أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية، أخيراً، مقابلة مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، ناقش فيها المخرج من الوضع المتردي في العراق، والنجاحات في الحرب على الإرهاب وضرورة التفاوض بين العواصم الغربية وقادة إيران. وفيما يلي نص المقابلة: شكّل أبو مصعب الزرقاوي خطراً ليس على العراق فحسب، بل على بلدكم أيضاً. والآن بعد مقتله، هل أصبح الشرق الأوسط مكاناً أكثر أمناً؟
لقد طوي فصل من فصول الإرهاب، لكن الإرهاب والتشدد سيستمران. وسيحل مكان الزرقاوي شخص آخر، كائن من كان. وبالتأكيد فبالنسبة للأردنيين، الذين روعتهم جريمة قتل 60 شخصاً ... في نوفمبر الماضي، عندما هاجم مفجران انتحاريان ثلاثة فنادق في عمان. يشكّل لنا موت الزرقاوي نهاية فصل، وسبباً للمضي قدماً. ذلك الفصل ربما يكون قد انتهى. لكنها لعبة تكتيكية في الحرب على الإرهاب. ومانريده في النهاية هو جلب الاستقرار والأمل للعراق. هذه هي الطريقة الوحيدة لهزيمة الإرهاب.
* هل صحيح أن أجهزة الاستخبارات الأردنية لعبت دوراً حاسماً في تعقب الزرقاوي؟
نعم لقد لعبنا دوراً، في هذا الشأن، وهذا ليس بالأمر الجديد. فنحن نعمل مع المجتمع الدولي منذ زمن، وليس بشأن الزرقاوي فقط، بل في تعقب الإرهابيين الآخرين أيضاً. ولطالما عملنا مع ألمانيا عن كثب في الكثير من الأمور، في إطار استراتيجية عالمية شاملة.
* حتى بعد موته، لايزال الزرقاوي يتسبب بالمتاعب. فلقد تقدم أربعة أعضاء بالبرلمان الأردني، بالعزاء لعائلته. ووصفوه بالبطل، هل استقرار بلدكم في خطر؟
لا، على الإطلاق. هناك بعض العناصر في مجتمعنا الذين تم تضليلهم. لقد كان الزرقاوي مجرماً تلطخت يداه بدماء الأبرياء ليس في الأردن وحده، بل أيضاً في العراق وبلدان أخرى. ولا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يجعلوا من هذا الرجل بطلاً.
فلنضع جانباً العمليات التي شنها ضد عسكريين. هناك أشخاص في الأردن والعراق وأماكن أخرى عانوا من فقد أعزاء لهم من المدنيين، من الرجال والنساء والأطفال. أما بالنسبة للوضع في الأردن، فأعتقد أننا عندما ننظر إلى الأردن، نجد أن الغالبية الساحقة من الناس هم أشخاص معتدلون محبون للسلام.
وأعتقد أن المناقشات التي تجري في مجتمعنا توضح إجماع الناس على التعامل بأقصى درجات الصرامة مع الإرهاب. علينا أن نحدد للجميع ما هو الإرهاب وأن ننشر الرسالة من عمّان: لا يمكننا التساهل مع التشدد بعد الآن. نريد أن نتواصل مع الأغلبية الساحقة من المسلمين المعتدلين في أنحاء العالم.
ومن المؤكد أن الرسالة المنطلقة من عمّان رسالة شديدة الأهمية، ليس فقط للعالم الإسلامي، بل أيضاً من أجل التواصل مع أوروبا، نظراً لوجود جاليات مسلمة في بلدانكم. فالطريقة التي أنظر بها إلى المسلمين في ألمانيا، على سبيل المثال، هي أن البلد قدم لهم الحماية والحقوق نفسها كبقية الجاليات الأخرى التي تعيش في ألمانيا، وبالمقابل، عليهم الالتزام بولائهم للدولة. صحيح أنهم ربما يكونون مسلمين، لكنهم يجب ان يكونوا ألماناً فخورين أيضاً. هذه هي الرسالة.
* هل تخطى هؤلاء الأعضاء الأربعة في البرلمان الخط الأحمر؟
لا أعتقد أنه ينبغي التسامح بأي شكل مع الأشخاص الذين يحرضون على الإرهاب ويدعمونه بأي شكل من الأشكال، وأعتقد ان هذا الكلام لا ينطبق على الأردن فقط، بل على المجتمع الدولي ايضاً. إذا ثبت أن أشخاصاً معينين ضالعون بشكل فعلي في التحريض على الإرهاب ودعمه، فعندها يكونون على الجانب الآخر من السور.
وما نقوله نحن في الأردن، كجزء من رسالة عمّان للعالم الإسلامي وللغرب أيضاً، هو أن علينا الاتفاق على معنى الإنسانية، وماهية القواسم المشتركة بين المسلمين والمسيحيين واليهود، الأشخاص الأتقياء الذين يؤمنون بالخير مقابل الشر. وأعتقد أن هذا هو الخط الذي نرسمه، ليس للأردن فحسب، بل لجميع البلدان.
* هل ستعيدون تحديد علاقتكم مع الأخوان المسلمين؟
عليهم ان يعيدوا تحديد علاقتهم معنا. لقد ظلوا يعملون في المنطقة الرمادية طيلة العقود الماضية. لكني أعتقد أن على المجتمع ان يقرر الآن ما هو الخير وما هو الشر. أعتقد أن أغلبية الأخوان المسلمين تريد مستقبلاً جيداً للبلد، ومستقبلاً جيداً لأولادهم. أعتقد أن في وسعنا جميعاً ان نعمل كفريق. لكن هناك بعض المبادئ. والتكفير ليس واحداً منها.
* هل يحدد العراق معالم مستقبل بلدكم وبلدان أخرى في الشرق الأوسط؟
ما يحدث في العراق له تأثيره علينا جميعاً. وهذه نتيجة منطقية لتركيبة العراق والحدود التي تحيط بالعراق. ولذلك ندعوا الله جميعاً أن يتحرك العراق في الاتجاه الصحيح. أعتقد أننا شهدنا بعض النجاحات، على الأقل فيما يتعلق بالانتخابات. فلقد تم تشكيل حكومة، وهي حكومة وحدة وطنية، تقبل الجميع كجزء من مستقبل العراق.
إذا تحسنت أوضاع العراق فسوف يصبح جزءاً من المجتمع الدولي، لكن إذا تواصل العنف الطائفي، لا سمح الله، فسوف ينزلق العراق إلى حرب أهلية. وهذا سيلحق الضرر بالمنطقة بأسرها. ومن الطبيعي أن لإيران مصلحة في مستقبل العراق، والأتراك لديهم قضية مع الأكراد، ونحن لدينا علاقات مع العراق. وإذا نشبت هناك حرب أهلية، فالجميع سيدفع الثمن. ومهما كنا بعيدين عنها، سنشعر بتأثيراتها.
* هل تعتقد أن حظ رئيس الوزراء الجديد نوري المالكي في إحراز تقدم سيكون أفضل من حظ سلفه؟
أستطيع القول إنه يقوم بعمل جيد إلى الآن. لكن لايزال أمامه الكثير من المهام الشاقة، وهو يحتاج إلى دعمنا جميعاً. وسيفعل الأردن كل ما بوسعه لدعم الحكومة العراقية ومساعدتها على التحرك إلى الأمام. ونأمل أيضاً أن تبادر أطراف أخرى في المنطقة إلى مساعدة العراقيين.
* ما هي الدروس المستفادة من الفشل في العراق، الاستقرار أولاً، الديمقراطية ثانياً؟
إنظر إلى الوراء نحو تجربتنا الأردنية. لقد قمنا بالتركيز على المظاهر الاقتصادية لضمان ملء معدة الأفراد. وعندما يكون المجتمع مرتاحاً اجتماعياً واقتصادياً، يمكننا تحقيق خطوات هائلة إلى الأمام سياسياً. وهذه إلى حد ما هي طريقة تفكير الناس في الغرب إلى الآن.
إنظر إلى العراق. لديهم الآن انتخابات، بينما يموت الكثير من الناس كل يوم. لدينا عملية انتخابية، وهذه علامة جيدة. لكن ما لم يتحقق الاستقرار، فلن يحظى العراق بالمستقبل الذي نتمناه له جميعاً. ولذلك فإن الاستقرار والإصلاح يسيران يداً بيد. لكي لا تكون هناك حرب أهلية ولا تكون هناك صراعات عنيفة. ومن منظورنا فإن الاستقرار هو الاستقرار الاقتصادي الاجتماعي. إذا حققت هذا، يمكنك أن تنتقل بعدها إلى العملية السياسية.
ترجمة: علي محمد
عن «دير شبيغل»