يلقي المؤلف بيير رازو الضوء هنا على موازين القوى عشية 5 يونيو 1967، حيث يفاجئنا بالعديد من العناصر التي تبدو لنا مثيرة للدهشة، فهو يؤكد أنه خلافاً لما نتوقع فإن موازين القوى العددية لم تكن في صالح العرب، وأن قسماً محدوداً من القوات العربية هو الذي كان جاهزاً لخوض المعارك فضلاً عن النقص الكبير في التجهيزات والأعتدة، من دون أن ننسى وجود خمسين ألف جندي مصري في اليمن.

وهو لا ينسى أن يوضح لنا أن طاقم الفنيين الإسرائيليين لم يكن يحتاج إلا إلى عشر دقائق لتجهيز الطائرة للإقلاع على حين أن الطاقم العربي المناظر كان يحتاج إلى ساعتين لإنجاز المهمة نفسها. دخلت إسرائيل حرب 5 يونيو 1967 وهي على يقين كامل بأنها تحظى بتفوق تقني عسكري واضح. وكانت قد حضّرت لتلك الحرب طويلا وبسرّية كاملة، كي تستفيد من عنصر المفاجأة. وفي معرض توصيف القوى العسكرية وبنية الجيوش يحدد المؤلف أن العقيدة العسكرية السوفييتية فرضت نفسها تدريجيا في مصر وسوريا. كانت مصر تتبنى قبل ذلك العقيدة العسكرية البريطانية حتى أواخر عقد الخمسينات الماضي وتبعت سوريا خطاها، بينما بقي الأردن «مخلصا» للنموذج البريطاني. اعتمد النموذج السوفييتي أساسا على الهجوم المعاكس وعلى إستراتيجية الحشود البشرية الكبيرة والمدفعية القوية والجيش المحمول آليا. وتأسست الخطة القتالية على مبدأ السيف والدرع، وذلك بمعنى أن يقوم «الدرع» في المرحلة الأولى من القتال بواسطة مدفعية جيدة التحصين في مواجهة العدو المهاجم.

وبعد أن يتم التوصل إلى جعل حركة الدبابات العدوّة بطيئة أو حتى توقيفها تماما، تقوم المدفعية عندها بقذف وابل من النيران خلفها من أجل منع وصول أية إمدادات لوجستية. وعندما تضعف قوى العدو تبدأ المرحلة الثانية بحيث تقوم الدبابات التي بقيت حتى تلك اللحظة بعيدة عن المعركة بهجوم مضاد قوي. هكذا بعد «الدرع» الواقي ها هو «السيف» يدخل في المعركة.

وبهذا المعنى اعتمدت العقيدة العسكرية السوفييتية على مبدأ التكامل بين مختلف أدوات المعركة الحديثة، أي إعطاء أهمية كبيرة للمدرعات وللمدفعية المتحركة ولوسائل الدفاع الجوي ومضادات الدروع. وبقي دور الطيران ثانويا في تلك الرؤية العسكرية السوفييتية.

رؤيتان للمعركة

يشير مؤلف الكتاب إلى أنه عشية حرب يونيو 1967 كانت مصر وحدها هي التي تمتلك عددا كبيراً من الوحدات المنظّمة إلى هذه الدرجة أو تلك على أساس النموذج السوفييتي. أما القوات البرّية السورية والأردنية فكانت أقل عددا بكثير لكنها كانت تمتلك قدرا كبيراً من المرونة.

على الجانب الإسرائيلي، يقوم الجيش على أساس وجود أعداد كبيرة من الاحتياطيين المدرّبين. وقد تمّ منذ البداية تبنّي إستراتيجية هجومية تعتمد خاصة على مبدأ نقل المعركة إلى الخارج واعتماد مبدأ الهجوم السريع بحثا عن الاستفادة من عنصر المفاجأة؛ مع التأكيد على ضرورة امتلاك التفوق الجوي.

وفي يونيو 1967 تلخّصت الرؤية الإسرائيلية للمعركة، كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب، بأن يقوم سلاح الطيران في المرحلة الأولى بتأمين التفوق الجوّي بكل الوسائل قبل القيام بأي تحرك برّي، وخاصة بواسطة الدبابات التي يعتمد عليها الإسرائيليون كثيرا في عمليات الهجوم.

وعشية بداية الحرب كان قوام الجيش المصري 000 500 جندي، كان نصفهم تقريبا يعملون في إطار الإدارة، بينما كان المقاتلون الميدانيون يبلغون 000 250 رجل تدعمهم 1300 دبابة، و1200 عربة مصفّحة وألف مدفع. ومنذ بداية الأزمة مع إسرائيل أصدر المشير عبد الحكيم عامر الأوامر بتطبيق الخطة الدفاعية «القاهرة» والتي كانت قد أُعدّت في السنة المنصرمة وتقضي باللجوء إلى دفاع متحرك في أعماق سيناء.

هكذا جرى على جناح السرعة إرسال 000 140 جندي تدعمهم 950 دبابة و1000 عربة مصفحة و840 مدفعا ثقيلا. وكان اللواء عبد الغني الجمصي رئيس العمليات قد نشر في سيناء 38 كتيبة منها 20 كتيبة مشاة وعشرة كتائب مدفعية وخمس كتائب مدرعات وكتيبتان آليتان وكتيبة مظليين.

لقد جرى تطبيق تكتيك الدرع والسيف. وكانت الأوامر التي أصدرها القادة المصريون واضحة وبسيطة وهي الاستعداد المستمر للتحرك إذا قام العدو بأي هجوم. وكان الخبراء الإستراتيجيون العسكريون المصريون على ثقة كبيرة أن قواتهم قادرة على صد أي هجوم يقوم به الإسرائيليون.

وكانوا على اقتناع أيضا بأنهم يستطيعون جذب طليعة الجيش الإسرائيلي إلى منطقة يمكن عند وصوله إليها القيام بهجوم مضاد فعال، لاسيما وأن موازين القوى أفضل بالنسبة لهم مما كان الأمر عام 1948 وعام 1956.

فهذه المرّة يمتلكون تفوّقا عدديا يميل كثيرا لصالحهم وبالتالي لم تكن تخطر لهم فكرة إمكانية الهزيمة. كانت هي أيضا الفكرة الثابتة لدى الضباط الصغار في سلاح البر المصري الذين كانت قد جرت ترقيتهم في الأسابيع الأخيرة من شهر مايو وجرى إرسالهم مباشرة للالتحاق بوحداتهم في سيناء. وكانت الخطط تقضي أن يقوم الطيران المصري بضرب الطائرات والمراكز الحساسة للقيادة الإسرائيلية.

وكان الجيش الملكي الأردني الذي قام على ما تبقى من القوات التي أسسها غلوب باشا، تحت قيادة حابس المجالي يساعده الشريف ناصر بن جميل.

كان عدد القوات المسلحة الأردنية 000 55 عسكري تمتلك 288 دبابة و210 عربات مصفّحة و263 مدفعا ثقيلا.

وكانت تلك القوات موزعة بين 9 كتائب مشاة وكتيبتين مدرعتين ولواء مستقل مكلّف بحماية العاصمة الأردنية. وفي مطلع يونيو 1967 كانت توجد ثماني كتائب أردنية في الضفة الغربية بمواجهة الجيش الإسرائيلي، حيث لم تكن تفصل بينهما في بعض الأحيان إلا عدة مئات من الأمتار.

وكانت إحدى المهمّات الأساسية الملقاة على عاتق الجيش الأردني الدفاع عن القدس القديمة بأي ثمن، كانت أفضل الوحدات موجودة فيها. وكان قسم مهم من المدفعية الأردنية قد وُضع في منطقة اللطرون.

احتفظ الملك حسين بثلاث كتائب و28 دبابة على الضفة الشرقية لنهر الأردن. وجرى تعزيز ال000 40 جندي أردني الموجودين في الضفة الغربية بعدد من قوات الكوماندوس المصرية بعد توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين الملك حسين والرئيس المصري عبد الناصر. بالإضافة إلى الكتيبة الثامنة العراقية المحمولة آليا. جرى تكليف الفريق عبد المنعم رياض رسميا بالقيادة العربية العسكرية الموحّدة، أي التنسيق بين مختلف الجيوش.

كان الجيش السوري بجنوده البالغ عددهم 000 80 رجل تحت قيادة الفريق حافظ الأسد الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك. وكان رئيس الأركان هو اللواء أحمد سويداني. كانت القوات البرية تعد 550 دبابة و585 عربة مصفحة و460 مدفعا ثقيلا موزعة بين 15 كتيبة منها 11 كتيبة مشاة، حيث كان أكثر من نصف القوات المسلحة في هضبة الجولان بشكل مستمر.

وكانت سوريا قد أقامت شبكة دفاعية مهمة على أعالي الجولان شملت 265 مدفعا وأكثر من مئة دبابة موجودة في خنادق من بينها عدة عشرات من دبابات «بنزير-4» التي كانت فرنسا قد سلمتها لسوريا في مطلع سنوات الخمسينات.

وكانت فرنسا في تلك الفترة تريد تقوية نفوذها في المنطقة على الرغم من جلائها عنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كانت سوريا آنذاك قريبة من المعسكر الغربي وبالتالي كان تزويدها بالأسلحة يندرج في منطق الكتل الذي كان يترسخ ويقسم العالم إلى معسكرين. لكن وجدت فرنسا نفسها أمام مشكلة أنها من جهة تريد تزويد سوريا بأسلحة تعطي أثرا له مصداقيته.

ولكن بحيث لا تصل إلى حد يعتبره الإسرائيليون انقلابا في التحالفات، ذلك أن الدولة العبرية كانت قد أقامت شراكة إستراتيجية مع الحكومة الاشتراكية الفرنسية.

وكانت أعداد كبيرة من القوات السورية قد تمركزت في مدينة القنيطرة والمناطق القريبة منها. وهذه المدينة معروفة تقليديا بأنها «عاصمة» الجولان. وتشير التقديرات المقدّمة في تحليلات المؤلف إلى أن بنية الجيش السوري كانت ذات طبيعة دفاعية، وأنها كانت تتبنّى النموذج السوفييتي كخطة لمواجهة أي هجوم إسرائيلي محتمل.

أمّا الجيش اللبناني فقد كانت قواته تعد 000 14 جندي ويمتلك 60 دبابة و70 مدفعا. ولم يكن في الواقع قادرا على صد هجوم إسرائيلي كبير.

على الجانب الإسرائيلي

في المعسكر الآخر، الإسرائيلي، كان عدد القوات يصل إلى 000 225 جندي وكان رئيس الأركان هو الجنرال إسحق رابين ونائبه الجنرال حاييم بارليف. وبلغ عدد الدبابات 1000 دبابة و680 مدفعا ثقيلا و1500 عربة مصفحة.

وكان الإسرائيليون قد حشدوا نصف قواتهم البرية على الحدود المصرية بقصد القيام بعمل عسكري كبير ضد الجيش المصري. وكانت تلك القوات موزعة بين ثلاثة فرق من أصل الفرق الإسرائيلية الستة بقيادة كل من الجنرالات إسرائيل طال وأبراهام يوفي وأرييل شارون. وفي الوقت نفسه شكّل الإسرائيليون قوة ضاربة من المظليين ومن القوات البحرية في أفق القيام بهجوم على شرم الشيخ.

ونشر الإسرائيليون أيضا فرقة في شمال منطقة الضفة الغربية فرقة بقيادة الجنرال «ايلاد بيليد»، وكان وجودها في ذلك الموقع من أجل القيام بعمل سريع ضد الأردن أو ضد سوريا. وبنفس الوقت نشروا عدة كتائب على الساحل، وكتيبة من المشاة عند مشارف القدس.

كانت موازين القوى العددية تبدو للوهلة الأولى أنها تميل كثيرا لصالح الجيوش العربية، لكن مؤلف هذا الكتاب يرى أن الأمر لم يكن كذلك في الواقع. ذلك أن قسما فقط من القوات العربية كان جاهزا بالفعل لخوض المعارك. هذا بالإضافة إلى نقص التجهيزات، وعدم الجاهزية الكاملة لقسم من هذه الأعتدة. ثم كان هناك حوالي 000 50 جندي مصري يتواجدون في اليمن.

على العكس كانت جميع الأعتدة في إسرائيل بحالة جاهزية كاملة. لكن كان هناك حوالي 000 100 شخص ليسوا جاهزين للمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية إذ كانوا يشغلون مناصب إدارية في مختلف القطاعات.

وفي المحصلة تشير الأرقام المقدّمة إلى أن عدد القوات البرّية الحقيقية الجاهزة للانخراط في المعارك هو 000 140 بالنسبة لمصر و000 32 بالنسبة لسوريا و000 40 بالنسبة للأردن و3000 من العراق، أي ما يبلغ مجموعه 000 215 مقاتل مقابل 000 125 في إسرائيل.

وكان عدد الكتائب العربية كلها 55 كتيبة مقابل 21 بالنسبة لإسرائيل؛ ومن الدبابات كان مجمل ما تمتلكه الجيوش العربية 1520 دبابة مقابل 1050 في إسرائيل و1230 عربة مصفحة مختلفة على الجانب العربي مقابل 1450 لدى إسرائيل، وبالنسبة للمدافع كان هناك 1410 لدى الجيوش العربية و650 على الجانب الإسرائيلي.

هذا يعني أن الفارق العددي «الفعلي» رغم الفارق السكاني الهائل، لم يكن مثلما كان يقال، هذا فضلا عن أن القيادة العربية لم تكن موحّدة بالفعل على عكس الواقع الإسرائيلي.

ماذا عن الطيران؟

كانت القوات الجوية الإسرائيلية عشية حرب يونيو 1967 تحت إمرة الجنرال مردخاي هود الذي كان قد خلف منذ فترة قصيرة الجنرال عزرا وايزمان. كان سلاح الجو ذاك يضم 000 20 عنصر، بعد دعوة الاحتياط، ويمتلك 237 طائرة مقاتلة من بينها 70 طائرة ميراج-3 و45 طائرة ميستير و39 سوبرميستير و36 اوراجان و25 فوتور و22 فوجا.

والباقي طائرات نقل وتموين. كانت أغلبية الطائرات المقاتلة من صنع فرنسي وكذلك تسليحها، وبلغ عدد الطيارين 300 طيار نصفهم من الاحتياط. وامتلك الإسرائيليون عشية حرب يونيو 1967 ست محطات رادار.

وكانت الجيوش العربية مزوّدة بشكل خاص بطائرات وأعتدة سوفييتية الصنع، وكانت قادرة على التدخل مباشرة في حالة نشوب حرب مع إسرائيل. كان سلاح الجو المصري تحت إمرة اللواء محمد صدقي محمود.

وكان ذلك السلاح يمتلك 420 طائرة من بينها 120 ميج-21 و60 ميج-19 و100 ميج-17 و40 ميج-15 و30 سوخوي-7 و40 اليوشن-28 و30 طائرة تي. يو-16. وكانت بعض الطائرات من طراز تي. يو-16 مزوّدة بصواريخ جو-أرض، بينما كانت بعض الطائرات المعدّلة تستطيع القيام بعمليات الاستطلاع من ارتفاع شاهق.

بالإضافة إلى الطائرات المقاتلة كان سلاح الجو المصري يتصرف ب350 طائرة للدعم من بينها 98 طائرة نقل و42 طائرة عمودية (هليكوبتر). وكانت هذه الطائرات كلها موزعة بين 40 سربا مجموعة في تسع كتائب جوية تنتشر على 20 مطارا حربيا. وكانت كل كتيبة تمتلك ثلاثة أسراب كمعدّل يضم كل منها حوالي 15 طائرة. وبلغ مجموع عدد الطيارين المصريين عشية حرب يونيو 1967 حوالي 700 طيار. وكانت شبكة الكشف عن الطائرات تضم 50 محطة رادار.

وكان سلاح الدفاع الجوي يمتلك 1000 مدفع مضاد للطيران و30 محطة صاروخية أرض-جو مزوّدة ب200 صاروخ من طراز سام-2.

بدا سلاح الجو المصري قويا ومتوازنا، ولكنه كان يعاني من بعض مواطن الضعف، وينقل المؤلف عن العقيد تحسين زكي -نقلا عن كتاب «تاريخ سلاح الجو المصري» لديفيد نيكول الصادر في واشنطن عام 1996- قوله: «قبل حرب يونيو 1967 بقليل، كان طيراننا يقوم بمناورات جوية لاختبار فعالية نظام دفاعاتنا الجوية ضد الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض.

ولم تتوصل محطات الكشف الجوي أبدا إلى رصد الطائرات التي كانت تطير على ارتفاع أقل من 400 متر، ذلك أن الرادارات السوفييتية التي كنّا نستخدمها آنذاك كانت من طراز قديم نسبيا، وعاجزة عن كشف الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض.

وأمام النتائج غير المرضية الحاصلة نظّمت قيادة القوات الجوية اجتماعا في معهد دراسات الدفاع في ألماظة قرب القاهرة. وجرت دعوة عدد من الخبراء السوفييت لحضوره. انتهى ذلك الاجتماع فجأة بعد أن اعتبر أحد أولئك الخبراء أن منظومة الرادار ليست مسؤولة عن ذلك، ولو أنه قبل بفائدة إجراء بعض التعديلات الطفيفة على الرادارات وعلى مواقع صواريخ سام الواقعة شمال منطقة قناة السويس لاختلف الموقف كثيراً».

وينقل المؤلف أيضا اعتمادا على المرجع نفسه ما قاله اللواء قدري الحميد وجاء فيه: «كنا نعرف أننا نمتلك ميزة بالقياس إلى الإسرائيليين ذلك أننا كنا مجهّزين بعدد كبير من طائرات الميج-21 والميج-19 والسوخوي-7 التي كانت متفوقة على ما تمتلكه القوات الجوية الإسرائيلية، باستثناء طائراتهم الممتازة من طراز ميراج.

مع ذلك لم نكن نعرف سوى القليل جدا عن نظرية المعركة الجوية، فالروس زودونا بالعتاد الجيد، لكنهم لم يعلمونا التكتيكات الجيدة. لقد درّبونا على الطيران على مستوى عال والطيران الليلي، أي على عكس ما واجهناه تماما أثناء حرب يونيو 1967».

من جانب آخر دلّت عدة شهادات على أن التقنيين الجويين المصريين كانوا يحتاجون إلى ساعتين آنذاك من أجل تجهيز طائرة مقاتلة للقيام بمهمة بينما لم يكن يستغرق ذلك إلا عشر دقائق بالنسبة للتقنيين الإسرائيليين.

وتتم الإشارة هنا أيضا إلى الإعاقات التي كانت تترتب على آلية عمل القيادة والتراتيبة المفرطة بحيث كان هناك نقص كبير في عملية التواصل بين مسؤولي القوى الجوية ومسؤولي القوات المسلّحة الآخرين. بل لم تكن هناك خطط محددة لتنسيق عمل الطيران مع عمل سلاح الدفاع الجوي. باستثناء الإيعاز للطيارين بالابتعاد عن مناطق انتشار بطاريات إطلاق الصواريخ المضادة للطيران تجنبا لوقوع أي خطأ.

لكن رغم هذا كله، يؤكد المؤلف على أن عناصر القوات الجوية المصرية كانوا على درجة جيدة من الحماس وكان مستوى تدريب الطيارين جيدا؛ وعلى مستوى طياري حلف وارسو آنذاك.

وكان سلاح الجو السوري بقيادة الفريق حافظ الأسد يضم 12 سربا لما مجموعه 116 طائرة مقاتلة، من بينها 36 طائرة ميج-21 و60 ميج- 17 و12 ميج -15 والباقي طائرات دعم من نقل وتموين. بالإضافة إلى 50 طائرة للتدريب كان يمكن استخدامها في عمليات «دعم النار» عن قرب. وكانت سوريا تمتلك عشر محطات رادار على مجمل ترابها الوطني مع 1000 مدفع مضاد للطيران.

أما القوات الجوية الأردنية المتواضعة بقيادة اللواء صالح الكردي، فلم تكن تمتلك سوى 29 طائرة مقاتلة مؤلفة من 21 طائرة هنتر و9 طائرات فامبير موزعة بين سربين أحدهما في مطار عمان والآخر في المفرق. وكان هناك سرب ثالث «قيد الإنشاء» حيث جرى تزويده بعدة طائرات فانتوم-18 أميركية الصنع.

لكن هذا السرب جرى تحويله إلى قاعدة أمريكية في تركيا قبل يومين من اندلاع الحرب. وكان سلاح الطيران الأردني يمتلك 10 طائرات نقل و12 طائرة عمودية.

لكنه لم يكن يمتلك سوى محطة رادار واحدة منصوبة على جبل عجلون في شمال الأردن. لكن تلك المحطة، ومن خلال وجودها على ارتفاع 1350 مترا عن سطح البحر، كانت قادرة على كشف مجمل النشاطات الجوية الإسرائيلية تقريبا.

ولم تكن وسائل الدفاع الجوي الأردنية تشكل تهديدا كبيرا بالنسبة للطيارين الإسرائيليين إذ لم يكن يوجد فوق التراب الأردني سوى 143 مدفعا مضادا للطيران. لكن الطيارين الأردنيين كانوا مصدر تهديد حقيقي إذ كانوا على درجة عالية من التدريب، لاسيما أن المدرّبين الإنكليز قد استمروا في وجودهم بالأردن.

وكان سلاح الطيران العراقي يمتلك 120 طائرة مقاتلة من بينها 32 طائرة ميج-21 و12 ميج-19 و24 ميج-17 و30 طائرة هنتر و12 تي. يو-16 و10 اليوشن-28 و20 طائرة نقل و18 طائرة عمودية. وكانت الطائرات العراقية المكرّسة لإمكانية التدخل في الحرب موجودة في قاعدة بقلب الصحراء بموقع غير بعيد عن الحدود الأردنية.

وأخيرا لم يكن سلاح الجو اللبناني يمتلك أكثر من 12 طائرة مقاتلة من طراز «هنتر»، أي سرب وحيد، بالإضافة إلى أربع طائرات للنقل و9 طائرات عمودية. وكان لبنان قد طلب شراء 12 طيارة ميراج-3 من فرنسا ولكن لم يكن من المرتقب تسليمها قبل مطلع عام 1968.

وبشكل إجمالي كان مجموع الطائرات المقاتلة التي تمتلكها الجيوش العربية 697 طائرة مقابل 237 طائرة لدى إسرائيل و144 طائرة نقل لدى العرب مقابل 45 لدى إسرائيل و96 طائرة عمودية (هليكوبتر) عربية مقابل 44 إسرائيلية، أي ما يشكل إجمالا 937 طائرة مختلفة لدى المعسكر العربي مقابل 326 لدى إسرائيل.

هذا يعني أن ميزان القوى الجوي كان يميل عدديا لصالح العرب بواقع ثلاث طائرات مقابل طائرة واحدة إسرائيلية. لكن مؤلف هذا الكتاب يشير إلى أن ثلث القوات الجوية العربية لم يكن جاهزا للدخول في المعارك، بسبب نقص الطيارين المؤهلين أحيانا ونقص الصيانة أحيانا أخرى وبحيث كان ميزان القوى الجوي الحقيقي هو ثلاث طائرات عربية مقابل طائرتين إسرائيليتين.

استعداد منذ عام 1963

كان الجنرال إسحق رابين قد أصبح رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي عام 1963 ومنذ ذلك الحين أعدّ خطة للمعركة تقوم على أساس عناصر ثلاثة هي: المفاجأة والتفوق الجوي والمواجهة الحاسمة مع الجيش المصري. ورأى الإستراتيجيون العسكريون الإسرائيليون فيما يخص هذا العنصر الأخير، أي المواجهة مع الجيش المصري، أنه ينبغي أن تكون في أبعد نقطة ممكنة داخل شبه جزيرة سيناء.

بالنسبة لعنصر المفاجأة رأى الإسرائيليون أن جوهره يكمن في الهجوم على المصريين قبل أن يستكملوا تحضيراتهم، والتفوق الجوي حددوه في القيام بهجوم جوي يؤدي إلى تعطيل سريع للطيران المصري ثم الطيران العربي كله إذا بدا ذلك ضروريا. وكان الإسرائيليون قد قاموا بتنشيط كبير لأجهزتهم الاستخبارية خلال الفترة التي سبقت حرب يونيو 1967.

وذلك بقصد الحصول على مختلف المعلومات المفيدة حول مواقع تمركز الوحدات العسكرية العربية الأساسية. وخلال الأيام التي سبقت اندلاع الحرب قام الجنرالات الإسرائيليون بتحريك وحداتهم العسكرية بأكبر قدر ممكن من السرّية كي لا يجذبوا اهتمام المصريين.

أمّا على الجبهتين السورية والأردنية فقد كانت خطط الحرب الإسرائيلية ذات طابع دفاعي بالدرجة الأولى، ذلك أن الجهد الأساسي كان موجها ضد الجيش المصري. وكان الجنرال موشي دايان يريد بكل السبل تجنب خوض معركة على عدة جبهات في الوقت نفسه. وكان يتأمل، على غرار ما جرى أثناء العدوان الثلاثي مصر عام 1956، أن يبقى الملك الأردني حسين بعيدا عن المعركة في المرحلة الأولى من حملة كان هدفها الأكبر هو هزيمة الجيش المصري.

وهكذا حرص الإسرائيليون على أن تبدو حربهم ليست موجهة ضد الأردن. من هنا كانت مهمة الجنرال «أوزي ناركيس» قائد جبهة الوسط، و«دافيد اليعازر» قائد جبهة الشمال هي ذات طابع دفاعي بحت بواسطة أعداد معدّات قليلة جدا.

وضمن إطار إستراتيجية الانفراد بكل جبهة عربية على حدة، ما كان للجنرال اليعازر أن يتحرك مهما كان الموقف الذي يتخذه الجيش السوري. ذلك أن مثل ذلك التحرك والقيام بهجوم يستهدف هضبة الجولان السورية، كان مرتبطا بتلقي تعزيزات كبيرة من الجبهتين الأخريين.

أما الجنرال ناركيس فقد كانت المهمات الملقاة عليه تتمثل في القيام بعمليات محدودة جدا تستهدف السيطرة على القدس القديمة والرقابة على الجسور الواقعة على نهر الأردن.

وما يؤكده مؤلف الكتاب هو أن التحضيرات لحرب 1967 قد جرت منذ فترة طويلة من قبل الجنرالات الإسرائيليين، وأن تلك الحرب كانت تلوح في الأفق بوضوح، وأن إسرائيل كانت تسعى إلى كسب أراضٍ عربية جديدة.

وذلك مهما استخدمت من حجج، مثل القول إن المدافع الأردنية تطال تل أبيب والمدفعية السورية لا تكف عن دك المستعمرات الإسرائيلية عند شواطئ بحيرة طبرية والمدن الإسرائيلية على أقل من 10 دقائق من المطارات المصرية في سيناء وعلى أقل من 4 دقائق من القواعد الأردنية.

وصبيحة الخامس من يونيو 1967، انطلقت آلة الحرب الإسرائيلية للقيام بتنفيذ خططها المبيّتة.

عرض ومناقشة د. محمد مخلوف