هذا الاحتمال. وكانت الفرقة المصرية الثانية من المشاة منتشرة في ذلك القطاع.
كانت خطة أرييل شارون هي الهجوم من جهة الشمال الغربي أي من غير الاتجاهات التي توقعها المصريون. وكان ذلك يتطلب عبور الدبابات والعربات المصفحة عبر التلال الرملية شمال الموقع ثم شن هجوم ليلي عليه من الشمال ومن الغرب. وهكذا يمكن مفاجأة القوات المصرية المرابطة فيه من الخلف.
هكذا عند الساعة العاشرة من ليلة 5-6 يونيو قامت المدفعية الإسرائيلية بضرب المواقع المصرية مستهدفة بشكل أساسي وحدات المشاة المنتشرة داخل الخنادق. وفي الوقت نفسه جرى إنزال مظليين خلف الخطوط المصرية في موقع غير بعيد عن مكان وجود مدفعية الفرقة الثانية المصرية. وعند الساعة العاشرة والنصف كثّفت المدفعية الإسرائيلية من قصفها لإرغام الجنود المصريين على الخروج من خنادقهم. وعند الساعة الحادية عشرة توقف القصف تماما وشرع جنود المشاة الإسرائيليون بالهجوم. وقد لعب عنصر المفاجأة لصالحهم.
قامت الدبابات والمدرعات المصرية التابعة للفرقة الثانية بهجوم مضاد، تمّ الإعداد له بسرعة. واشتبكت دبابات السنتوريون وآ.ام.اكس-13 الإسرائيلية مع دبابات ت-34 وت-54 السوفييتية، ووصلت المسافة بينها بعض المرّات إلى أقل من عشرة أمتار. استمرت المعركة حتى الثالثة صباحا وانتهت بتفوق الإسرائيليين وتدمير 45 دبابة مصرية مقابل 19 دبابة إسرائيلية. وبعد الاستيلاء على أبو عجيلة انطلقت فرقة مدرّعة إسرائيلية نحو الجنوب الشرقي باتجاه بلدة «نخل» من أجل محاولة قطع طريق التراجع أمام قوات الفريق المصري سعد الدين الشاذلي.
كان الإسرائيليون قد أطلقوا أيضا هجوما بريا كبيرا في القطاع الأوسط من سيناء قامت به الفرقة المدرّعة 21 بقيادة الجنرال أبراهام يوفي وذلك بالتزامن مع الهجوم الجوي الذي كانوا قد شرعوا فيه في صبيحة الخامس من يونيو 1967. وكان ذلك القطاع قد شهد ليلة 5-6 يونيو معركة حامية بين الدبابات الإسرائيلية المهاجمة والدبابات المصرية. استمرت تلك المعركة طيلة الليل، وكانت لا تزال دائرة عند الفجر حيث كانت القوات المصرية لا تزال متشبثة بمواقعها وتقاتل بضراوة، رغم أنها خسرت 28 دبابة تو-55 مقابل تدمير 18 دبابة «سنتوريون» إسرائيلية.
لكن الموازين انقلبت لصالح الإسرائيليين في منتصف نهار 6 يونيو بعد عمليات القصف الجوي الكثيفة التي قامت بها الطائرات الإسرائيلية لطوابير الآليات المصرية وبعد التغريرات الكبيرة التي أرسلها الإسرائيليون لموقع المعركة.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن شهرة الفريق سعد الدين الشاذلي كانت قد سبقته لدى الإسرائيليين الذين كانوا يرون به خصما قادرا على أن يلحق بهم ضربات قاسية. وكان الإسرائيليون يخشون أن تقوم دباباته بهجوم مضاد كبير، أكبر من الهجمات المضادة المحدودة المتفرقة التي قامت بها الوحدات العسكرية المصرية وكانت فاعلة في إعاقة تقدم الهجوم الإسرائيلي لكنها لم تستطع كبحه. وبعد اليومين الأولين للحرب، ورغم الخسائر المصرية، يشير المؤلف إلى أن الكيان الأساسي للقوات المصرية المرابطة في سيناء لم يكن قد جرى المساس به كثيرا، إذ كانت لا تزال هناك أربع فرق تمتلك حوالي ستمئة دبابة.
قرار الانسحاب
بعد الضربة الجوية الإسرائيلية الأولى القاسية قام المشير عبد الحكيم عامر بإبلاغ الرئيس جمال عبد الناصر بمدى ضخامة الهجوم الإسرائيلي والخسائر الكبيرة التي أوقعها ولكنه لم يبلغه، حسب قول المؤلف، أن ثلاثة أرباع الطائرات المصرية المقاتلة قد دمّرت وهي على مدارج المطارات. ثم أخذت التقارير تتوالى إلى مكتب المشير عامر عن سقوط غزة ورفح وأبو عجيلة بيد الإسرائيليين.
وبدا الوضع بالنسبة له شبيها بما جرى أثناء حرب السويس1956 وبالتالي قد يتكرر. لكن الأميركيين هم الذين قد يتدخلوا هذه المرّة وليس الإنجليز والفرنسيين مثلما حدث في المرة السابقة ثم إن الأسطول السادس الأميركي كان على مقربة في البحر الأبيض المتوسط. والإنجليز لم يكن يزعجهم سقوط نظام عبد الناصر، كما كان المشير عامر على اقتناع بأن السوفييت لن يدخلوا في مواجهة عسكرية قد تؤدي إلى نشوب حرب عالمية ثالثة وإلى استخدام السلاح النووي «من أجل عيون جمال عبد الناصر». وكانت موازين القوى الإستراتيجية تميل كثيرا لصالح الولايات المتحدة.
على الصعيد العسكري، كان لا بد من اتخاذ قرار حاسم فيما ينبغي عمله. فمن جهة كان المشير عبد الحكيم عامر يعرف أن الوضع لم يكن ميئوسا منه تماما في سيناء، وإنه لا تزال هناك إمكانية موضوعية لتنظيم هجوم مضاد. ومن جهة أخرى كان يمكن لخيار متابعة الحرب أن يكون كارثيا على مستوى الخسائر البشرية، لاسيما في ظل غياب الغطاء الجوي مما يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إمكانية تقدّم التشكيلات المدرّعة المصرية لتحقيق هدف إستراتيجي، مثل تدمير مفاعل ديمونة الإسرائيلي في صحراء النقب. وفي مثل هذه الحالة لماذا المخاطرة بمصير الجيش المصري كله؟
ضمن هذا السياق وفي نهاية أصيل السادس من يونيو 1967 أصدر المشير عبد الحكيم عامر، من دون استشارة الرئيس جمال عبد الناصر كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، قرار الانسحاب العام للقوات المصرية من سيناء باتجاه قناة السويس دون تحديد أشكال ذلك الانسحاب وآلياته. وبعد أن تأكد المشير من نقل أمره إلى الوحدات المصرية المنتشرة في سيناء وإلى الفريق عبد المنعم رياض، المسؤول آنذاك في الأردن عن القيادة العسكرية العربية الموحّدة، انزوى داخل جدار من الصمت المطبق رافضا الحديث مع مساعديه الذين أدهشهم وصعقهم ذلك القرار الذي اتخذه، في ضوء اتسامه بالطابع السياسي أكثر من الطابع العسكري.
هناك رواية أخرى للحدث ولسياق اتخاذ المشير عامر لقرار الانسحاب، وهي أنه كان مصابا بحالة من الإحباط النفسي ويتعاطى الكحول بل وبعض المخدرات الخفيفة عندما علم بالهزيمة الساحقة التي لحقت بالقوات المسلحة المصرية. هكذا أمر وهو في تلك الحالة من الإحباط النفسي ومن دون إخطار الرئيس عبد الناصر بالانسحاب العام من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه مع ما كان ينضوي عليه ذلك من عدم الكفاءة على الصعيد العسكري.
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن مثل هذه الأطروحة قد وجدت ترويجا كبيرا لها في كتب التاريخ الإسرائيلية والأميركية والفرنسية والروسية وحتى بعض الكتب المصرية. لكنه يرى أنه ينبغي اليوم وبعد مرور حوالي أربعين سنة على الأحداث، حيث توفي أغلبية أصحاب القرار آنذاك، إعادة النظر بما قرره المشير عامر و«إنصافه».
يؤكد المؤلف أن المشير عبد الحكيم عامر لم يكن إستراتيجيا لامعا في فنون الحرب. لكنه كان يتمتع بقدر من البصيرة السياسية الواقعية ولم يكن بأي حال من الأحوال ذلك السكّير الذي تنقصه الكفاءة والمنهار نفسيا كما أراد للبعض أن يصفوه. وهنا يقارن مؤلف هذا الكتاب بين قرار الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بسحب قواته من الكويت عام 1991 وقرار المشير عبد الحكيم عامر الانسحاب العام للقوات المصرية من سيناء عام 1967. كي يصل إلى النتيجة التالية: «يبدو أن الأسباب التي قدمها صدام حسين هي شبيهة إلى درجة كافية مع تلك التي كان ذكرها المشير عبد الحكيم عامر آنذاك- يونيو 1967».
ملامح الهجوم الإسرائيلي
في ليلة 6-7 يونيو 1967، وأمام التطور الذي عرفه الوضع، غيّر الإسرائيليون من إستراتيجيتهم. ذلك أن الصور الجوية أظهرت أن الجيش المصري هو بصدد التراجع نحو الغرب باتجاه قناة السويس. ولن يقوم بهجوم مضاد وإنما بالأحرى يريد الوصول إلى مواقع دفاعية جديدة وبالتالي ستكون المعارك التي يقوم بها ترمي للإعاقة ولكسب الوقت.
رأى القادة العسكريون الإسرائيليون في ذلك فرصة لحصر الجيش المصري بين فكّي كمّاشة وذلك عبر الوصول قبله إلى مضائق الجدي ومتلا وإلى ممر الختمية. وضمن الخطّة نفسها أُلقيت على الفرقة الإسرائيلية التي كان يقودها الجنرال آرييل شارون السيطرة على الطريق التي تؤدي إلى منطقة نخل من أجل قطع طريق تراجع تجمع الدبابات التي كانت تحت قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي. كانت تلك الخطة ترمي إذن إلى محاصرة الفرق المصرية في منطقة لا تستطيع الخروج منها.
وفي صبيحة 7 يونيو 1967 انطلقت الفرق الإسرائيلية الثلاث بتنفيذ تلك الخطة. وفي نهاية بعد ظهر ذلك اليوم حاصرت كتيبتان إسرائيليتان موقعاً اعتقدتا أنهما بوصولهما إليه قد عزلتا الفرقة المصرية الرابعة المدرّعة التي كانت تتمركز فيه. لكن الأمر لم يكن كذلك في الواقع إذ أن تلك الفرقة كانت قد استكملت تراجعها وتركت في عين المكان إحدى كتائبها المدرّعة لتغطية ذلك الانسحاب بينما كانت قواتها الأخرى تجتاز آنذاك قناة السويس لتتجمع بالقرب من الإسماعيلية.
وفي مساء ذلك اليوم تمركزت القوات الإسرائيلية بالقرب من ممر «الختمية». ووصلت أيضا إلى مشارف مضيقي الجدي ومتلا. بينما كانت القوات التي يقودها آرييل شارون لا تزال على بعد 50 كيلومترا من منطقة «نخل».
وفي ذلك اليوم نفسه، أي 7 يونيو، استولى الإسرائيليون على شرم الشيخ التي كان المصريون يسيطرون انطلاقا منها على مضيق تيران. وفي الواقع كان عناصر الثكنة المصرية المهددة بالحصار قد غادروا موقعهم في الليلة السابقة لاسيما أمام خشية نقص إمداداتهم بمياه الشرب التي كان يتم تزويدهم بها بواسطة صهاريج من أماكن بعيدة نسبيا في الشمال.
وكان مضيق متلا من أصعب المواقع أمام القوات الإسرائيلية إذ شهد مذبحة حقيقية. وكان بعد ظهر 7 يونيو قد شهد لقاء بين عدد من الضباط المصريين الكبار هم مصطفى جمال وبهاء الدين رافع ورفعت الحسيني مع المشير عبد الحكيم عامر بقصد إقناعه بالعودة عن قراره بالانسحاب العام.
وكان يساند أولئك الضباط في مسعاهم اللواءان أحمد إسماعيل علي وعبد الغني الجمسي، رئيس الأركان والعمليات. برهن الضباط الثلاثة للمشير عامر أن الوضع على الأرض قابل للانقلاب إلى صالحهم. فخطوط مواصلات العدو قد اتسعت وتعقدت كثيرا وبدأ الإسرائيليون يعانون واقعيا من صعوبات في التزود بالطاقة وغيرها. ثم إن الجبهة كانت قد تشعّبت كثيرا بحيث يمكن بشكل معقول مركزة أعداد كافية من القوات للقيام بهجوم مضاد يستهدف العناصر الإسرائيليين الأكثر تقدما، أي قلب التكتيك الإسرائيلي لصالح المصريين.
بدا أن المشير عامر قد اقتنع وأصدر أوامره لكتيبة دبابات الفرقة الرابعة المدرّعة العودة باتجاه ممر الختمية. بل ووافق على وقف انسحاب القوات المصرية. لكن الوقت كان قد تأخر كثيرا. بل كانت هناك صعوبات كبيرة في نقل الأوامر للقوات التي كانت قد اتجهت صوب قناة السويس وكانت نسبة هامة منها قد أصبحت على مشارفها. هكذا لم يكن ممكنا وقف حركة الانسحاب العام. وتدفقت القوات المصرية بأعداد كبيرة نحو ممر متلا الذي كان يمثل الطريق الأكثر مباشرة لبلوغ الضفة الغربية للقنال.
كان الوضع بصدد أن يصبح أكثر فأكثر تشوشا في ممر متلا الضيّق والذي اكتظ بطوابير العربات المصرية التي غدا تقدمها بطيئا جدا. وفي تلك اللحظة بالتحديد وصلت قوة إسرائيلية من 9 دبابات سنتوريون وكانت وراءها أربع أخرى نفد وقودها. وحوالي الساعة السادسة مساء أخذت تلك القوة مواقع تشرف على المدخل الشرقي لمضيق المتلا ثم بدأت بإطلاق نيرانها على طوابير العربات المصرية، وفي اللحظة نفسها أيضا ظهر الطيران الإسرائيلي في الجو ليقصف ذلك التجمع الكبير من الآليات التي شكّلت هدفا سهلا. وخلال نصف ساعة ألقت 36 طائرة إسرائيلية قذائفها على مقدمة الطابور ودمّرت أكثر من مئة دبابة وقتلت عدة مئات من الجنود.
معركة الساعات الأربع
كان لا بد من قيام القوات المصرية برد سريع وهكذا حوصرت قوة الدبابات الإسرائيلية تماما عند الساعة التاسعة ليلا وخفّت وحدات إسرائيلية أخرى لمحاولة فك الحصار عنها. وأمكن في تلك الليلة القضاء على ثلث جنود القوة الإسرائيلية المتمركزة عند المدخل الشرقي لمضيق المتلا وتدمير 9 دبابات من أصل دباباتها ال13. لكن مع الفجر دخل الطيران الإسرائيلي من جديد في المعركة ليقصف من دون توقف الآليات المصرية الموجودة في ذلك القطاع، مما أضطر الألوف من الجنود المصريين لتركها والتبعثر في الصحراء في محاولة للالتحاق بخطوطهم قرب قناة السويس.
وفي تلك الليلة نفسها، 7-8 يونيو، وصلت الكتيبة المصرية التي تلقت الأوامر للعودة للقتال إلى مشارف ممر الختمية وفاجأت كتيبتين إسرائيليتين كانتا تتمركزان هناك. ولم تستطع الدبابة الإسرائيلية صد اندفاع القوة المصرية. وعند الساعة الثانية صباحا كانت القوات الإسرائيلية الموجودة في المكان قد خسرت نصف رجالها واعتدتها وانكفأت هاربة. وفي اللحظة نفسها كانت قوة كبيرة من الدبابات والمدرعات الإسرائيلية تتجه نحو ممر الختمية لقطع الطريق أمام الكتيبة المدرعة المصرية، التي اضطرت للتراجع باتجاه قناة السويس ليسيطر الإسرائيليون من جديد على ذلك الممر الإستراتيجي.
وفي صباح يوم 8 يونيو وصل الجنرال شارون وقواته إلى مشارف منطقة نخل. ولكن في نفس اللحظة كان تجمع الدبابات التي يقودها الفريق الشاذلي بصدد الانسحاب غربا نحو القنال. فحاول شارون قطع الطريق لمنعها من ذلك. دارت معركة بالدبابات لمدة أربع ساعات. وتمكن سعد الدين الشاذلي الذي كان في طليعة الدبابات أن يصل عبر سيناء إلى غرب القناة. وبينما استطاع الإسرائيليون الوصول إلى ضفتها الشرقية.
وعند الساعة 35,3 من 9 يونيو 1967 أصبح وقف إطلاق النار الذي قبلت به الأطراف المتحاربة واقعا على جبهة سيناء، ليعود أصحاب القبعات الزرقاء من جنود الأمم المتحدة لاحتلال مواقع المراقبة على ضفتي القناة بواقع 7 على الجانب المصري و8 على الجانب المحتل من إسرائيل، لتبدأ مرحلة أخرى والإعداد لحرب جديدة.
عرض ومناقشة د. محمد مخلوف



