تفتح أوكرانيا للأعمال والرئيس الأوكراني فيكتور يوشنكو يريد للعالم أن يعرف بذلك. وفي مقابلة حصرية مع صحيفة «أوبزرفر» اللندنية أعلن الرجل الذي نال شهرة عالمية عندما قاد«الثورة البرتقالية» في بلده أنه حريص على لفت أنظار العالم إلى الإنجازات الاقتصادية التي حققتها أوكرانيا.

ويقول يوشنكو إن «الأوكرانيين بدأوا يفهمون أن الديموقراطية مفيدة لجيوبهم، فلقد ارتفع الدخل الحقيقي للسكان بنسبة أكثر من 20 بالمئة في 2005، ويفترض أن يرتفع 24 بالمئة أخرى في 2006».

وأضاف: «وهناك آفاق كبيرة ومتنوعة للاستثمار هنا. فنحن نجلب مستثمرين مهمين في إنتاج الطاقة. وشاركت أكثر من 10 شركات عالمية من العيار الثقيل في المناقصات لتطوير حقول نفط البحر الأسود».

«ولقد ضمنت الحكومة الجديدة حرية التعبير، وهو ما يفسر النمو السريع في قطاع الإعلام. ونعتقد أن المستثمرين سيكونون مهتمين ببرامج بناء الطرق والبنية التحتية في البلد لأن أوكرانيا تعتبر نقطة عبور مهمة إلى دول المنطقة.

ومن المجالات الأخرى التي تسترعي اهتمام المستثمرين الأجانب بناء السفن، بناء الآلات الصناعية، صناعة الفضاء، تقنية المعلومات، إمدادات الطاقة وأساليب توفير الطاقة إضافة إلى الزراعة والسياحة والخدمات المصرفية».

ونجحت الحكومة الأوكرانية في إبقاء معدلات التضخم عند مستويات متدنية، فضلاً عن إصلاح مجموعة كبيرة من القوانين والأنظمة التي كانت في السابق تعيق بيئة الاستثمار، كما يقرّ يوشنكو الذي يضيف أن:«العديد من القطاعات لا تزال بحاجة للإصلاح وبانتظارنا الآن قرارات غير شعبية، سببها الرئيسي الارتفاع في أسعار الطاقة. لكن يمكن من الآن رؤية الإنجازات الأولى للديمقراطية».

ولقد اجتذبت أوكرانيا السنة الماضية استثمارات أجنبية مباشرة تقدر بحوالي 4,7 مليارات دولار. وبينما يعيش حوالي 28 بالمئة من الأوكرانيين في فقر، يتم التحكم بأجزاء كبيرة من الاقتصاد من قبل رجال المال والأعمال المتنفذين أو«الأوليغارشيين»، الذين اشتروا الأصول التي تمت خصخصتها بأسعار زهيدة إبان انهيار الشيوعية.

ولا يزال البلد يحتفظ بشيء من سمعة البيروقراطية المفرطة والفساد والنظام القضائي غير الفعال.

ولم ينجح صعود يوشنكو إلى السلطة بعد في ترسيخ الاستقرار السياسي في أوكرانيا. فلقد نشبت خلافات بينه وبين حليفته في الثورة البرتقالية رئيسة الوزراء يوليا تيموشنكو، وكانت نتائج حزبه، «أوكرانيا لنا»، سيئة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت أخيراً.

وبسبب انقسام الأصوات بين ثلاثة أحزاب، هناك تأخير في تشكيل الحكومة الجديدة أكثر مما توقع المراقبون. وفي هذه الأثناء، شهدت الفترة الأخيرة تدهوراً مقلقاً في العلاقات مع موسكو، بلغ ذروته مع بداية السنة الجارية في مناوشات سياسية كبيرة بين البلدين حول أسعار الغاز.

ولم تعد روسيا تورد الغاز لأوكرانيا بالسعر المخفض الخاص، بل رفعت السعر من حوالي 60 دولاراً إلى 95 دولاراً لكل ألف متر مكعب، وهو ما ستكون له انعكاسات مقلقة على الاقتصاد الأوكراني. ويتوقع معظم المحللين أن تؤدي هذه الزيادة على المدى القصير إلى تقليص نمو إجمالي الناتج المحلي بواقع نقطة أو نقطتين مئويتين.

ومن المرجح أن يسعى يوشنكو لتحسين العلاقات مع روسيا، لكنه يرى أن التقارب أكثر مع الغرب أمر ضروري للمستقبل الاقتصادي لبلده. وهو حريص على ألا يتسبب شيء في عرقلة خططه لتمهيد الطريق لانضمام أوكرانيا إلى منظمة التجارة العالمية الخريف المقبل.

ويقول يوشنكو:«حقيقة أن أوكرانيا تعمل حالياً خارج المنطقة التي يطبق فيها القانون التجاري الدولي تلحق خسائر هائلة باقتصادنا، تصل إلى 8 مليارات دولار سنوياً».

ومن شأن العضوية في منظمة التجارة العالمية أن تجلب فوائد مباشرة للأعمال الأوكرانية من جراء خفض الرسوم الجمركية، وزيادة حجم الاستثمارات الداخلة إلى البلد.

ويقول يوشنكو: «إن دخول أوكرانيا في منظمة التجارة العالمية لا يعني أنها ستصبح بلا حصون دفاعية. فنحن سنكسب أسواقاً جديدة... والمنتجات النسيجية والغذائية الأوكرانية معروفة من الآن في أنحاء العالم». وتملك أوكرانيا أيضاً قوة عاملة كبيرة وماهرة، يرجح أن تستقطب استثمارات مهمة للبلد إذا انضمت أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ـ وهو هدف يسعى يوشنكو لتحقيقه في المدى البعيد.

ويقول يوشنكو: «نحن نقدر موقف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي أكد لنا أن بريطانيا تدعم تحركات حكومتنا من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي».

ويبدو مشهد المشاحنات على الساحة السياسية الأوكرانية الآن بعيداً عن كل البعد عن المثالية التي وحدت الأحزاب خلال الثورة البرتقالية في ديسمبر 2004، عندما استطاعت أوكرانيا وبشكل سلمي الإطاحة بسنوات من القمع في مظاهرة أشعلت شرارتها هزيمة يوشنكو في الانتخابات الرئاسية التي تم التلاعب بنتائجها.

ومع ذلك فإن ثمة صورة من تلك الفترة ظلت كما هي ولم تفقد بريقها، وهي صورة وجه يوشنكو المغطى بالندبات نتيجة لمحاولة فاشلة لاغتياله بالسم، ربما نفذها عملاء النظام السابق.

ولا يزال التحقيق مستمراً في محاولة القتل التي استهدفته. ويقول يوشنكو:«أنا مسرور لكوني بكامل صحتي اليوم، والفضل في مساعدتي على التماثل للشفاء لا يعود للأطباء فحسب ، بل لكل أنصاري في جميع أنحاء أوكرانيا وللدعم الذي قدمه كل الحريصين على أوكرانيا- بما في ذلك في بريطانيا. لقد أصبحت الأمة الأوكرانية حرة. وإذا كانت مهاجمتي بالسم وتشوه وجهي ثمناً لهذا التقدم، فأنا سعيد بهذا التضحية».

ويبدو يوشنكو واثقاً من أن أوكرانيا أحرزت تقدماً دائماً لا رجعة عنه. ويقول:« لقد طوينا صفحة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من تاريخنا العام الماضي، واليوم نقوم ببناء مجتمع ديمقراطي. وبطبيعة الحال فإن الأمر ليس سهلاً، فالنظام السابق قمع الحريات وزرع روح اللامبالاة في المجتمع ـ ولا نزال نشعر بتأثير هذا حتى اليوم».

ويختم يوشنكو قائلاً: «إن الحكومة تتعلم كيف تكون شفافة، وتطلع الشعب على كل خطوة وتقدم تفسيرات منطقية لتصرفاتها. لكن الناس لم يعودوا يخافوا من التعبير عن آرائهم والدفاع عنها، بما في ذلك الآراء السياسية. والآن أصيح المجتمع والصحافة الحرة هما المتحكمان بالسلطات، ولقد غيرت هذه الحال البلد والمواطنين الذين استنشقوا هواء الحرية وشعروا بأن إرادتهم يمكن أن تغير مصير البلد».

ترجمة: علي محمد

عن: «أوبزرفر»