في الجمعة الماضية ذهبت أنا وأسرتي في رحلة جميلة إلى شاطئ الحمرية، لكي نسعد مع فصل الصيف بنشاط من أمتع الأنشطة التي نمارسها وهو نشاط السباحة. كانت شدة الرياح تحرك الأمواج بقوة، وكان الموج قوياً نوعاً ما،

فبقيت أنا وأبنائي قريبين جداً من الشاطئ نستمتع بالأمواج، نصارعها حينا، ونستسلم لها حيناً آخر، تتجرأ الأمواج أحياناً على الأطفال الصغار فتقلب أجسادهم الصغيرة رأساً على عقب فيناديني هذا ويتعلق بي ذاك وكلنا مستمتع بهذه الأجواء.

في لحظة كانت فيها موجة شديدة قد أسقطت ابني فحملته شعرت لوهلة بسيطة كم أنا مهم لهذا الفتى الصغير، إنه يشعر بالأمان حينما أكون بجانبه، يقذف برأسه على صدري وهو مطمئن بعد أن أخافته هذه الموجة، وأدركت حقيقة أنه يشعر بالسعادة وهو معي. ولكن، هل كان هو فقط من يشعر بالسعادة؟ هل كان الشعور بالأمان يغمره هو فقط؟ لابد أن أعترف وأقول: لا.

لقد كانت تلك المشاعر في خلجات نفسي وأعماقها، أجل كنت أشعر بالأمان كونهم بجانبي، إنهم لا يحمونني ولكنهم يؤنسون وحشتي، ويداعبون أفكاري، ويغمرونني بالسعادة كلما سمعت ضحكة أحدهم، ويشعرونني بالثقة كلما استنجدوا بي. ظاهر الأمر أنني أحقق لهم الأمان والسعادة، وحقيقة الأمر أن كلا منا كان يمد الآخر بطاقة عظيمة من الثقة والأمان والسعادة، كان كل منا يستمتع بكون الآخر معه.

نحن بحاجة لوجودهم معنا سواء كان ذلك في وقت اللهو أو في وقت الجد، إنهم يملأون حياتنا بالبهجة والسعادة فلماذا نتضايق من وجودهم.يذكر مؤلف كتاب: «لا تهتم بصغار الأمور»، الدكتور: ريتشارد كالسون في كتابه أنه كان يعتزل في قبو المنزل لكي يمارس نشاطه في الكتابة والتأليف، وكان يفعل ذلك لأن ابنته الصغيرة كانت تقطع عليه حبل أفكاره ونشاطه،

ولكن المفاجأة أن ابنته اكتشفت مخبأه فلحقته إلى قبوه فتضايق كثيراً لذلك. وبعد أيام من ترددها عليه بين فينة وأخرى حينما تفلت من أمها انتبه إلى أمر مهم جداً، انتبه إلى أنه يجب أن ينظر إلى السبب الحقيقي الذي يدفع ابنته إلى متابعته، والحرص على اكتشاف مكانه،

وأنه المقدار الذي تحبه به، أجل إنها شدة الحب، حينما نظر د. كارلسون هذه النظرة أدرك أن عليه ان يتصرف تصرفا آخر، لقد بدأ يتفرغ لها حينما تأتيه، ويقضي معها أجمل الأوقات، ذلك أنه كأي إنسان يحتاج أن يشعر أنه محبوب، وأنه مرغوب به.

إن روح التربية التي يمتلكها المربي تجعله ينظر إلى علاقاته بمن يربي بنظرة إيجابية، فهو يريد أن يدرك أن فائدة هذه العلاقة ليست للمربي فقط بل إنها له أيضا. نحن نحتاج إلى تقدير الذات ومن أساسيات تقدير الذات أن يشعر الإنسان أنهم يريحوننا حينما نرجع من وظائفنا

ونحن على خلاف مع رؤسائنا أو مرؤوسينا الذين قد يحرصون على تبيان رفضهم لنا، وهم يستقبلوننا حينما تغلق الأبواب، أما معاملاتنا التي نجري وراءها من دائرة إلى دائرة، وقد يكونون رفعا لنفسية زوجة قسا عليها زوجها، أو زوج أهملته زوجته.

هل ندرك الآن مدى حاجاتنا لأبنائنا؟ وهنا أود أن أذكر أن الحاجة أكبر من ذلك، فهذا المربي الأول، والقدوة للأمة بأكملها، الرسول صلى الله عليه وسلم جالس مع الحسن والحسين يقبلهما يمر عليه الأقرع بن حابس فيقول: أتقبلون ابناءكم؟ فنحن لا نقبلهم».

فرد عليه الصلاة والسلام: «وماذا أفعل وقد نزع الله الرحمة من قلبك؟ من لا يرحم لا يرحم». ونحن جميعا محتاجون إلى هذه الرحمة، وكلما رحمنا أبناءنا واستشعرنا ذلك كانت الرحمة من نصيبنا.