شأن أي مجال آخر يؤثر بشدة في حياة المواطن،تعج ساحة التعليم في كثير من الدول بشكل عام بقدر كبير من المشكلات، ولا يقتصر الأمر هنا على دولة بعينها، وإنما يمتد ليشمل معظم إن لم يكن جميع بلدان العالم، وفي مقالة عن مشكلات التعليم في بريطانيا ومعاناة الطالب نتيجة لتلك المشكلات،
يقول الكاتب البريطاني مايك بيكر إن بعض النزاعات التي تشهدها الساحة التعليمية في بريطانيا أخذت منحى قاسيا للغاية يهدد استقرار الطلبة أثناء العام الدراسي، مشيراً إلى أن النزاع بين المحاضرين في الجامعات ورؤسائهم أصبح له انعكاسات سلبية كبيرة على المجتمع التعليمي في بريطانيا، وأن الطالب هو الضحية في النهاية.
ويوضح الكاتب أن هالة كبيرة للغاية من التوتر تحيط بالاختبارات الدراسية خاصة أن الحصول على الوظيفة والالتحاق بدورات تدريبية متخصصة يعتمدان بالدرجة الأولى على التقدير أو الدرجة التي يحصل عليها الطالب أثناء سنوات الدراسة.
ومن ثم فإنه غدا من الطبيعي ، على حد تعبير الكاتب ،أن تتوتر العلاقة بين الطالب والمدرس بسبب القلق الذي يعتري الطلاب حيال مستقبلهم ، لاسيما وأن الطلاب قد دفعوا مبالغ طائلة وبذلوا جهودا كبيرة من أجل الحصول على درجات علمية تعينهم على دخول سوق العمل بشكل مناسب.
ويؤكد الكاتب أن الطرفين موضع النزاع، وهما المدرسون ورؤساء الجامعات، في بريطانيا يختلفان حول أمور أساسية مثل متوسط الأجر الذي يتلقاه المدرس والتاريخ وما يمكن تقديمه من أجل الوصول إلى تسوية في هذا الشأن.
ويشير الكاتب في هذا الشأن إلى أن هناك اتفاقا بين طرفي النزاع حول حقيقة ثابتة تتمثل في أن الرواتب الأكاديمية تخلفت في قيمتها عن الرواتب التي يتقاضها أصحاب المهن الأخرى في فترة من الفترات. غير أن الخلاف الأكبر يكمن فيما إذا كان قد تم تدارك هذا الفرق في الرواتب أم لا.
تضييق الهوة
وأوصى عدد كبير من الخبراء والاختصاصيين بتدارك هذا الأمر، حيث شُكلت لجان حكومية وغير حكومية أكد المشاركون فيها على ضرورة تضييق الهوة بين رواتب مدرسي الجامعات وأصحاب المهن الأخرى موضع المقارنة مع مهنة التدريس.
وأشار الكاتب في هذا الصدد إلى تقرير لجنة بيت في 1999 التي أوصت بزيادة كبيرة في الحد الأدنى لرواتب المدرسين والمحاضرين وأساتذة الجامعة الذين يستحقون مكافآت تتناسب مع ثقل المهام والمسؤوليات الملقاة على كواهلهم.
وعلى الجانب الآخر يرُد رؤساء الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الأخرى بالقول إن زيادة رواتب المدرسين بدأت بالفعل في عام 2001 عندما تحسن الوضع المالي للجامعات نتيجة زيادة رسوم الالتحاق بالجامعة. ويؤكد هؤلاء بالقول إنه في الفترة بين 2001و 2005 زادت رواتب مدرسي الجامعة بنسبة وصلت إلى 3,20%.
واستشهد رؤساء الجامعات ببيانات صادرة عن إحدى اللجان الحكومية التي شكلت للنظر في رواتب العاملين بالحقل التعليمي والتي أوضحت أن تلك الزيادة فاقت كل الزيادات التي تقاضها عاملون في مهن أخرى وأن تلك الزيادة تبرهن على التزامهم بتحسين أوضاع العاملين في الحقل التعليمي.
وعلى الجانب الآخر ترى النقابات المهنية الأمر بشكل مختلف ويؤكد مسؤولوها أن رؤساء الجامعات ونواب المستشارين هم الذين تلقوا زيادة وصلت إلى 25% من قيمة رواتبهم أثناء تلك الفترة.
كما أنهم يفندون أيضا قيمة الزيادة التي تلقوها ويقولون إن تلك الزيادة التي يتحدث عنها المسؤولون تم التوصل إليها عن طريق إضافة كل الزيادات التي طرأت على المكافآت والبدلات والعناصر الأخرى من الراتب في حين أن ما يعنيهم في المقام الأول هو زيادة الراتب الأساسي.
وفضلا عن ذلك تؤكد النقابات المهنية في بريطانيا التي شاركت في الشكوى من ضعف رواتب مدرسي الجامعة على أن النسبة الأكبر من المحاضرين والباحثين الأكاديميين لا يمكنهم الحصول على راتب 000,40 إسترليني قبل أن يصلوا إلى قمة الكادر الوظيفي الخاص بهم، وأن نسبة تتراوح من 12% إلى 24% فقط من الموظفين الأكاديميين هم فقط الذين يتقاضون رواتب أعلى من 000,40 إسترليني.
وأشاروا في هذا الصدد إلى أن الحكومة لم تف بوعدها الخاص بتوجيه ثلث الزيادة التي حصلت عليها الجامعات جراء رفع تكلفة الالتحاق إلى رواتب المدرسين. ورد رؤساء الجامعات بالقول إنه تم الوفاء بالكامل بهذا الوعد،
مشيرين إلى أن الدخل الخاص بزيادة مصاريف الالتحاق بالجامعات سيبلغ 3,1 مليار جنيه إسترليني بحلول عامي 2008-2009 وأنه على الرغم من ذلك فإن الزيادة في دخول المدرسين ستبلغ 6,1 مليار إسترليني على الأقل بحلول العام المذكور.
غير أن الاتحادات النقابية لا تتفق مع هذا القول وتوضح أن منح التدريس المرسلة إلى خزائن الجامعات ستزيد بنسبة 8,5% العام المقبل وأن هذه الزيادة منفصلة عن الزيادة الخاصة بارتفاع تكلفة الانضمام إلى الجامعات،
وأنه لا يمكن في ضوء تلك الزيادة في الدخول تفهم كيف أنه من الصعب أو غير المستطاع أن تتم زيادة رواتب المدرسين بنسبة 3% خلال العام المقبل وزيادة أخرى في العام التالي، كما تدعي إدارات تلك الجامعات.
تأثير سلبي
وإلى جانب الخلاف المالي حول الرواتب هناك سلسلة اخرى من الخلافات بين الطرفين لا شك أنها تؤثر بالسلب على العملية الدراسية برمتها وتحول دون توفير مناخ ملائم للطلاب. وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى مشكلة ارتفاع تكلفة التعليم ذاتها والتي تمثل صداعا مزمنا في رؤوس أولياء الأمور الذين يجدون أنفسهم في بداية كل عام دراسي أمام مشكلات لا حصر لها
بسبب الزيادة المستمرة في تكلفة العملية التعليمية في ضوء الارتفاع المستمر في مصاريف الجامعات والمدارس الخاصة، ناهيك عن المصاريف المتعلقة بانتقال الطلبة والدروس الخصوصية وغيرها من المعوقات المالية التي لا تستطيع الحكومات إيجاد حل لها حتى الآن.
فقد أصبحت بداية الدراسة تمثل أزمة حقيقية في أغلب البيوت تحاول الأسر تسويتها بأي طريقة سواء عن طريق قرض بضمان المرتب، أو الشراء بالتقسيط وما شابه ذلك. ولكن مع الارتفاع المستمر للأسعار وتكاليف الدراسة لا تستطيع الأسر تغطية أعباء الدراسة،
خاصة أن العادات والتقاليد تحكم ذلك في كثير من المجتمعات؛ فالأسر التي تعلم أبناءها ترفض التحاق الابن بالمدرسة بزي قديم أو زي أقل جودة من زملائه؛ خوفا على مشاعر الابن. ودعا عدد من الباحثين الذين قاموا بدراسات مختلفة في هذا الشأن إلى تدخل الدولة بشكل أو بآخر لفرض زي موحد على طلاب المرحلة التعليمية،
كما هي الحال في بعض الدول، تراعى فيه معقولية السعر وجودة الخامة وذلك حتى لا تأتي الخطوة بنتائج عكسية، مثل تنفير الطالب من العملية التعليمية بشكل عام، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وعدم توافر فرص عمل للخريجين.
خلاصة القول، وفقا للكاتب مايك بيكر، هي أنه يتعين العمل على جميع الأصعدة الرسمية وغير الرسمية من أجل توفير مناخ ملائم للطلبة الذين هم من سيتحملون تبعات ومسؤوليات أوطانهم في المستقبل.
إعداد وترجمة: حاتم حسين


