تكتمل هذه الرحلة مع وثائق متروخين بإلقاء الضوء على حركة جهاز «كي جي بي» على الساحة الإفريقية والانعطاف الكبير في التعامل السوفييتي مع العالم الثالث مع وصول غورباتشوف إلى السلطة، لنصل إلى تفكك الإتحاد السوفييتي والتعاون الراهن بين موسكو والعواصم الغربية في إطار الحرب على الإرهاب.
لم يبد الاتحاد السوفييتي في بداية الأمر اهتماما بالقارة الإفريقية خاصة خلال فترة حكم ستالين، لكن الاهتمام تزايد بعد ذلك عندما تحمس القادة السوفييت خاصة نيكيتاخروشوف للخطب النارية المناهضة للامبريالية التي كان يلقيها الجيل الأول من للزعماء الأفارقة في أعقاب الاستقلال. وقبل مرور أيام قليلة على تحول غانا إلى أول دولة في إفريقيا السمراء تحصل على استقلالها في مارس 1957 أعلن خروشوف بحماس «لقد بدأت الشعوب الإفريقية في الاستيقاظ». ومع ذلك لم يبد جهاز «كي جي بي» اهتماماً كبيراً بهذه التطورات الإفريقية. وظل الوضع كذلك حتى صيف 1960 عندما قرر خروشوف حضور دورة الأمم المتحدة للترحيب بانضمام 16 دولة إفريقية حديثة الاستقلال» فقد قررت دائرة الاستخبارات الخارجية التابعة لـ «كي جي بي»، بناء على تعليمات من الكسندر شيلبين. رئيس الاستخبارات السوفييتية، إنشاء إدارة متخصصة في شؤون إفريقيا جنوب الصحراء.
وبدأت إجراءات «كي جي بي» النشطة في إفريقيا تروج لشعارات مناهضة الامبريالية. ونجح بعض الشيوعيين الأفارقة في إحياء الحلم الثوري الذي ألهم البلاشفة وأسر مخيلة العديد من اليساريين الأوروبيين خلال الثلاثينات من القرن العشرين. وكان نيلسون مانديلا.
الذي أصبح في عام 1952 النائب الأول لرئيس حزب المؤتمر القومي الأفريقي، واحداً من بين العديد من النشطاء غير الشيوعيين بحركات التحرر الذين أعجبوا بمواقف رفاقهم من الشيوعيين البيض. ومع موقف الغرب المتخاذل تجاه النظام العنصري في بريتوريا تعزز اقتناع الزعماء والنشطاء الأفارقة بأن الاتحاد السوفييتي هو الوحيد الذي يمثل قوة لحركات التحرر في العالم.
مرحلتان
يقول المؤلف إن عمليات «كي جي بي» في أفريقيا خلال الحرب الباردة مرت بمرحلتين، الأولى بدأت في مطلع الستينات مع انتهاء عصر الاحتلال البريطاني والفرنسي، والمرحلة الثانية بدأت في منتصف السبعينات في أعقاب انهيار الامبراطورية البرتغالية في أفريقيا والإطاحة بنظام هيلاسيلاسي في أثيوبيا.
إلا أن هذه الآمال تراجعت كثيراً بسبب مجموعة من المشكلات من بينها الحرب الأهلية في انغولا وموزمبيق بالإضافة إلى سوء الإدارة الاقتصادية.
وربما كانت جنوب أفريقيا هي الدولة الوحيدة التي حقق فيها «كي جي بي» نجاحاً في القارة السمراء. ورغم أن حزب المؤتمر القومي الأفريقي لم يكن أبداً شيوعياً وهو الأمر الذي زعم النظام العنصري بأنه كذلك، إلا أن الدعم السوفييتي الذي تم ضخه من خلال «كي جي بي» قد ساعد الحزب كثيراً في دعم موقفه في أحلك اللحظات.
إلا أنه بعد انهيار النظام العنصري وبعد تولي ثابو مبيكي مقاليد الحكم خلفاً لمانديلا، أدرك أن الماركسية ـ اللينينية لن تقدم شيئاً مفيداً لجنوب أفريقيا. ونجح في استقطاب اليساريين من خلال تعزيز فرص العمل والقيام بإصلاحات جادة.
ويقول المؤلف إن «كي جي بي» لم يكن يتخيل قط أنه في بداية القرن الحادي والعشرين سيرى كبار الشيوعيين في جنوب أفريقيا مسؤولين عن صناعات جرى تخصيصها وعن تقليص الحواجز التجارية ويرفضون رفع الأجور لنقابات القطاع العام.
وقبل عقد واحد من انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت قيادة «كي جي بي» لا تزال متفائلة بشأن نجاح سياستها التقدمية في العالم الثالث.
يقول المؤلف إن عداء أندروبوف للولايات المتحدة وشكوكه تجاهها وصل إلى ذروة غير عادية بعد أن تولى رونالد ريغان الرئاسة في يناير 1981. وبعد ذلك بأربعة أشهر شرعت قيادة «كي جي بي» والاستخبارات العسكرية السوفييتية في عملية مشتركة أُطلق عليها اسم «ريان»، وهي أضخم عملية استخبارات سوفييتية خلال الحرب الباردة، وتهدف إلى رصد خطط إدارة ريغان في توجيه أول ضربة نووية على الرغم من أنه لم تكن هناك أية خطط أميركية من هذا النوع.
ومع بدء تنفيذ هذه العملية كان بريجينيف زعيماً يقدم توقيعه إقراراً لسياسات يقررها آخرون في المكتب السياسي بعد أن تدهورت صحته بصورة حادة. وخلال الأيام الأخيرة لبريجينيف لمع اسم أندروبوف وأصبح مرشحاً أكثر من غيره للزعامة خلفاً لبريجينيف.
ركز اندروبوف اهتمامه بالتهديد النووي الأميركي الوهمي، كما سعى لتعزيز الانتصار السوفييتي ضد العدو الرئيسي في دول العالم الثالث.
وعندما توفي بريجينيف في نوفمبر 1982، أصبح أندروبوف أول رئيس للاستخبارات السوفييتية «كي جي بي» ينتخبه المكتب السياسي زعيماً للحزب. ومع ذلك فإن أندروبوف سرعان ما عانى من متاعب صحية. وفي غضون ثلاثة أشهر كانت حالته الصحية قد تدهورت بصورة خطيرة. وكان يعاني من فشل كلوي اضطره لإجراء غسيل منتظم للكلى. وتم إخفاء مرض أندروبوف حتى عن كبار المسؤولين والسفراء السوفييت.
ومع تدهور صحة أندروبوف تدهورت الأوضاع السوفييتية. فالقوات السوفييتية وجدت نفسها متورطة في مستنقع الحرب الأفغانية، بينما لم يتمكن حلفاء السوفييت بدول العالم الثالث، وخاصة في أفريقيا، من تجسيد التعبيرات الاشتراكية الرنانة إلى واقع حقيقي.
بل إن مزاج أندروبوف نفسه كان قد تغير بصورة جذرية منذ مطلع عقد الثمانينات. ففي يونيو 1983، شكل أندروبوف في إحدى خطبه الأخيرة قبل أن تجبره صحته المتدهورة على الاختفاء تماماً من الساحة العامة، من أن القوى المحلية بدول العالم الثالث لم تتمكن من استغلال المساعدات الكبيرة التي قدمها لها الاتحاد السوفييتي.
لكن النقطة المحورية في هذا التغيير كانت تعود إلى تدهور الاقتصاد السوفييتي نفسه. فخلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين تزايدت الآمال في العالم الثالث بأن النموذج السوفييتي يقدم برنامجاً لتحديث اقتصادات الدول النامية. إلا أن هذه الآمال تبخرت بحلول السبعينات والثمانينات مع تراجع مستوى الاقتصاد السوفييتي.
وفي فبراير 1984 توفى أندروبوف ليحل مكانه رجل مريض آخر في الثانية والسبعين من عمره، هو قسطنطين تشيرنينكو، الذي تولى زعامة الحزب مدة 13 شهراً فقط قبل أن يتوفى بدوره. وأصبحت المتاعب الصحية للكثير من أعضاء المكتب السياسي مسايرة للحالة السياسية السوفييتية تجاه العالم الثالث.
وخلال فترتي حكم أندروبوف وتشيرنينكو، تزايد إحساس موسكو بأن أصدقاءها وحلفاءها في العالم الثالث يشكلون عبئاً على اقتصادها أكثر مما يشكلون حلفاء في المسيرة باتجاه الانتصار العالمي للاشتراكية. بل ان أحد كبار المسؤولين السوفييت وصف المساعدات السوفييتية للدول النامية بأنها مثل «الورم السرطاني» الذي يتفشى في الاقتصاد السوفييتي.
انقلاب المعادلة
وعندما وصل إلى السلطة في مارس 1985 زعيم شاب نسبياً يميل إلى إتباع النهج الإصلاحي وهو ميخائيل غورباتشوف شهدت السياسة السوفييتية تجاه العالم الثالث تغيراً ملحوظاً خاصة بعد ان أدرك غورباتشوف ان سياسة بلاده تجاه العالم الثالث على مدى ربع القرن الماضي فرضت قيوداً غير مقبولة على الاقتصاد السوفييتي المتهالك، كما قوضت بصورة خطيرة العلاقات مع الولايات المتحدة.
لكن غورباتشوف لم يوقف على الفور إمدادات الأسلحة والمعدات العسكرية إلى العديد من الدول مثل أفغانستان، نيكاراغوا، فيتنام، سوريا، اليمن الجنوبي، اثيوبيا، انغولا ودول أخرى، وفي مايو 1986، أي بعد مضي عام على تولي غورباتشوف منصب السكرتير العام، وافق المكتب السياسي على تزويد الجيش الساندنيستي بالإمدادات الغذائية والطبية، على الرغم من ان ديون نظام سانديستا للاتحاد السوفييتي قد تفاقمت لتصل إلى 1,1 مليار دولار.
إلا ان برنامج اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي لعام 1986 لم يتضمن أي إشارة إلى العالم الثالث، وكان قرار غورباتشوف في نوفمبر 1986 بسحب جميع القوات السوفييتية من أفغانستان بحلول عام 1988 بمثابة إشارة على عملية اعادة تقييم كبيرة لسياسة الاتحاد السوفييتي في العالم الثالث، وأحد الأسباب الرئيسية لعدم الإعلان عن انسحاب فوري هو تقليل مدى الاهانة للاتحاد السوفييتي في عيون أصدقائها بالعالم الثالث، وذلك على حد قول غورباتشوف أمام المكتب السياسي في فبراير 1987.
ومع رحيل آخر جندي سوفييتي من أفغانستان، شعرت زعامة «كي جي بي» بان شبكتها الدولية من الأصدقاء والحلفاء قد تضررت كثيراً. وخلال الاجتماع الأخير لوكالات استخبارات الكتلة السوفييتية (الذي حضرته وكالات استخباراتية من كوبا ،منغوليا، وفييتنام) وعقد في برلين الشرقية في أكتوبر 1988، انتقد كثيرون السياسة السوفييتية. ورغم ان الاجتماع عقد قبل عام على سقوط سور برلين، فقد كانت الأجواء كئيبة وتدعو إلى التشاؤم لدرجة أنه لم يتم لأول مرة تحديد موعد أو مكان الاجتماع المقبل.
وكان جيمس بيكر قد أشار بصورة غير رسمية في أعقاب توليه منصب وزير الخارجية الأميركي في أوائل عام 1989، بأن، الاتحاد السوفييتي يظهر دلائل تشير إلى استعداده ليصبح جزءاً من الحل وليس جزءا من المشكلة في العالم الثالث، وقد استخدمت موسكو بالفعل نفوذها لإقناع فييتنام بسحب قواتها من كمبوديا ووضع حد للحروب الأهلية الطويلة والمدمرة في ناميبيا وانغولا.
وفي ابريل 1989، وخلال زيارة رسمية لكوبا، التي كانت تعتبر من قبل الحليف الرئيسي للسياسة السوفييتية في العالم الثالث، أعلن غورباتشوف رسمياً ان موسكو قد تخلت عن سياستها التقليدية التي تقضي بتصدير الاشتراكية، وذلك بهدف احترام مبدأ عدم التدخل.
وقال: «اننا نعارض تماماً أي نظريات أو عقائد تبرر تصدير الثورة أو الثورة المضادة».
وفي أكتوبر 1989، أي قبل بضعة أسابيع من سقوط سور برلين، اعترف وزير الخارجية السوفييتي ادوارد شيفرنادزه رسمياً في خطاب أمام المجلس السوفييتي الأعلى بأن التدخل السوفييتي في أفغانستان انتهك الأعراف المعمول بها في العلاقات الدولية وكذلك السلوك الإنساني.
يقول المؤلف ان الانسحاب من أفغانستان كان يمثل بالفعل أكبر دلالة على اتجاه سوفييتي عام للتراجع من العالم الثالث.
وخلال الأعوام الأخيرة من وجود الاتحاد السوفييتي، أصبحت مسألة الحفاظ على نفوذه بالدول الحليفة الفقيرة من أنغولا وحتى نيكاراغوا ذات أولوية أقل من أولوية تعزيز العلاقات مع الدول الأغنى خارج مجال النفوذ السوفييتي مثل البرازيل واليابان وجنوب إفريقيا وتايلاند وهي الدول التي لديها ما يمكن أن تقدمه كشركاء تجاريين.
وفي أعقاب تفكك الكتلة السوقية، واصلت قيادة «كي جي بي» التي أصبحت مشوشة وفاقدة للاتجاه، سياستها بالحفاظ على اتصالاتها بالعالم الثالث. وفي عام 1990 ترأس فاديم كيربيشينكو وفداً لـ «كي جي بي» للمشاركة في احتفالات مرور 15 عاماً على تأسيس الاستخبارات الأنغولية «ديسا».
وفي اكتوبر ونوفمبر في العام نفسه ترأس كيربيشينكو وفداً آخر إلى اثيوبيا لبحث آفاق التعاون الاستخباري وفي الأول من نوفمبر 1990 كان كيربيشينكو آخر ممثل سوفييتي يعقد اجتماعاً مع الرئيس الاثيوبي منغستو هيلي مريام. وخلال الاجتماع تساءل منغستو: «ما الذي يحدث في الاتحاد السوفييتي؟».
وهل هناك مستقبل للعلاقات السوفييتية الإثيوبية؟ إننا لم نعد نعتمد على مساعداتكم الاقتصادية، لكننا نطلب منكم أن تحافظوا على الأقل على مساعداتكم العسكرية». ثم اختتم منغستو حديثه قائلاً: لقد جعلتمونا نتوجه على طريق الاشتراكية والتنمية، والآن تديرون ظهوركم لنا؟».
ولم يمض سوى ستة أشهر على هذا اللقاء حتى اضطر منغستو إلى الهرب من بلاده واللجوء إلى زيمبابوي.
وفي تلك المرحلة من انهيار الاتحاد السوفييتي حذر رئيس «كي جي بي» غورباتشوف وبقية القيادات السوفييتية من أن الولايات المتحدة تتآمر لإثارة جو من العداء بين القيادات السوفييتية، وإنها تصب الزيت على النار مستغلة الخلافات الداخلية، وعندما لم يبد غورباتشوف اهتماماً بما قاله نقلاً عن تقارير استخبارية سرية.
أعلن رئيس «كي جي بي» هذه المخاوف على الرأي العام، واقتفى أثره عدد من كبار ضباط الاستخبارات السوفييتية الذين كشفوا النقاب عن نظريات تآمرية سرية وضعتها الولايات المتحدة لتقويض الاتحاد السوفييتي ونفوذه في العالم. وفي ديسمبر 1990 أرجع فلادمير كريشكوف رئيس «كي جي بي» المشكلات المالية التي تعاني منها موسكو إلى مؤامرة خططت لها بنوك غربية لتقويض قيمة الروبل الروسي.
كما أفاد تقرير سري أعدته دائرة الاستخبارات الخارجية في «كي جي بي» ان «السي آي ايه» قامت بتجنيد عملاء لها داخل الاقتصاد والإدارة والأبحاث العلمية ودربتهم على القيام بأعمال تخريبية. وقال كريشكوف إن بعض المشكلات الحالية التي يواجهها الاتحاد السوفييتي هي نتيجة لتلك الأعمال التخريبية السرية.
يقول المؤلف إن اعتماد هذه النظريات التآمرية وغيرها أداة لتفسير ما يجري عكس حالة فقدان التوجه داخل قيادة «كي جي بي» والتي كانت نتيجة لانهيار النظام السياسي السوفييتي والإهانة التي تعرض لها على الصعيد العالمي.
لقد كان الانهيار هائلاً مما جعل من المستحيل على قيادة «كي جي بي» فهم ما يحدث. وقد أظهر كريشكوف مدى عدم فهمه لما يجري، حيث قاد الانقلاب المتشدد الفاشل في أغسطس 1991 والذي أدى إلى تزايد تفكك الاتحاد السوفييتي بدلاً من إنقاذه.
ورغم ان «كي جي بي» أحرز سلسلة من الانتصارات التكتيكية على الغرب في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، فإن عملياته خلال فترة الحرب الباردة انتهت بهزيمة استراتيجية سبقت انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه، وفي أعقاب الانقلاب الفاشل في أغسطس.
ومع حلول منتصف الثمانينات انهارت تقريباً الاستراتيجية الكبرى التي وضعها «كي جي بي» للنضال ضد العدو الرئيسي في العالم الثالث، وهي الاستراتيجية التي كان من المقدر أن تحسم مصير المواجهة العالمية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بين الرأسمالية والاشتراكية.
والسبب الرئيسي وراء فشل استراتيجية «كي جي بي» هو فشل النظام السوفييتي نفسه. فرغم أنه بإمكان الاستخبارات الجيدة أحياناً أن تفرز من قوة النظام الدبلوماسي والعسكري لتلك الدول التي تستخدم مثل هذه الأجهزة، إلا أن الاستخبارات لا تستطيع تعويض ضعف نظام مثل ذلك الذي كان عليه الاتحاد السوفييتي. لقد كان زرع عناصر اقتصاد غير فعال في قارات أخرى أمراً كارثياً.
وكما يقول جيفري ساكس الاقتصادي الشهيد في هارفارد: «لو أن إفريقيا انتهجت سياسات السوق الحرة التي سارت عليها حكومات شرق آسيا لكانت حققت معدلات نمو خلال الفترة بين 1965 و1990 تصل إلى 3,4% ولتضاعف دخلها ثلاث مرات، لكنها انتهجت السياسات الاشتراكية التي جعلت معدلات نموها تقف عند مجرد 8,0%».
ومع مطلع الثمانينات لم يعد لدى الاتحاد السوفييتي شيء مهم يستطيع تقديمه للعالم الثالث، الذي لم يكن بإمكانه هو الآخر الدفع بعد أن ازدادت أعباء ديونه. أما صادرات الأسلحة السوفييتية فقد أخلت بتوازن واستقرار اقتصادات ومجتمعات دول العالم الثالث المتلقية لهذه الصادرات بدءاً ببيرد وانتهاء بأفغانستان.
وكان أكثر القارات معاناة هي القارة الإفريقية، حيث كان الاتحاد السوفييتي القوة الرئيسية وراء ازدهار غير مسبوق في التسلح منذ منتصف السبعينات وحتى منتصف الثمانينات.
وارتفعت قيمة واردات الأسلحة إلى منطقة القارة الإفريقية من متوسط سنوي يبلغ نحو 150 مليون دولار في أواخر الستينات إلى 370 مليوناً و1970 ـ 1973 وإلى 820 مليوناً في 1974 ـ 1976 قبل أن تصل إلى ذروتها لتبلغ نحو 5,2 مليار دولار في 1977 ـ 1978 وذلك مع ارتفاع صادرات الأسلحة إلى أثيوبيا لمساندتها في حربها مع الصومال.
وخلال الفترة من 1980 حتى 1987 ظلت صادرات الأسلحة مستقرة عند 58,1 مليار دولار، لكنها تراجعت مع نهاية الحرب الباردة لتصل إلى 350 مليون دولار خلال الفترة بين 1989 و1993. ولم تعزز هذه الأسلحة الدول التي تلقتها، بل أضعفتها وفي بعض الأحيان كانت سبباً وراء تدميرها.
حقوق الإنسان
يقول المؤلف إن «كي جي بي» لعبت دوراً أساسياً في انتهاك حقوق الإنسان سواء داخل الاتحاد السوفييتي أو خارجه، خلال فترة الحرب الباردة. ومن بين هذه الانتهاكات قمع الانتفاضة المجرية في عام 1956 وسحق ربيع براغ في عام 1968 وغزو أفغانستان في 1979.
وممارسة ضغوط على النظام الشيوعي البولندي للقضاء على حركة تضامن الديمقراطية في عام 1981. كما ساهمت قيادة «كي جي بي» في تصدير أنظمة القمع السوفييتية إلى الدول الحليفة خلال الفترة بين الحربين العالميتين. فقد تعلم كانغ شينغ كبير مسؤولي الأمن في عصر ماو أساليب وحشية لتصفية عناصر المعارضة في روسيا خلال حكم ستالين وعاد ليطبقها في الصين.
وبعد الحرب العالمية الثانية اعتمد الحكم الشيوعي داخل دول الكتلة السوفييتية في شرق ووسط أوروبا على أنظمة مراقبة وقمع وضعها خبراء «كي جي بي» ونفذتها أجهزة أمنية محلية. وخلال الحرب الباردة تم تصدير هذه الأنظمة إلى العديد من أصدقاء وحلفاء الاتحاد السوفييتي في قارات أخرى.
كما قامت كوادر «كي جي بي» ووكالات استخبارات بالكتلة السوفييتية بمساعدة زعماء بدول أحادية الحزب في العالم الثالث في قمع أي صوت معارض لحكمهم.
وفي داخل الاتحاد السوفييتي عمل «كي جي بي» على قمع الحريات المدنية من خلال قمع معلومات استخباراتية عن السياسيين ذوي الاتجاهات الليبرالية.
يقول المؤلف إن التقارير السنوية التي كانت تعد في «كي جي بي» عن المعسكر الرأسمالي اتسمت في أغلب الأحوال بأنها مضللة. فمثلاً جاء في تقرير 1984 ان «الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحادة في العالم الرأسمالي قد وصلت الى مرحلة خطيرة بحيث ان الامبرياليين يفكرون بصورة جادة في شن حرب نووية كمهرب للخروج من الصعوبات والأزمات التي خلقوها».
لكن التقرير لم يذكر بطبيعة الحال شيئاً عن المشكلات الاقتصادية الأكبر التي تواجهها دول الكتلة السوفييتية.
وقد هيمنت كوادر «كي جي بي» على المشهد السياسي السوفييتي، حتى بعد انهياره. ويكفي ان نعرف ان رؤساء الوزارات الثلاثة الأخيرين خلال فترة رئاسة بوريس يلتسين للاتحاد الروسي، وهم يفغيني بريماكوف وسيرجي شيباتشين وفلاديمير بوتين، كانوا جميعاً مسؤولين سابقين بوكالة الاستخبارات. ويعتبر بوتين، الذي تولى الرئاسة خلفاً ليلتسين في عام 2000، ضابط جهاز الاستخبارات الخارجية الوحيد الذي أصبح رئيساً.
كما يتمتع بوتين بسيطرة مباشرة على الاستخبارات بصورة أكبر من أي زعيم روسي سابق منذ عهد ستالين. ويقول كيربيشينكو: اننا تحت سيطرة الرئيس وإدارته، لأن الاستخبارات تتبعه مباشرة.
وقد نجح بوتين من تهميش معظم رموز المعارضة والسيطرة على القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام الرئيسية، كما اختفت في عصر بوتين كل المناقشات العامة القوية للقضايا السياسية التي شهدها عصر يلتسين، كما ظهر على السطح بالتدريج نظام جديد من السيطرة الاجتماعية تقوم فيه وكالة الأمن والاستخبارات الروسية «اف اس بي» بترهيب كل من يجرؤ على تجاوز الخط الأحمر.
ومن الأمثلة على ذلك توجيه تهم التجسس لمجموعة من العلماء والصحافيين والمدافعين عن البيئة لأنهم قد تحدثوا إلى أجانب، وهي جريمة كانت لا تغتفر في عصر الاتحاد السوفييتي.
ورغم ان روسيا والغرب لايزالان يتجسسان أحدهما على الآخر، فإنهما قد دخلا أخيراً في مرحلة من التعاون لمواجهة الإرهاب. وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي السبب الرئيسي وراء هذا التعاون. ونظراً للطبيعة الدولية للعمليات الإرهابية، فإنه ليس أمام الجانبين أي خيار آخر.
وفي عام 2004 استضافت وكالة الاستخبارات الروسية «أف اس بي» اجتماعاً لرؤساء استخبارات من 70 وكالة أجنبية «من بينهم ممثلون لوكالات غربية كبرى». وقد عقد الاجتماع في منتج سوتشي المطل على البحر الأسود.
وبحث المشاركون سبل التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب. وخلال الاجتماع شاهد المشاركون تمريناً قامت به القوات الروسية الخاصة للإفراج عن رهائن من طائرة مختطفة من مطار سوتشي.

