يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع دفق من الوثائق من أرشيف متروخين التي تلقي الضوء على حركة جهاز «كي جي بي» في الشرق الأوسط مع التركيز بصفة خاصة على إيران في ظل حكم الشاه وصولاً إلى مرحلة مابعد اندلاع الثورة فيها وأيضاً العراق في ظل حكم صدام حسين.
خلال الحرب العالمية الثانية احتل الجيش الأحمر السوفييتي، مع قوات من الحلفاء الغربيين إيران. واستغلت الاستخبارات السوفييتية فترة الاحتلال لإقامة صرح أكبر حضورا لها خارج حدود الاتحاد السوفييتي، وذلك بزرع نحو 40 مركزاً أساسياً وفرعياً. وكان الهدف الرئيسي لتلك المراكز الاستخباراتية هو رصد واختطاف وتصفية من يعتبرهم ستالين من العناصر المعادية للسوفييت.
وبعد ضغوط من الولايات المتحدة وبريطانيا اضطر الاتحاد السوفييتي إلى إنهاء احتلاله العسكري لإيران في عام 1946. وبعد ذلك بنحو عقدين كانت كانت موسكو تأمل، بينما كان الغرب يخشى، قيام ثورة إيرانية يصل من خلالها نظام موال لموسكو إلى السلطة. وظل محمد رضا بهلوي، الذي أصبح شاه إيران عام 1941 وهو في سن الثانية والعشرين فقط، يشعر بالقلق وهو جالس فوق «عرش الطاووس».
وفي عام 1949 قامت مجموعة من حزب تودة الشيوعي الإيراني بمحاولة لاغتياله ورغم فشل المحاولة إلا أن نفوذه ضعف واضطر تحت ضغط الرأي العام إلى تعيين الدكتور محمد مصدق رئيسا للوزراء، وفور توليه المنصب أمم مصدق صناعة النفط مما أثار غضب الحكومة البريطانية التي كانت تمتلك 50% من أسهم شركة النفط الإيرانية. وتدخل الغرب ونظمت ال«سي آي إيه» انقلاباً أطاح بحكم مصر وأعاد الشاه إلى عرشه.
وخلال ربع قرن من انقلاب 1953 ظل نفوذ ال«سي آي إيه» في طهران أقوى من نفوذ «كي جي بي». وأدى فرض الحظر على حزب توده ونفي قياداته إلى تزايد الصعوبات أمام «كي جي بي» ونشاطه داخل إيران. وفي عام 1957، وبهدف رصد جماعات المعارضة الداخلية وترهيبها، قام الشاه بإنشاء منظمة جديدة لأمن الدولة والاستخبارات عُرفت اختصاراً باسم «سافاك» وساعدت في تأسيسها ال«سي آي إيه» و«الموساد». وبعد ذلك بعامين وقعت إيران وإسرائيل على اتفاقية سرية للتعاون الاستخباري والعسكري.
عمليات انتقامية
ووفقاً لأرشيف متروخين فقد قام جهاز «كي جي بي» رداً على ذلك بسلسلة من الأعمال الانتقامية، أهمها في فبراير 1958 عندما تم تزييف رسالة موجهة من وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس إلى سفيره في طهران، يشكو فيها من ضعف قدرات الشاه، ويوحي فحوى الرسالة بأن الولايات المتحدة تتآمر للإطاحة به،
وقامت عناصر من «كي جي بي» بتوزيع نسخ من الرسالة على شخصيات إيرانية بارزة مثل أعضاء بالبرلمان وصحافيين بهدف لفت نظر الشاه إليها، وحدث ذلك بالفعل وفوجئ الشاه بفحوى الرسالة، فأصدر تعليماته بإرسال نسخة منها إلى السفارة الأميركية، مطالباً إياها بتقديم تفسير لذلك، ورغم النفي الأميركي،
إلا أن الشاه لم يقتنع بأن الرسالة مختلقة، خاصة في ظل شكوكه تجاه النوايا الأميركية، وتزايدت شكوكه مع ممانعة واشنطن في تزويده بمساعدات عسكرية أكبر، وخلال 1959 هدد الشاه بأنه سيوقع اتفاقية عدم اعتداء مع الاتحاد السوفييتي، ما لم تلب واشنطن طلباته. وفي ظل هذه الأجواء واصل جهاز «كي جي بي» تحركه النشط.
ووفقاً لملفات متروخين، يزعم «كي جي بي» أنه كان وراء زواج الشاه من فرح ديبا التي كانت تدرس في باريس، واعتقد الجهاز أن لها توجهات شيوعية. وكان لقاء الصدفة الذي جمع بين الشاه وفرح من تدبير الاستخبارات السوفييتية، وتم من خلال أحد عناصرها، وهو دبلوماسي إيراني كان رئيس مكتب الطلاب الإيرانيين في ذلك الوقت.
ويرجع اهتمام «كي جي بي» بفرح ديبا إلى أن أحد أقربائها الذي جندته لحسابها ادعى بأن ديبا لديها توجهات شيوعية، إلا أن ذلك لم يكن صحيحاً على الإطلاق، بل كان الأمر على العكس، فقد كانت ديبا بعد زواجها من الشاه تحرص على التباهي بأجواء الحياة الملكية.
وقد تعرض الشاه للعديد من محاولات الاغتيال، من بينها محاولة من تدبير «كي جي بي». ويقول فلاديمير كوزتشكين، وهو منشق عن «كي جي بي»، إنه في فبراير 1962 تم وضع سيارة مفخخة في طريق الشاه أثناء توجهه إلى البرلمان الإيراني، لكن العبوة لم تنفجر.
وخلال فترة حكم خروشوف حلت الأعمال التخريبية محل الاغتيالات كوسيلة لتنفيذ «إجراءات خاصة». وقد تم إعداد خطط تفصيلية لقصف 23 مبنى رئيسياً في طهران وحدها، من بينها قصور امبراطورية ووزارات ومحطة رئيسية للسكك الحديدية ومقر الشرطة ومقر السافاك ومحطات التلفزيون والإذاعة، بالإضافة إلى منشآت حيوية أخرى مثل شبكة الإمداد الكهربائي، و15 سنترالاً هاتفياً. إلا أن هذه الخطط لم يتم تنفيذ أي منها.
وفي أواخر الستينات بدا نظام الشاه أكثر استقراراً بعد أن تدفقت المساعدات العسكرية الأميركية بمعدلات أكبر مع دخول الولايات المتحدة في شراكة قوية مع إيران، واعتبرتها قوة أساسية في الحفاظ على حرية وصول الغرب إلى نفط الخليج. وتغاضت واشنطن والعواصم الغربية عن تجاوزات الشاه واستخدامه «السافاك» لقمع المتظاهرين من اليساريين والليبراليين والنشطين الإسلاميين.
وعلى الرغم من انتهاج الاتحاد السوفييتي سياسة ودية رسمية مع إيران، فإن موسكو كانت تدرك أنها تخسر معركة فرض النفوذ في طهران لصالح الولايات المتحدة. وكان تعيين ريتشارد هلمز المدير السابق للمخابرات المركزية الأميركية سفيراً للولايات المتحدة في طهران عام 1973 دليلاً على أن العلاقة الخاصة بين الشاه والـ «سي آي أيه» قد نجحت في تجاوز الإجراءات والأنشطة الفعالة لـ «كي جي بي».
وفي لقاء مع رئيس الوزراء الإيراني عباس هويدا قال السفير السوفييتي فلاديمير بروفييف ساخراً: «لقد سمعنا أن الأميركيين أرسلوا إليكم الجاسوس رقم واحد» فرد عليه هويدا قائلاً: «إن الأميركيين أصدقاؤنا، على الأقل لم يرسلوا الجاسوس رقم 10»!
في العراق
خلال أوائل السبعينات كان العراق أهم حليف يعتمد عليه الاتحاد السوفييتي. كان حزب البعث العراقي في ذلك الوقت منشغلاً بمواجهة المؤامرات التي تدبر ضد قياداته. وقد استغل جهاز «كي جي بي» هذه الأجواء، حيث تفيد وثائق متروخين أن الاستخبارات السوفييتية نجحت في تحذير الرئيس أحمد حسن البكر وقادة عراقيين آخرين من مؤامرة كانت تحاك ضدهم في عام 1970.
وأعلنت الحكومة العراقية أن المتآمرين تعاونوا مع «حكومة إيران التي كانت خلافات العراق قد تزايدت معها نتيجة للنزاع على شط العرب. وقامت بغداد بطرد السفير الإيراني. وفي ديسمبر اتهمت إيران بدورها العراق بالتآمر للإطاحة بالشاه، وتم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد ذلك بعام.
ومن بين وثائق متروخين تقرير لمقر «كي جي بي» في بغداد أفاد أنه نتيجة لإجراءاته النشطة تم اعتقال العديد من ضباط الجيش والسياسيين الرجعيين وإعدامهم، ومن بينهم المحافظ العسكري السابق للعاصمة بغداد الذي كان وراء مذبحة الشيوعيين العراقيين قبل سبع سنوات،
وذلك على حد زعم الاستخبارات السوفييتية. وفي عام 1972 قام جهاز «كي جي بي» بعملية أخرى كشف فيها عناصر رجعية عراقية أخرى تم اتهامهم بالاتصال بالسافاك وبالمخابرات البريطانية. وفي الوقت نفسه مارست موسكو ضغوطاً على الحزب الشيوعي العراقي للتحرك وانتهاج مسار يتلاقى مع النظام البعثي.
وفي ابريل 1972 وقع الاتحاد السوفييتي والعراق على معاهدة صداقة وتعاون مدتها 15 عاماً. وبعد ذلك بشهرين دخل اثنان من الكوادر الشيوعية في مجلس الوزراء العراقي، وفي يوليو 1973 انضم البعث والحزب الشيوعي العراقي تحت مظلة الجبهة القومية والوطنية التقدمية التي يهيمن عليها البعث.
ووفقاً لوثائق متروخين، فقد حافظ جهاز «كي جي بي» على اتصالاته السرية مع قادة شمال العراق خاصة مع زعيم الحزب الكردستاني الديمقراطي الملا مصطفى البرزاني، الذي قضى نحو عقد من الزمان في المنفى في الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية. وخلال الفترة من 1968 حتى 1972 نفذ «كي جي بي» 23 عملية لضخ أموال إلى البرزاني.
وتشير إحدى وثائق «كي جي بي» إلى أن بغداد شعرت بالقلق من اتصالات موسكو، فتحركت الحكومة العراقية وأجبرت الاتحاد السوفييتي على الاختيار بين النظام البعثي والأكراد، فاختارت موسكو البعث. وشعر البرزاني بأن الاتحاد السوفييتي قد ضاق به، فتحول بدلاً من ذلك إلى إيران والولايات المتحدة وإسرائيل التي قدمت له دعماً سرياً.
وفي عام 1974 نشبت حرب على نطاق واسع بين الأكراد والنظام البعثي، وفي ذروة المعارك نجح 45 ألفا من المقاتلين الأكراد في التصدي للقوات العراقية. ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة فإن 300 ألف شخص قد اضطروا للهروب من ديارهم. وانتهت الحرب بانتصار بغداد في عام 1975 بعد ان قامت إيران والعراق بتسوية خلافاتهما وسحب المشاه دعمه للأكراد.
وتم نفي البرزاني إلى الولايات المتحدة، حيث توفي بعد ذلك بأربعة أعوام، وفي يوليو 1975 أصبح العراق أول دولة في الشرق الأوسط تحصل على عضوية مجلس المساعدات الاقتصادية المتبادلة «الكوميكون» بوقع مراقب. منذ عام 1969 رأت السفارة البريطانية في بغداد ان صدام حسين سيكون الخلف الأبرز للرئيس البكر.
وقد أكد صدام للسفير البريطاني ان علاقة العراق بالكتلة السوفييتية نابعة من توابع المشكلة الفلسطينية، وأعرب عن أمله في تحسين الصلات مع بريطانيا والولايات المتحدة. ورغم أن السفير البريطاني قد أشار إلى أن صدام يعد أحد قيادات البعث المتشددين، إلا انه يتوقع الكثير منه، وفي المقابل رأت موسكو جانباً مختلفا في شخصية صدام،
وهو افتتانه بشخصية جوزيف ستالين، الأمر الذي يفتح المجال أمام تعزيز العلاقات السوفييتية العراقية. وقد قام جهاز «كي جي بي» بترتيب زيارات سرية لصدام لجميع الفيللات التي كان يستخدمها ستالين على طول ساحل البحر الأسود. وقد أشار سايمون سيباغ مونتفيور كاتب سيرة ستالين إلى إعجاب صدام بأسلوب ستالين السادي واستمتاعه بتعذيب خصومه واعدائه.
وتجسدت آمال موسكو في تحويل العراق إلى رأس جسر لها بمنطقة الشرق الأوسط في الاستثمار العسكري المتزايد. وأصبح العراق خلال الفترة من 1974 إلى 1978 أكبر متلق للمساعدات العسكرية السوفييتية بين دول العالم الثالث. ومع ذلك فإن رأس الجسر السوفييتي في بغداد ظل دائما محفوفا بالمصاعب.
فبعد كسر شوكة الأكراد في عام 1975، لم يعد نظام البعث الوحشي في حاجة إلى دعم الشيوعيين العراقيين، وراح في تصفية الحزب الشيوعي العراقي. وخوفا من حدوث أزمة مع بغداد، لم تحتج موسكو على حملة الإعدامات للشيوعيين العراقيين التي بدأت في عام 1977.
وكان الزعيم العراقي الأكثر تشككا بالعلاقات بين السوفييت والحزب الشيوعي العراقي هو صدام حسين الذي لم يجعله إعجابه بستالين يتعاطف مع الشيوعيين العراقيين. وتزايدت شكوك صدام بأن هناك مؤامرة لإعداد الشيوعيين لتولي الحكم في العراق بعد ان ساند السوفييت انقلابا في أفغانستان في ابريل 1978 أوصل للحكم نظاماً ماركسيا برئاسة نور محمد تراكي.
وأدان نظام البعث تبعية الحزب الشيوعي العراقي لموسكو وتم إعدام 21 عضواً بالحزب بتهمة تشكيل خلايا سرية داخل القوات المسلحة العراقية. وقال صدام حسين «إن الاتحاد السوفييتي لن يرتاح إلا بعد أن يصبح العالم كله شيوعياً». ومع اضطرار الحزب للعمل السري، فقد طلب أحد الأعضاء من «كي جي بي» نقل أرشيف الحزب إلى مكان آمن. ووافق المركز الرئيسي على ذلك.
وقام بعض قادة الحزب بالهرب إلى موسكو، حيث كانوا على اتصال ببقية أعضاء الحزب من خلال مقر «كي جي بي» في بغداد. وفي أوائل عام 1978 تكثفت عمليات التطهير ضد أعضاء الحزب، وبالإضافة إلى إعدام العديد من الأعضاء النشطين تم اعتقال ما يزيد على 10 آلاف شخص وخضعوا لعمليات تعذيب ذهنية وبدنية.
ومع ذلك ظل الحزب الشيوعي السوفييتي صامتاً، حيث كانت موسكو حريصة في ذلك الوقت على عدم إثارة القيادة العراقية التي كانت تقود حملة عربية لمنع إدارة كارتر في إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل. يفيد الكتاب أن عمليات الإعدام والتعذيب الوحشي للشيوعيين العراقيين في عامي 1978 ـ 1979 تزامنت مع أفول وسقوط شاه إيران.
ومثل غيرها من وكالات الاستخبارات الغربية، فقد فاجأ ما يجري في إيران «كي جي بي». فخلال الفترة الأولى التي استمرت 12 عاماً والتي تولى خلالها هويدا رئاسة الوزراء (1965 ـ 1977) كانت لمقر كي جي بي في طهران قدرة محددة على اختراق طهران. وكان أهم عميلين إيرانيين لـ «كي جي بي» خلال تلك الفترة الجنرال أحمد مغاربي وأحد أقرباء هويدا، اللذين تم تجنيدهما فيما ما يبدو كعميلين أيديولوجيين خلال السنوات الأولى من الحرب الباردة .
وكانت لمغاربي اتصالات واسعة بالعديد من مجالات الحياة الإيرانية ومن بينها بلاط الشاه والحكومة «والسافاك». إلا أن «السافاك» تمكنت من اعتقاله في سبتمبر 1977. أما قريب هويدا، واسمه الحركي (زهمان) فقد اكتشفه «كي جي بي» انه لا يمكن الاعتماد عليه بصورة كبيرة مثل مغاربي.
وعندما تم تجنيد «زهمان» كعميل أيديولوجي في عام 1952 كان يصف الاتحاد السوفييتي بأنه «معقل التقدم في النضال ضد الإمبريالية والهيمنة الأنجلو ـ أميركية في إيران». إلا أنه وفقاً للتقارير فقد كان شخصاً يصعب التحكم فيه، بل إنه صدم «كي جي بي» في عام 1956 عندما أدان القمع السوفييتي للانتفاضة المجرية.
وبعد ذلك بدأ يتلاشى حماسه للفكر السوفييتي، وبدأ يميل للأفكار الغربية. ومع ذلك فقد شارك في منتصف السبعينات في عمليات «كي جي بي» حيث قام بتمرير معلومات مضللة إلى الشاه وإلى ضباط الاتصال الأميركيين والباكستانيين وغيرهم. وخلال صيف 1977 تفاقمت الأزمة الاقتصادية وازداد الاستياء الشعبي على ارتفاع الأسعار والانقطاع المتكرر للكهرباء في طهران مما دفع الى استقالة هويدا كرئيس للوزراء.
واندلعت المظاهرات في الشوارع وتحولت الهتافات الى هتافات دينية وليست سياسية. وفشل مقر «كي جي بي» في التعامل بجدية مع التوجهات الدينية في مظاهرات طهران، وعلق أمله بدلاً من ذلك على إمكانية حدوث ثورة يسارية تطيح بالشاه. أما قيادة «كي جي بي» في موسكو فقد كانت أقل تفاؤلاً بشأن مستقبل اليسار الإيراني، ورأت أن البديل الأكثر احتمالاً «اذا تمت تنحية الشاه، هو الجيش نظراً لأن معارضة النظام ضعيفة وغير منظمة».
وفي ذلك الوقت لم تدرك «كي جي بي» مثل غيرها من وكالات الاستخبارات الأميركية والغربية ان آية الله الخميني يمكن ان يشكل تهديداً حقيقياً للشاه. كما اعتقد البيت الأبيض ان الوضع في إيران مستقر، واستبعد إمكانية إزاحة الشاه، بل ان الرئيس جيمي كارتر أعلن خلال زيارة قام بها لطهران في مطلع 1978 ان «إيران جزيرة يسودها الاستقرار في إحدى أكثر مناطق العالم اضطراباً». وبعد ذلك بعام واحد تمت الإطاحة بالشاه.
ومع تزايد متاعب الشاه اعتقد ان الأميركيين يريدون التخلص منه ويتحولون الى معارضيه من أجل بناء حاجز ضد النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط. ظل جهاز «كي جي بي» معادياً للخميني بعد ان أدان الشيوعيين ووصفهم بأنهم ألعوبة موسكو، كما هاجم الانقلاب الشيوعي في أفغانستان
وعلى الرغم من تزايد شعبية الخميني إلا ان مقر «كي جي بي» في موسكو رأى أنه لا يخطط للوصول الى الحكم، وهو خطأ جسيم في التقييم، فرغم ان الخميني بدأ ثورته ضد الشاه من دون ان تكون لديه طموحات سياسية محددة، إلا ان 14 عاماً من المنفى غيرت رأيه، وأصبح يهدف الى تولي دفة الأمور في إيران إعداداً لفترة انتقالية يسلم فيها السلطة الى جمهورية إسلامية.
وفشل «كي جي بي» في فهم نوايا الخميني لا ينبع من الافتقار للمعلومات الاستخباراتية ولكن لعدم الاهتمام بخطب الخميني المسجلة على شرائط كاسيت والتي كانت تشعل حماسة الشارع الإيراني. وارتكبت سي آي ايه الخطأ نفسه، كما فوجئ الليبراليون الإيرانيون، الذين كانوا يريدون التخلص من نظام الشاه بالتطورات التي أعقبت الإطاحة به.
وفي يوم 16 يناير 1979 غادر الشاه إيران متوجهاً إلى مصر، على أمل ان يتمكن الجيش من فرض سيطرته وإعادته مرة أخرى. ولكن بدلاً من ذلك عاد الخميني في الأول من فبراير من منفاه في باريس ليستقبله في المطار وفي شوارع طهران أكثر من ثلاثة ملايين إيراني متحمس، وفي غضون أسبوع تولى مؤيدو النظام الجديد مقاليد السيطرة على مراكز الشرطة والمنشآت الحيوية في العديد من المدن الإيرانية.
وكان من بين أول الضحايا أمير عباس هويدا الذي أصدرت محكمة ثورية حكماً بإعدامه في مايو 1979 وكتب ضابط الاستخبارات السوفييتية وهو يغلق ملف هويدا «لقد كان مفيداً لنا ولا يسبب أي ضرر». وكان من بين أهداف «كي جي بي» في تلك الفترة السفارة الأميركية في طهران كما جرى استهداف رجالات النظام الجديد الذين صنفوا على انهم «ذوو ميول معادية للسوفييت».
إلا أن عمليات «كي جي بي» ضد السفارة الأميركية كانت محدودة بالمقارنة بالعمليات التي قام بها رجال العهد الجديد، وهي العمليات التي انتهت بالاستيلاء على السفارة الأميركية من جانب مجموعات من الطلاب النشطين الذين وصفوا السفارة بأنها «وكر للجواسيس» واعتقلوا أكثر من 50 من الدبلوماسيين الأميركيين كرهائن.
وهذا التطور لم يسعد السوفييت، بل على العكس فقد خشوا من أن تتعرض سفارتهم في طهران لعمل مماثل. وبالفعل تعرضت سفارة الاتحاد السوفييتي في طهران لمحاولات اقتحام عديدة إحداها في الذكرى الأولى للغزو السوفييتي لأفغانستان، ومع ذلك فقد ظل تركيز العالم منصباً على الرهائن الأميركيين الذين تم إطلاق سراحهم في نهاية الأمر في يناير 1981.
إلا أن الإيرانيين استولوا على ذخيرة من الوثائق والملفات الخاصة بـ «السي آي ايه» وبذل الطلاب الإيرانيون جهداً جباراً لتجميع هذه الوثائق التي حاول الأميركيون تمزيقها في اللحظات التي سبقت عملية الاقتحام. ومن بين ما كشفت عنه هذه الوثائق أن أبوالحسن بني صدر، الذي كان أحد مرافقي الخميني في المنفى، قد تعرض لمحاولات تجنيده من جانب الاستخبارات الأميركية في طهران وباريس.
ورغم عدم ثبوت أي دليل على تورطه في تعاملات مع الـ «سي آي ايه»، إلا أن مجرد اهتمام الأميركيين به جعله يسقط في نظر الكثير من النشطين الإسلاميين. كما كان بني صدر هدفاً في الوقت ذاته لـ «كي جي بي». ورغم أن أرشيف متروخين لم يقدم أي تفاصيل في هذا الشأن، إلا أن اهتمام الاستخبارات السوفييتية ببني صدر يرجع إلى رغبة في تعزيز الشكوك بأنه كان عميلاً للأميركيين. وفي النهاية اضطر بني صدر للاستقالة في يونيو 1981.
ولم تتوقف أنشطة «كي جي بي» بل راحت تروج المعلومات المضللة التي كان يمررها بحسن نية العديد من زعماء المنطقة إلى طهران. ومن بينها معلومات بوجود محاولات لاغتيال القادة الإيرانيين من جانب الاستخبارات الأميركية والبريطانية والفرنسية والألمانية.
كما واصل «كي جي بي» ترويج معلومات مضللة ضد بعض رموز العهد الجديد وكان على رأس ضحاياها صادق قطب زاده الذي أصبح وزيراً للخارجية بعد احتلال السفارة الأميركية، وكان يطالب السوفييت على الدوام بالانسحاب من أفغانستان وإلا فإن إيران ستقدم مساعدات عسكرية للمجاهدين. فراح جهاز «كي جي بي» يحيك المؤامرات ضده ويرسل ببرقيات مزيفة تفيد بأنه عميل لـ «السي آي ايه» إلى أن تم اعتقاله في أبريل 1982 بتهمة التآمر لاغتيال الخميني.
عرض ومناقشة: فكري بكر

