شرفت، أخيراً، بأن أتسلم من يد الملكة بياتريس، ملكة هولندا، جائزة فرانكلين ديلانو روزفلت الخاصة بحرية التعبير، التي تمثل إحدى أربع حريات معلنة من قبل الرئيس روزفلت في رسالته إلى الكونغرس في 6 يناير 1941.

وكان روزفلت قد عقد العزم، وسط الحرب العالمية الثانية، على النضال ضد النازية والفاشية ومن أجل عالم أفضل بعد أن تضع الحرب أوزارها، كما طرحت فكرة حرية التعبير عن الذات وتجاوز الحاجة والخوف وصولا إلى حرية المعتقدات.

وأنا أكن تقديرا خاصا لروزفلت، لأنه في عام 1932، حين كان والدي يعمل مستشارا في السفارة المكسيكية في واشنطن ، قام الرئيس لازارو كارديناس بتأميم الثروة النفطية المكسيكية والرئيس روزفلت احترم هذا القرار.

وبعد تاريخ طويل مليء بالمواجهات العنيفة أحيانا بين المكسيك والولايات المتحدة، أدار روزفلت أذنا صماء للأصوات التي تعالت مطالبة بالانتقام من المكسيك وبدلا من الغزو أو العقاب أو التوبيخ، قرر التفاوض.

واعتبارا من تلك اللحظة ورغم المواجهات الحتمية بين البلدين، قامت علاقتنا دائما على مبدأ المفاوضات الدبلوماسية. ونحن حين نلجأ إلى هذا الأسلوب، فإن كلا البلدين يكسب وعندما لا نفعل ذلك، فإن الجميع يخسر. وصل فرانكلين روزفلت إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة وسط أسوأ أزمة اقتصادية عالمية عصفت بالقرن العشرين.

فلقد نتج عن الكساد الاقتصادي لعام 1929 انحطاط أوصل هتلر إلى السلطة في ألمانيا وعزز مواقع موسوليني في إيطاليا، وضاعف من صعود النزعة العسكرية في اليابان، وشد من أزر ستالين في الاتحاد السوفييتي، وأضعف الديمقراطية في كل من فرنسا وبريطانيا، وأدخل اسبانيا في أتون حرب أهلية لا هوادة فيها.

أما في الولايات المتحدة، فلم تكن قليلة تلك الأصوات المطالبة بسياسة اليد الحديدية. وبادر هيربيرت هوفر إلى قمع المسيرات العمالية، وطالب الجنرالات مكار ثر وإيزنهاور بـ «ديكتاتورية افتراضية» لتجاوز الأزمة.

في المقابل، لم يلجأ روزفلت إلى القمع ولا إلى السلطات الاستبدادية. فلقد وضع بين يدي المجتمع المدني الأدوات الديمقراطية الملائمة لمحاربة البطالة وانهيار الإنتاج والأزمة المالية.

حيث قام بتجنيد أربعة ملايين شاب للعمل في إعادة التحريج ومحاربة تعرية التربة والسيطرة على الفيضانات. وأعطى الفرصة لألوف الشباب لاستكمال دراساتهم، وفتح الأفق أمام المزارعين والعمال والفنانين والكتاب وغيرهم من قطاعات المجتمع الأميركي.

فلقد أوجدت الهيئة القومية لإعادة التأهيل ملايين فرص العمل وشيدت إدارة الأشغال العامة الطرق بأنواعها وولدت مؤسسة «تي في إيه» كمية من الكهرباء تفوق كل ما أنتجته أميركا اللاتينية مجتمعة. كما ضمن هذا العقد الجيد أفضل الأجور وأحسن ظروف العمل والحرية النقابية وتشغيل السكان الأصليين والسود.

وقال روزفلت وقتها: «إذا فشلت فلن أكون أسوأ رئيس أميركي، بل سأكون الرئيس الأخير».

وهو لم يفشل، علما بأن الكثير من مبادراته لم تحل الوضع بحد ذاتها،لكن روزفلت أعطى الشعب مهمة إعادة إعمار البلاد كما أعطاه الوقت والإصرار والإجراءات الديمقراطية كذلك.

روزفلت أنقذ وطنه من الأزمة الاقتصادية من دون اللجوء إلى إجراءات قمعية. واحترم كليا حرية التعبير، واعيا، حتى في أوقات الحرب، لفكرة أن المجتمع الحر لا يمكن أن يلحق الهزيمة بأعدائه في حال تخليه عن قيم الحرية معتقدا بشكل مغلوط بأنه بمحاكاة عيوب العدو فإنه سيلحق الهزيمة به. لكن ذلك ليس صحيحا، فعندما تتم التضحية بحقوق الحرية باسم الحرية، فإن العدو يفوز بينما نخسر حرياتنا.

إذا كانت حرية التعبير غير مضرة من الناحية الديمقراطية، فلماذا إذن تحظر الأنظمة الشمولية الإعلام الحر على الفور وتراقب الإذاعة والتلفزيون وتلاحق الصحافيين وتفرض قاعدة الحظر؟ هل تنقصنا أنظمة مستبدة لتقدير قيمة حرية التعبير؟

إن جوائز روزفلت تمثل مذكرة تنبهنا إلى أن الحريات هي حق من حقوقنا وواجباتنا اليومية وأنها ليست امتيازا ولا واجبا استثنائيا.

عندما أمم لازارو كارديناس النفط عام 1934، تجمدت نظرات أساتذتي وزملائي في مدرسة واشنطن العامة. وعناوين الصحف اليومية كانت تصرخ: «المكسيكيون الحمر سرقوا نفطنا». وطالبت صحف وأعضاء بالكونغرس وشخصيات عامة بمعاقبة المكسيك وقطع العلاقات على اقل تقدير.

لكن روزفلت وكارديناس قررا التفاوض بدلا من تبادل الاتهامات والشتائم، والدبلوماسية أظهرت لماذا هي موجودة ولماذا هي جيدة بفضل السفير المكسيكي في واشنطن فرانسيسكو كاستيو ناخيرا والسفير الأميركي في المكسيك جوزيف دانييل.

روزفلت وكارديناس مثلا مصادفة فيها شيء من المعجزة لصالح مفاهيم الإصلاح والتقدم والاحترام المتبادل . ليس دائما أو قلما تحدث مثل هذه مصادفات وغالبا ما تتم الحركة والتحرك وسط اعتداءات مادية ومعنوية أو أخطاء عابرة أو دائمة وسوء تفاهم وديماغوجية قابلة للتبادل.

فليت الإصلاحات الأميركية اللاتينية ، التي لا غنى عنها، طريقها إلى النور، ليتها تجد فرصة للمصارحة والحوار في الولايات المتحدة وليتنا نحرر أنفسنا من الخلط بين الخطاب والواقع، ومن الخلط بين الإمبراطورية والديمقراطية.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن «الباييس» ـ اسبانيا