الفراغ.. ذلك الوقت الذي يستطيع فيه الفرد أن يحقق اشباعاً لأغراضه وانجازاً لأهدافه الشخصية، هكذا يعرف عالم الاجتماع الشهير «دي مازدييه» وقت الفراغ، فإلى أي مدى يؤمن أبناؤنا وبناتنا الطلبة بهذا التعريف؟
خاصة أنهم يعيشون حاليا فراغاً كبيراً بسبب العطلة الصيفية الممتدة حتى شهر سبتمبر المقبل، وماذا عن البنات تحديداً وكيفية استثمارهن لاجازة الصيف؟ ولماذا يستغلها بعضهن في السفر والتبرج خلال السهرات الصيفية والتسوق ؟
وعن أفضل الطرق من وجهة نظرها لقضاء وقت الفراغ قالت هدى عمر طالبة في كليات التقنية العليا بدبي انه نعمة يجب اغتنامها على خير وجه فيما يعود على المرء بالنفع والفائدة، وقد ينقلب في الوقت نفسه الى نقمة في حال أساء التعامل مع الآخرين بدافع من الملل والفراغ، وشأنه في ذلك شأن الكثير من أمورالدنيا، مثل المال والعلم والجمال، لأن جميعها تشكل أسلحة ذات حدين أحدهما يمثل الخير بينما يعكس الثاني الشر.
وعن اجازتها الصيفية أوضحت هدى أنها تزمع بعد مرحلة التأسيس في الكلية أن تتخصص في مجال الاعلام، وحتى يسهل عليها استيعاب مواد التخصص خلال الفصل الدراسي الاول المقبل زارت المكتبة الالكترونية في منطقة أم سقيم التابعة لبلدية دبي لاثراء معلوماتها في مجال الاعلام محليا وعالميا، وتعرفت عن طريق الأقراص المدمجة المتوفرة هناك الى الكثير من الكتب المتصلة بمجال الاعلام باللغتين العربية والانجليزية،
خصوصا تلك التي تسلط الضوء على الفروع الاعلامية المتباينة من صحافة واذاعة وتلفزيون وعلاقات عامة، ناهيك عن متعة القراءة في تجارب واقعية مر بها اعلاميون محترفون من مختلف دول العالم، ونجح بعضهم في تعديل مجرى الاحداث من خلال متابعاتهم وتغطياتهم الاعلامية المتميزة.
ضقت ذرعاً
وفي الاتجاه المعاكس للرأي السابق عبرت مها مبارك طالبة في المرحلة الاعدادية عن أساها الشديد بسبب الوصاية المفروضة على الفتاة التي تشعر بأن كافة تصرفاتها وتعابير وجهها خاضعة تحت مجهر المراقبة والمحاسبة الدائمين من قبل كل من حولها، ولاتشعر بذلك معظم شهور السنة نظرا لانشغالها بالدراسة، غير أن العطلة الصيفية تأتي لتقلب الموازين،
ويتعاظم شعورها بالضجر والضيق نتيجة الفراغ الذي تعاني منه، مما يولد احساسا دائما لديها بالضجر لو كان الأمر بسيطا، لأنها تستشعر التمييز بينها وشقيقها الذي يصغرها بعام واحد، بحيث يسرح ويمرح بصحبة رفاقه بينما يحظر عليها الخروج لتمضية الوقت في حضور السينما أو التنزه مع صديقاتها من المدرسة.
وأضافت أن عزاءها الوحيد في ضيقها هذا يكمن في تملكها لجهاز كمبيوتر خاص بها يوصلها بالناس من شتى الاعمار والجنسيات في العالم عبر غرف الدردشة بحيث لايتطلب الامرمنك سوى بضع «نقرات» على الجهاز حتى تكون علاقات واتصالات عديدة، لذلك تقضي معها الساعات الطوال وحيدة في غرفة منهمكة في المحادثات التي تستمر حتى الصباح.
وبينت الطالبة زينب عباس أن الكثيرات يلجأن الى شبكة الانترنت للتغلب على أوقات الفراغ المفزعة، فيما يعبر بعضهن عن نفسه خلال الماكياج وتطوير أساليب العناية بالجمال، ولا تتردد فتيات آخريات في صرف الآلاف بدورة مدتها اسبوع واحد حول فن وضع الماكياج
أما عن اسوأ الحالات هي تلك التي ترى فيها الفتيات يبددن وقتهن في السهر على متابعة الشاشة الفضية حتى الصباح، والتجول في الاسواق والمراكز التسوق بدون غاية سوى تزجية الوقت.
السفر وفوائده
وعبرت سلمى خليفة عن سعادتها واحتفائها الشديدين بالعطلة الصيفية لأنها تعطيها متنفساً سنوياً للترحال إلى بقعة جديدة من العالم بصحبة الأهل، ولأن للسفر سبع فوائد فان سلمى تضع خططاً مسبقة لتطبيق برنامج معين طوال فترة تواجدها في البلد المستهدف،
بحسب طبيعة هذا البلد وما يشتهر به، وبصورة عامة لاتغفل أن تزور المتاحف والمعارض الفنية في كل محطة سياحية، كما تحرص على التردد على الأماكن الأثرية والحضارية التي تميز دولة معينة لتلتقط الصور التذكارية.
وأوضحت عنود عبدالله طالبة في الثانوية أنها تعشق التسوق كثيراً وتحاول جاهدة مقاومة هوايتها المفضلة في أثناء انشغالها بالدراسة، أما خلال الاجازات فحدث ولاحرج، لأنها كغيرها من الفتيات في مثل عمرها تهتم كثيراً بمتابعة أحدث خطوط الموضة في الماكياج والملابس والأزياء بمختلف ميادينها،
وتتمنى بعد أن تستكمل دراستها الجامعية أن تلتحق بوظيفة وتدير في الوقت ذاته مشروعا خاصا بها شريطة أن يدور حول موضوعات الموضة كصالونات التجميل على سبيل المثال.
واتفقت معها منى حسين التي أردفت في أن الحاجة أم الاختراع وتعتقد إن كان لها من أب فانه الفراغ عينه، وخير دليل على ذلك أن استغلال وقت الفراغ بالأمور الايجابية مثل ممارسة الرياضة البدنية وزيادة الرصيد الثقافي للشخص عبر القراءة والاطلاع في الكتب الجادة، وصقل المهارات والمواهب التي يتمتع بها.
استثمار الفراغ
وقالت منى جمال انه لايختلف اثنان على أن الفتيات أقل حظا من الفتيان من ناحية الحرية المتاحة لهن، فمهما كانت نواياهن حسنة فان طبيعة المجتمع الشرقي تفرض عليهن قيوداً قد تحد في بعض الأحيان من حركتهن،
الا أن ذلك لا يعني أن يخضعن ويستسلمن للأمر الواقع بأن يتحولن بدورهن الى سلبيات ويدعين بأنهن لسن سوى ضحيات، لأن الوقت من ذهب كما يقال وأثمن من أن نهدره على القيام بأنشطة وممارسات قد تضرنا أكثر مما تنفعنا، والواعيات الجادات سوف يجدن سبيلا للخروج من دوامة الفراغ، وعلى الجميع إدراك أن هناك من يبحث عن يوم واحد فقط يتفرغ لتطوير مجتمعه ثقافياً واجتماعياً ودينياً وبيئيا واقتصادياً من خلال الارتقاء بنفسه،
مشيرة إلى أن المجتمع الياباني مثالا يحتذى، فقد قفز خطوات كبيرة في سبيل انماء ثقافته وتطورها عبر وسائل خفضت من وقت الفراغ الحر، وطورت في المقابل أساليب العمل بادخال بعض الوسائل التي تجهلها غيرها من المجتمعات.
ولفتت الى أنها اكتشفت وجود منظمة خاصة بالفراغ أصدرت ميثاقا أطلق عليه «ميثاق الفراغ» يدعو الى ضرورة الاستفادة من الفراغ وتطوير أساليب تحقيق المنفعة الشخصية منه.
تضافر الجهود
وصرحت خلود ابراهيم بأن مختلف المؤسسات العاملة في المجتمع مطالبة بأن تلعب دورا فاعلا في استثمار أوقات فراغ الشباب خصوصا الطلبة منهم، في مشاريع تربط المدرسة أوالكلية بأسرة الطالب من جهة والنوادي الرياضية أو الثقافية من جهة ثانية خلال الاجازات،
حتى تتبنى خططا وفعاليات تمتص الطاقات البدنية والذهنية التي يتمتع بها الطلبة في مثل هذه المرحلة العمرية، بدلا من تضييع الوقت الثمين في التسكع في جميع المراكز التجارية مع الرفاق بلاهدف، بالاضافة الى التسبب في وقوع الحوادث المرورية جراء سرقة السيارة من أحد أفراد الاسرة في لحظة غفلة منه،
والتنقل بين المتنزهات والأسواق والشوارع الرئيسية بالدراجات النارية الخطيرة، وهو السيناريو المتكرر في كل صيف من كل عام بحيث ترتفع أعداد الحوادث المرورية التي يتسبب في وقوعها فئة الشباب.
قدوة حسنة
من جهتها أشادت الطالبة حمده بالجهود القائمة فعليا على أرض الواقع، التي تبذلها الجهات المعنية مثل وزارة التربية والتعليم بالتنسيق مع المناطق التعليمية خلال العطلة الصيفية، عبر تنظيم الفعاليات الصيفية الجذابة التي تحتضن الطلبة وأولياء أمورهم في دورات ومسابقات مسلية ومفيدة، موضحة انها تحاول أن تستفيد من فترة الاجازات دائما،
خصوصا وأنها زوجة وأم لأطفال تسعى حثيثا لان تنشئهم التنشئة الصالحة، لذلك يجب أن تبدأ بنفسها حتى تكون قدوة حسنة لجميع أبنائها الذين هم في حاجة الى تمضية أوقات فراغهم بما يفيدهم، لذلك ستعكف خلال هذه الاجازة على متابعة أخبار الانشطة المقامة التي يجدر بها ان تصطحب أطفالها اليها، طالما مزجت بين المرح والفائدة والتوعية.
واكتفت زينب اسحق بأن قالت ان الفراغ قاد العديدين ممن أساؤوا استغلاله الى الهلاك انطلاقا من مبدأ «جرب بنفسك، حتى تعرف» التي تتردد على مسامعنا طوال الوقت، فيما سما بالرواد المتفوقين الى علياء التميز حينما سخروا أوقات فراغهم في القيام بأمور مثمرة في خدمة قضايا ورؤى اجتماعية وانسانية هادفة.
دبي ـ لولوة ثاني


