تنتقل دائرة الضوء هنا من عالمنا العربي إلى ساحة أكثر اتساعاً، هي القارة الآسيوية، التي توضح وثائق ميتروخين أنها كانت الساحة التي شهدت أكبر الانتصارات السوفييتية خلال الحرب الباردة، من دون أن يعني ذلك غياب النكسات الجزئية، ويتركز الضوء بصفة خاصة في بكين وشبه القارة الهندية.
توضح وثائق متروخين كيف غزت الشيوعية أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وهي الصين، كما غزت جارتها كوريا الشمالية وكل دول الهند الصينية (فيتنام الشمالية والجنوبية ولاوس وكمبوديا) وأفغانستان. إلا أنه اعتباراً من أوائل عقد الستينات من القرن العشرين أصبحت مناطق مهمة في القارة الآسيوية تشكل أصعب هدف لعمليات الاستخبارات الخارجية السوفييتية.
فقد حول ماوتسي تونغ وكيم إيل سونغ بلديهما إلى مجتمعين مغلقين أمنياً، ما جعل من الصعب على «كي جي بي» تنفيذ عمليات استخباراتية تذكر. ولم يتخيل ستالين للحظة أن ماو وكيم سيقدمان في يوم من الأيام على رفض زعامة موسكو للعالم الشيوعي، إلا أن بكين سرعان ما أصبحت عاصمة منافسة لموسكو في الاستقطاب الشيوعي.
كما حرم قرار الحزب الشيوعي الياباني، الذي يصدر أكبر حزب غير حاكم في آسيا بالوقوف في صف الشيوعية الصينية، «كي جي بي» من رصيد استخباري مهم، وحوله إلى هدف معاد. وشكا الحزب الشيوعي الياباني من أن جناحه الموالي لموسكو والذي يمثل أقلية في داخله، يلقى مساعدة من جانب الجواسيس والعملاء السوفييت.
الصين تقاوم الاختراق
يفيد الكتاب أن التعاون بين الاستخبارات السوفييتية والحزب الشيوعي الصيني يعود إلى عقد العشرينات من القرن الماضي. فقد عثرت الشرطة عندما أغارت على القنصلية السوفييتية في بكين عام 1927 على كم كبير من الوثائق حول التجسس السوفييتي في الصين وتورط الحزب الشيوعي الصيني والتعليمات الموجهة له من موسكو بتنفيذ مهام محددة. ووفقاً لمصادر سوفييتية فقد نجحت الاستخبارات السوفييتية خلال عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي في إقامة شبكة مخابرات هائلة في الأراضي الصينية.
وقد مرت العلاقات الصينية ـ السوفييتية بمرحلتين في غاية التباين. فبعد قيام جمهورية الصين الشعبية في أكتوبر 1949 شهدت العلاقات بين البلدين عقداً من «الصداقة الأبدية» بين أكبر دولتين اشتراكيتين في العالم، ثم جاء عقد «العداء الأبدي اعتباراً من مطلع الستينات وخلال العقد الأول كان هناك تعاون وثيق بين الاستخبارات السوفييتية والصينية.
وبناء على تعليمات خروشوف واصل جهاز «كي جي بي» تزويد حلفائه الصينيين بتفاصيل شبكاته الاستخباراتية في الصين. وحتى عام 1957 كانت الصين تمنح العديد من عملاء «كي جي بي» من أصول عرقية صينية ومنغولية وتركية وكورية هويات مزورة، وذلك بالتعاون مع وزارة الأمن العام الصينية، قبل إرسالهم للقيام بأولى مهامهم الخارجية.
إلا أنه في عام 1958 بدأت «الصداقة الأبدية» تشهد فترة من الفتور خاصة بعد أن رفضت بكين بشدة اقتراحات من خروشوف بتشكيل أسطول بحري روسي ـ صيني مشترك تحت قيادة أدميرال روسي. يقول المؤلف إنه بعد نحو نصف قرن من قيام الثورة الروسية دأب الاتحاد السوفييتي على الاعتماد على الولاء التام للأحزاب الشيوعية الأخرى في مختلف أنحاء العالم،
إلا أنه مع تزايد الخلافات مع الصين أصبحت موسكو مهددة من الحكام الشيوعيين لأكبر دولة في العالم. وتزايدت مخاوف موسكو مع نجاح بكين الباهر في العالم الثالث. ففي آسيا أقامت جمهورية الصين الشعبية علاقات وثيقة مع باكستان وبورما وإندونيسيا.
وخلال عام 1964 أقامت بكين علاقات دبلوماسية مع 14 دولة إفريقية سحبت جميعها الاعتراف بنظام تايوان. وأدت التجربة الناجحة لأول قنبلة ذرية للصين في أكتوبر 1964 إلى تعزيز مكانتها الدولية في العالم الثالث وتزايد شعور الاتحاد السوفييتي بالتهديد الذي تشكله الصين.
عندئذ تم إبلاغ مقار «كي جي بي» في مناطق عديدة بالعالم باعتبار الصين من الأولويات الرئيسية في عملياته بعد العدو الرئيسي (أي الولايات المتحدة) مباشرة. وفي المقابل قامت الصين بالتخلص من معظم عملاء «كي جي بي» من الصينيين الذين كانت وزارة أمن الدولة الصينية قد حصلت على أسمائهم الحقيقية من موسكو.
وبالتالي فقد اعتمد جهاز «كي جي بي» في عملياته ضد الصين على العمليات التي تتم خارج الصين نفسها، وأدت الثورة الثقافية التي أطلقها ماو في عام 1966 إلى تحويل الصين إلى مكان أصعب وأخطر بالنسبة لعمليات «كي جي بي» من أي مكان آخر في العالم. وأصبحت عملية تجنيد عملاء داخل الصين خلال فترة الثورة الثقافية مهمة مستحيلة.
وفي ابريل 1966 تفاقم الوضع بين الاتحاد السوفييتي والصين وعززت موسكو نشر قواتها على الحدود مع الصين بطول 4000 ميل وهي أطول حدود في العالم. وبمرور الأشهر تم نشر نحو ثلث القوة العسكرية السوفييتية ضد جمهورية الصين الشعبية. وكانت موسكو تخشى أن يفكر ماو في استعادة أجزاء كبيرة من الأراضي كانت قد استولت عليها روسيا القيصرية بمقتضى اتفاقيات غير متكافئة تم إبرامها خلال القرن التاسع عشر.
وخلال عام 1969 وقعت مناوشات عسكرية على طول الحدود. مع تزايد حملة التهديدات السوفييتية، لعبت الصين بالورقة الأميركية، حيث قررت بكين الدخول في محادثات سرية مع الولايات المتحدة أدت إلى قيام الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بزيارته التاريخية لبكين في عام 1972 وحدث تقارب صيني ـ أميركي لم يكن أحد يتصوره قبل ذلك بأعوام قليلة.
وخلال زيارة نيكسون قدم هنري كيسنجر للعسكريين الصينيين معلومات استخبارية حول أوضاع انتشار القوات السوفييتية على الحدود الصينية، وأبلغهم بأن هذه المعلومات سرية للغاية حتى أن كبار مسؤولي الاستخبارات الأميركية لم يطلعوا عليها. وفي يناير 1978 تم إبلاغ عملاء «كي جي بي» بأن نظام دينج شياو بنغ ينتهج طريقاً سيؤدي إلى التصادم مع الاتحاد السوفييتي وأن تحديث القوات المسلحة الصينية بمساعدة غربية يمثل «خطراً كبيراً».
وعلى الرغم من ذلك فإن العمليات الاستخبارية السوفييتية ضد الصين واجهت صعوبات كبيرة نتيجة للإجراءات الصينية المضادة، وفشلت معظم محاولات جمع المعلومات، ووجد العملاء السوفييت صعوبة شديدة في اختراق أهداف صينية، وأصبحت أية عملية اختراق أهداف صينية مهمة أكثر صعوبة بكثير من مهمة اختراق أهداف غربية.
بين واشنطن وطوكيو
يقول المؤلف إنه طوال فترة الحرب الباردة كانت الأولوية الرئيسية لمقر «كي جي بي» في طوكيو هي القيام بإجراءات نشطة لضرب إسفين بين اليابان والولايات المتحدة، وجاءت الفرصة الأولى مع الدخول في مفاوضات لتعديل معاهدة للأمن في يناير 1960.
وبدأت الحملة ضد التصديق على المعاهدة من جانب الحزب الاشتراكي الياباني والحزب الشيوعي الياباني والمجلس العام للنقابات العمالية واتحاد الطلاب ليتحول الأمر إلى أكبر حركة جماهيرية في التاريخ السياسي الياباني. وفي ذروة الاحتجاجات خلال شهري مايو ويونيو 1960 شارك عدة ملايين من سكان طوكيو والمدن الرئيسية الأخرى في مظاهرات بالشوارع وإضرابات عن العمل وفي اجتماعات احتجاجاً على التصديق على المعاهدة.
كما نجح مقر «كي جي بي» في طوكيو في نشر الملاحق السرية لمعاهدة الأمن ومن بينها استمرار العمل باتفاقية 1951 حول استخدام القوات الأميركية لقمع أعمال الشغب المدنية وتوسيع نطاق التعاون العسكري الأميركي ـ الياباني ليشمل كافة أرجاء الشرق الأقصى من الساحل السوفييتي الى الساحل الصيني على المحيط الهادي.
وعلى الرغم من النجاح التكتيكي الذي حققه جهاز «كي جي بي»، إلا ان اهميته الاستراتيجية كانت محدودة. فبعد مرور بضعة أيام صدق البرلمان الياباني «الدايت» على المعاهدة.. وأدى استقالة حكومة كيشي بعد ذلك الى تهدئة حدة المظاهرات، وفشل اليسار في تحويل المعاهدة الى قضية رئيسية في انتخابات نوفمبر التي فاز فيها الحزب الديمقراطي الليبرالي بأغلبية مريحة ولم يحصل الحزب الشيوعي الياباني سوى أقل من 3% وفاز بثلاثة مقاعد فقط.
ويقول المؤلف إنه نظراً لكون اليابان عضواً في حلف الناتو فقد ركز «كي جي بي» على مستوى عملياته ووضع مقر طوكيو للاستخبارات السوفييتية مجموعة من «العمليات الخاصة» وفي صدارتها القيام بأعمال تخريبية خلف خطوط العدو من بينها ضرب منشآت يابانية وأميركية.
ففي عام 1962، على سبيل المثال، أعد مقر طوكيو خططاً للقيام بأعمال تخريبية في أربع مصاف رئيسية للنفط في مناطق مختلفة باليابان، بالإضافة الى القواعد الأميركية في أوكيناوا. كما تم توجيه تعليمات إلى مقر طوكيو برصد وتحديد قواعد عسكرية في مناطق نائية من اليابان لتقوم مجموعات تخريبية واستخباراتية باستهدافها.
ومن بين الخطط التخريبية التي وضعها مقر «كي جي بي» في طوكيو شن هجوم على مكتبة المركز الثقافي الأميركي في طوكيو يتزامن مع المظاهرات المناهضة لحرب فيتنام في اكتوبر 1965، كما خطط مقر «كي جي بي» لنشر مادة مشعة في خليج اليابان بحيث تتجه أصابع الاتهام الى الغواصات النووية الأميركية، التي تستخدم قاعدة يوكوسوكا البحرية، مما يثير احتجاجات عنيفة.
إلا ان مركز «كي جي بي» رفض اعتماد هذه الخطة نظراً لصعوبة الحصول على المادة المشعة المناسبة من الولايات المتحدة.
وخطر رصد مصدرها الحقيقي وبعد ذلك بعامين تراجعت بصورة كبيرة العمليات الخاصة ل«كي جي بي» خاصة بعد هروب أوليغ ليالين أحد كبار ضباط هذه العمليات في «كي جي بي» الى لندن.
وخلال عقد السبعينات تزايدت عمليات «كي جي بي» الخاصة بجمع معلومات علمية وتقنية. ففي يونيو 1971 زود العميل «توندا» الذي كان يتولى رئاسة إحدى الشركات التقنية في منطقة طوكيو مقر «كي جي بي» في طوكيو بوثائق سرية خاصة بنظام كمبيوتر مايكرو الكتروني جديد تم تطويره لصالح القوات الجوية والصاروخية الأميركية.
وكان من بين أهم عملاء الاستخبارات السوفييتية في تلك الفترة شخص اسمه الحركي «تاني» وهو صاحب إحدى الشركات المتخصصة في تصميم أشباه الموصلات. وقد حدد فاسيلي ميتروخين في ملاحظاته على ملفات «كي جي بي» 16 عميلاً كانوا يحتلون مراكز مهمة في الشركات التقنية ومراكز الأبحاث العلمية اليابانية خلال عقد السبعينات.
الهند علاقة خاصة
تؤكد وثائق متروخين ان الهند كانت أهم دولة بالعالم الثالث ركز فيها جهاز «كي جي بي» عملياته خلال الحرب الباردة، رغم انه خلال عصر ستالين، كان ينظر اليها على انها ألعوبة إمبريالية، بل ان الموسوعة السوفييتية تصف المهاتما غاندي بأنه «رجعي خان شعبه وساعد الإمبرياليين» والوصف نفسه أطلق على جواهر لال نهرو أو رئيس وزراء الهند بعد الاستقلال. واستمر وصف نهرو بالرجعي حتى وفاة ستالين في عام 1953.
وخلال السنوات الأولى من استقلال الهند، كان فرع الاستخبارات في نيودلهي يعترض الكثير من المراسلات السرية من موسكو إلى الحزب الشيوعي الهندي. ويقول ب. ن. مالك الذي تولى رئاسة فرع الاستخبارات الهندي حتى أوائل الخمسينات من القرن الماضي «إن كل تعليمة كانت تصدر من موسكو تعبر عن ضرورة وأهمية أن يقوم الحزب الشيوعي الهندي بالإطاحة بحكومة نهرو الرجعية».
وعلى الرغم من نجاح الاستخبارات الهندية في رصد الكثير من أنشطة «كي جي بي» في فترة الخمسينات، إلا أن الاستخبارات السوفييتية حققت نجاحاً كبيراً في تلك الفترة في اختراق السفارة الهندية في موسكو، حيث قامت بتجنيد عدد من كبار الدبلوماسيين الذين ساعدوا «كي جي بي» في معرفة الشيفرة السرية للسفارة والعديد من الأسرار الأخرى.
ووفقاً لملفات «كي جي بي» فإنه خلال عقد الستينات تمكنت موسكو من قلب الطاولة على الاستخبارات الهندية، ونجحت في اختراقها واختراق وزارات هندية عديدة. وخلال السبعينات اخترق جهاز «كي جي بي» جميع مستويات الحكومة الهندية برئاسة أنديرا غاندي، وغدا مصدراً رئيسياً للدعم الفقري لحزب المؤتمر الذي كانت تتزعمه.
ووفقاً لملفات متروخين فقد أصبح نشاط «كي جي بي» في الهند في تلك الفترة يمثل أهم وأكبر عمليات الاستخبارات السوفييتية خارج الكتلة الشيوعية. ويقول المؤلف إن حقائب المال كانت تنقل بانتظام لمنزل رئيسة الوزراء الهندية لتمويل حزب المؤتمر كما كشفت الوثائق السرية ضمن ملفات ميتروخين عن أن تسعة من مرشحي حزب المؤتمر في انتخابات عام 1977 التي خسرتها انديرا كانوا على صلة بالاستخبارات السوفييتية.
وعندما عادت أنديرا غاندي إلى الحكم في عام 1980 سعى جهاز «كي جي بي» إلى التأثير على سياسة الحكومة بتغذية وتعزيز شكوك غاندي بشأن مؤامرات تحيكها ضدها وكالة الاستخبارات الأميركية «السي آي ايه»، وذلك عن طريق معلومات مضللة مدعومة بوثائق مزيفة يقوم عملاء «كي جي بي» بتسريبها إلى الصحافة.
وحين خلف راجيف أمه عقب اغتيالها في عام 1984، استمرت الاستخبارات السوفييتية في ترغيبه وترهيبه عن طريق حفلات استقبال باذخة وسرد المزيد من الروايات الملفقة حول مؤامرات «السي آي إيه». واستمر اختراق «كي جي بي» لمختلف مستويات الحياة السياسية الهندية حتى أواخر الثمانينات، عندما انهارت العلاقة بين الجانبين، بعد أن خسر راجيف السلطة وبدأ تفكك الاتحاد السوفييتي ذاته.
في باكستان
يشير المؤلف إلى أن علاقة الاتحاد السوفييتي الخاصة مع الهند قلصت إلى حد كبير نفوذ موسكو في باكستان، وذات مرة شكا أندريه غروميكو وزير الخارجية السوفييتي من الشبكة العنكبوتية الغربية التي وقعت فيها باكستان منذ بدايات وجودها كدولة مستقلة. كما وجد «كي جي بي» صعوبة بالغة في اختراق الأنظمة العسكرية الاستبدادية التي حكمت باكستان خلال معظم سنوات الحرب الباردة. كما تم فرض حظر على أنشطة الحزب الشيوعي الباكستاني في عام 1951 مما جعله يشكل أهمية ضعيفة جداً بالمقارنة بنظيره الهندي القوي.
ووفقاً لملفات «كي جي بي» التي يشتمل عليها أرشيف متروخين، فإن 20 من كبار الشيوعيين، في كراتشي وحيدر اباد قد شكلوا حزباً سرياً صغيراً تحت اسم «لجنة إقليم السند» والذي حافظ على اتصالات سرية مع مقر «كي جي بي» في كراتشي.
وكان هذا الحزب يحصل على دعم سنوي من الاتحاد السوفييتي أخذ في التزايد حتى وصل إلى ما يتراوح بين 25 ـ 30 ألف دولار في منتصف السبعينات من القرن الماضي.
كما حصل حزب شيوعي سري صغير آخر في باكستان الشرقية على تمويل سري. وعلى الرغم من عدم قدرة «كي جي بي» على اختراق حاشية أول حاكم عسكري لباكستان، وهو جنرال أيوب خان (1958 ـ 1969) إلا أنه حصل على معلومات استخباراتية جيدة بشأن سياسته الخارجية، وذلك نتيجة لتجنيد مجموعة من العملاء داخل وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي الباكستاني، قاموا بتزويد «كي جي بي» بشيفرة البرقيات الدبلوماسية وكيفية فك هذه الشيفرة.
وأشارت ملفات ميتروخين إلى نجاح «كي جي بي» في تجنيد دبلوماسي باكستاني بارز اسمه الحركي «غريم» تم تجنيده في عام 1965 وأصبح بعد ذلك سفيراً، ويقال إنه قدم معلومات على درجة عالية من الأهمية، إلا أن عميل «كي جي بي» الوحيد بوزارة الخارجية الباكستانية الذي تم الكشف عن هويته هو أبو سيد حسن (واسمه الحركي غوليام) الذي تم تجنيده في عام 1966.
وبعد تجنيده عمل في قسم الشؤون السوفييتية بالوزارة، وخلال السبعينات عمل كسكرتير ثالث في المفوضية العليا في بومباي، وكسكرتير ثان في المملكة العربية السعودية ورئيس قسم الشؤون الإدارية بالوزارة، وفي 1979، قبل وفاته بعام، انتقل إلى وزارة الثقافة والشباب والرياضة.
كما نجح جهاز «كي جي بي» في اختراق شيفرة القيادة العليا للجيش الباكستاني نتيجة لتجنيدها عملاء داخل مركز الاتصالات العسكرية. ويقول المؤلف إن الهدف الرئيسي من إجراءات «كي جي بي» النشطة في باكستان خلال حكم أيوب خان وبعده كان نشر الشكوك بشأن الولايات المتحدة ثم الصين في مرحلة لاحقة.
وقد خدم التحول السياسي بشبه القارة الهندية، الذي تجسد في انفصال باكستان الشرقية عن باكستان الغربية، مصالح موسكو، فقد تعززت العلاقة الخاصة بين الهند والاتحاد السوفييتي ووصلت مكانة أنديرا غاندي إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، بينما ضعفت مكانة باكستان مع استقلال بنغلاديش.
كما تولى مرشحون تفضلهم موسكو مقاليد الحكم سواء في إسلام آباد أو دكا، حيث وصل ذو الفقار علي بوتو إلى كرسي الحكم في باكستان بعد استقالة يحيى خان في أعقاب الهزيمة خلال الحرب مع الهند، وفي 10 يناير 1972 عاد مجيب الرحمن من الأسر في باكستان الغربية، وتم استقباله استقبال الإبطال في دكا.
وعلى الرغم من أن بوتو قام بتأميم ما يزيد على ثلاثين من الشركات الكبرى في عشر صناعات رئيسية في يناير 1972، وزار موسكو في مارس، فقد كانت للكرملين تحفظات تجاهه (سواء كرئيس أو بعد انتخابات 1973 كرئيس للوزراء). فقد أثارت سياسته الخارجية وصداقته مع الصين حنين موسكو.
وبناء على طلب بوتو اعترضت الصين على انضمام بنغلاديش للأمم المتحدة حتى تقوم بتسليم كل الأفراد الباكستانيين الذين تم أسرهم بعد الحرب، كما قامت الصين بمساعدة باكستان في بناء أول مصانع للأشغال الهندسية الثقيلة بالإضافة إلى تزويدها بالأسلحة.
ووفقاً لإحصاءات «كي جي بي» فقد ازدادت الإجراءات النشطة في بنغلاديش من 90 عملية في عام 1978 إلى 200 في عام 1979 وتضمنت عشرين عميلاً، كما زعم جهاز «كي جي بي» انه سرب 101 مقالة إلى الصحف ونظم 44 اجتماعا لنشر معلومات مضللة عن وجود مؤامرات تحيكها «السي آي إيه» ضد نظام ضياء الرحمن.
وفي الانتخابات العامة التي جرت في عام 1979، والتي يقال إنها كانت نزيهة إلى حد كبير، فاز الحزب الوطني البنغالي الذي يتزعمه ضياء الرحمن بـ 207 مقاعد من أصل 300 مقعد، ومع ذلك لم ينجح ضياء الرحمن مطلقاً في حل المشكلات الناتجة عن القلاقل داخل القوات المسلحة، وبعد نجاته من عدة محاولات، تم اغتياله خلال زيارة قام بها لمدينة شيتاغونغ الجنوبية في 29 مايو 1981.
ويقول المؤلف إن الغزو السوفييتي لأفغانستان في ديسمبر 1979 قلب الموازين وجعل باكستان وبنغلاديش تتخذان موقفاً معادياً من موسكو، بل إن الرئيس الباكستاني ضياء الحق بدأ يضغط على إدارة كارتر لتزويد المجاهدين الأفغان بالأسلحة وتقديم المساعدة لهم، وفي فبراير 1980 زار مستشار الأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريجنسكي باكستان للاتفاق مع ضياء الحق على مساعدات أميركية سرية للمجاهدين الأفغان يتم نقلها عبر الحدود الباكستانية،
وأدى اللقاء الذي جمع بين ضياء وبريجنسكي إلى تحالف أميركي ـ باكستاني سري للتدخل في أفغانستان. وقد استمر هذا التحالف حتى نهاية الحرب وانسحاب القوات السوفييتية، وبعد مغادرة بريجنسكي لإسلام آباد، أعلن غروميكو أن باكستان تقامر بأمنها من خلال القيام بدور منصة الانطلاق لمزيد من العمليات العدوانية ضد أفغانستان.
بعد ذلك تزايدت الأعمال الاستخباراتية ضد باكستان ولعب جهاز «كي جي بي» بورقة الحركات الانفصالية للبلوش والبشتون وهدد بمساعدتها إذا تم استخدام باكستان كقاعدة للنضال المسلح ضد أفغانستان. كما سرب «كي جي بي» معلومات مضللة عن بعض كبار الضباط الباكستانيين، المعارضين لسياسة ضياء تجاه أفغانستان، يتآمرون ضده،
كما قام الجهاز بتوزيع منشورات باللغتين الإنجليزية والأوردية توحي بأنها من إعداد مجموعة معارضة سرية داخل الجيش الباكستاني. ووفقاً لتقرير ل«كي جي بي» فقد بدأت أجهزة الأمن الباكستانية تحقيقاً فورياً ووجهت الاتهام لنائب رئيس الأركان الليفتنانت جنرال محمد إقبال خان بأنه وراء هذه المنشورات.
كما أتاح تدفق اللاجئين الأفغان بأعداد كبيرة على باكستان الفرصة أمام «كي جي بي» لتجنيد عملاء من بينهم، وحاول «كي جي بي» أيضاً إفساد العلاقة بين ضياء والمجاهدين بنقل تصريحات زائفة عن المجاهدين يتهمون فيها ضياء بخيانة تعاليم الإسلام.
كما سرب جهاز «كي جي بي» معلومات مضللة عن أن الولايات المتحدة تقوم بتخزين أسلحة بيولوجية وكيماوية في باكستان، وان الاختصاصيين الأميركيين في هذا المجال قد أنشأوا قاعدة في المختبر الأميركي بمركز لاهور الطبي وأنهم يقومون سراً باختصار هذه المواد على مواطنين باكستانيين،
وفي مايو 1982 نجح جهاز «كي جي بي» من نشر تقارير زائفة بالصحف الهندية نقلاً عن مصادر في إسلام آباد تفيد بأن الولايات المتحدة تقوم بتخزين أسلحة كيماوية وجرثومية في باكستان. ومع ذلك فقد فشلت كل هذه الحملات الدعائية في إفساد علاقة التعاون بين ضياء وواشنطن. كما تمكنت الولايات المتحدة من تزويد المجاهدين بمساعدات زادت على ملياري دولار من خلال جهاز الاستخبارات الباكستانية.
عرض ومناقشة: فكري بكر



