يجد القارئ نفسه هنا مع أحد أكثر أجزاء هذا الكتاب أهمية، حيث يتناول أسرار تحرك جهاز «الكي جي بي» في المنطقة العربية وأساليب العمل التي اتبعها، بما في ذلك تركيزة على تحليل شيفرات الرسائل العربية أكثر من العملاء الذين يتم غرسهم في المواقع المختلفة، حيث نرصد في النهاية ملامح الفشل الذي مني به الجهاز في المنطقة.
يتناول المؤلف في الباب الثاني من كتابه الشرق الأوسط ويوضح أنه خلال معظم فترات الحرب الباردة، اعتقد صانعو السياسة السوفييت أنهم يتمتعون بميزة كبيرة في صراعهم مع عدوهم الرئيسي وحلفائه على بسط السلطة والنفوذ في الشرق الأوسط، وإذا كانت أميركا اللاتينية تمثل للولايات المتحدة «الفناء الخلفي» فإن الشرق الأوسط كان يمثل الشيء نفسه بالنسبة للاتحاد السوفييتي. ورأت موسكو أن علاقة إسرائيل الخاصة بالولايات المتحدة جعلت أعداءها العرب حلفاء طبيعيين للاتحاد السوفييتي، واستغل الساسة السوفييت ذلك ووصفوا إسرائيل والصهيونية الدولية بأنها «أداة رئيسية لهموم الامبريالية الأميركية على الدول العربية».
وعززت كراهية إسرائيل العداء تجاه الولايات المتحدة في بقية الشرق الأوسط، وادى فقدان ثقة الأميركيين في التعامل مع العالم الإسلامي خاصة بعد سقوط حليفها الرئيسي بالمنطقة شاه إيران، إلى عدم اهتمام إدارة كارتر بارسال أية رسائل تهنئة للزعماء المسلمين بمناسبة حلول العام الهجري الجديد 1400 الموافق للعام 1979 الميلادي، في الوقت الذي أغرق الاتحاد السوفييتي العواصم العربية برسائل التهنئة. يوضح المؤلف كذلك أن أرشيف متروخين يضم الكثير من الوثائق التي تشير إلى أن الاستخبارات السوفييتية اعتمدت بصورة كبيرة في جمع معلوماتها على أسلوب اعتراض الرسائل والبرقيات وفك شيفرتها وبالتالي تحليلها، وليس على أسلوب تجنيد العملاء. وقد اخترق جهاز «كي جي بي» معظم أنظمة الشيفرات السرية للسفارات العربية في موسكو. وفي عام 1967 تمكن خبراء الجهاز من فك شيفرات 152 نظاماً مستخدماً في 72 دولة، ورغم عدم توفر احصاءات بعد هذا العام إلا أن نطاق فك الشيفرات استمر من دون شك في الزيادة.
كان جمال عبدالناصر هو أول زعيم عربي يجتذب أنظار الكرملين بشدة عندما أصبح في عام 1954 وهو في السادسة والثلاثين من عمره أول رئيس مصري الأصل يحكم البلاد منذ الإطاحة بآخر الفراعنة قبل 2500 عام. وقد بدأت موسكو تولي اهتماماً جاداً بعبدالناصر بعد ستة أشهر من توليه الحكم عندما ضغط على البريطانيين حتى سحبوا قواتهم من منطقة قناة السويس. وبعد ذلك بشهرين أي في ديسمبر 1954 وصل مسؤول كبير في «كي جي بي» هو فاديم كير بيشينكو إلى القاهرة كرئيس للاستخبارات السياسية بهدف اختراق المجموعة المحيطة بناصر. وقد حقق نجاحاً في مهمته رغم أن وثائق ميتروخين لم تكشف عن الشخصية التي تم تجنيدها. بينما وصفه كيربيشينكو بأنه «صديق قوي يزودنا بمعلومات مهمة» من دون أن يوضح ما إذا كان عميلاً أو عنصر اتصال سري. وفي الوقت الذي لم يتمكن السفير السوفييتي في القاهرة دانيل سيمينوفيتش سولود من تحديد توجهات ناصر السياسية، قدم عنصر الاتصال هذا الذي اعتمد عليه كيربيشينكو أول دليل موثوق به حول توجهات عبدالناصر حيث أشار إلى أنه يتجه نحو إقامة علاقات خاصة على الاتحاد السوفييتي.
وفي سبتمبر 1955 أدخل ناصر البهجة في نفوس السوفييت عندما صدم الغرب بتوقيعه على صفقة أسلحة سوفييتية كبيرة عن طريق تشيكوسلوفاكيا، وهي الصفقة التي تم الترتيب لها في سرية بالغة حتى أن السفير المصري في موسكو لم يكن يعرف شيئاً عنها.
وقد زعم اثنان من المنشقين السوفييت متخصصان في شؤون الشرق الأوسط، بعد ذلك بأعوام، أن عنصر الاتصال المشار إليه هو سامي شرف الذي كان في عام 1959 مديراً لمكتب الرئيس المصري للمعلومات، إلا أن كيربيشينكو يصر على أن «سامي شرف لم يكن أبداً عميلناً بل إنني لا أعرفه شخصياً» ومع ذلك فإنه يعترف بأن شرف يعتبر واحداً من أقوى المؤيدين للصداقة المصرية ـ السوفييتية.
وفي يوليو 1956 أعلن عبدالناصر تأميم قناة السويس وطلب نصيحة السوفييت لمواجهة المعارضة الغربية للقرار. يقول المؤلف إن الكوميديا السوداء التي تمثلت في العدوان البريطاني الفرنسي الذي شاركت فيه إسرائيل لاستعادة القناة بقوة السلاح في نوفمبر حقق الكثير من الفائدة للسوفييت ومصر.
ففي داخل الشرق الأوسط خسرت الأنظمة المحافظة الموالية للغرب ميزان القوى الذي أصبح لصالح القوى التقدمية التي تقودها مصر. وظهر عبدالناصر كبطل للعالم العربي. كما دفعته أزمة السويس بصورة أكبر نحو موسكو.
وفي أعقاب فشل العدوان، حصل عبد الناصر على معلومات استخباراتية بوجود خطط لاغتياله، ورسمتها على ما يبدو الاستخبارات البريطانية بناء على أوامر من رئيس الوزراء البريطاني انتوني إيدين الذي تملكته فكرة التخلص من عبدالناصر بأي طريقة. وعندما طرح عنصر الاتصال الخطة على كيربيشنكو سارع بطلب ضابطين كبيرين من أفراد «كي جي بي» لينضما إلى أفراد الأمن المصري.
إلا أن كيربيشنكو عرف بعد ذلك أن أمن الرئيس يتكون من مجموعة من الحراس الشخصيين فقط، وأنه لا يوجد أي نظام للإنذار بأي مكان يقيم فيه الرئيس أو يمارس عمله، بل إن الطاهي يقوم بشراء الخبز من مخبز مواجه لمقر الرئاسة بينما يشتري اللحوم، والخضر من أقرب سوق. وبعد تصحيح هذا القصور الأمني. طالب خبراء «كي جي بي» بضرورة توفير الحماية من الإشعاعات والغاز السام. ورأوا أن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هو وضع طائر داخل قفص بجميع الأماكن التي يستخدمها عبدالناصر.
وإذا نفق أي طائر، فإنه يتعين إخلاء المكان في الحال.
وطالبت المخابرات المصرية بأنظمة متطورة لرصد أية إشعاعات إلا أن «كي جي بي» عارض طلبها.
يقول المؤلف إنه خلال عقد الستينات من القرن الماضي تعلقت آمال السوفييت على عبدالناصر بصورة أكبر من أي زعيم آخر في العالم الثالث خارج أميركا اللاتينية.
واخترع المنظرون الأيديولوجيون السوفييت تعبيرات من قبيل «الطريق غير الرأسمالي» و«الديمقراطية الثورية» لتحديد المرحلة التقدمية الوسيطة بين الرأسمالية والاشتراكية. وقدم قرار ناصر بتأميم معظم الصناعات المصرية في عام 1961 دليلاً مشجعاً على تقدمه على «الطريق غير الرأسمالي». وقد استحوذت مصر على نسبة 43% من جميع المساعدات السوفييتية إلى العالم الثالث خلال الفترة بين 1954 و1961.
حديث النكسة
يشير المؤلف إلى أنه على الرغم من العلاقات القوية التي أقامها جهاز «كي جي بي» مع مصر، إلا أن الهجوم الإسرائيلي عليها في الخامس من يونيو 1967 كان بمثابة المفاجأة لكوادر الاستخبارات السوفييتية.
وقد علمت وسائل الإعلام السوفييتية بالهجوم قبل «كي جي بي»، الذي نبأ بنشوب الحرب من تقارير وكالة أسوشيتدبرس الأميركية. وفي محاولة لتجنب الوقوع في فشل استخباري مماثل قرر يوري أندربوف رئيس «كي جي بي» الجديد اجتذاب اختصاصيين على أعلى مستوى من الكفاءة بمختلف المجالات الأكاديمية للعمل في جهاز الاستخبارات.
ومن بين الصحافيين والخبراء الأكاديميين السوفييت الذين تم إيفادهم في بعثات لزيادة فهم «كي جي بي» لطبيعة الشرق الأوسط يفغيني بريماكوف (الذي أصبح فيما بعد واحداً من رؤساء وزراء بوريس يلتسين).
وفي أواخر الستينيات نجح بريماكوف في التعرف على الرئيس السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين.
وعلناً وقف الكرملين بجانب ناصر والقضية العربية بعد الهزيمة المدوية في يونيو 1967، وأدانت موسكو العدوان الإمبريالي وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل إلا أنه على الصعيد غير الرسمي كان الكرملين ينتقد بشدة عدم كفاءة القوات العربية.
كما أبدى غضبه من مقدار الأسلحة السوفييتية التي وقعت في أيدي الإسرائيليين، ومع ذلك فقد اختار السوفييت إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، بينما قدمت القاهرة العديد من التنازلات في المقابل، وقفز عدد المستشارين السوفييت في مصر ليزيد عددهم عن 20 ألفا، وتم انشاء قواعد جوية سوفييتية مجهزة بصواريخ سام 30 وطائرات مقاتلة بأطقم روسية وذلك بهدف تعزيز الدفاعات الجوية المصرية.
وكانت لذلك نتائج سلبية في العلاقات بين البلدين حيث تزايد النفوذ السوفييتي ومعه تزايدات العجرفة في أسلوب التعامل خاصة من جانب السفير السوفييتي في القاهرة فلاديميير فينوغرادوف الذي قال عنه نائب الرئيس المصري أنور السادات في ذلك الوقت «لقد بدأ الاتحاد السوفييتي يشعر بأنه يتمتع بوضع خاص في مصر، كما اضطلع السفير السوفييتي ـ بدور مماثل لدور المندوب السامي البريطاني إبان فترة الاحتلال البريطاني لمصر».
ومع وفاة عبدالناصر المفاجئة وتولي السادات الرئاسة بدأ النفوذ السوفييتي يتقلص في مصر. وبعد ذلك بعقدين قال وزير الخارجية السوفييتي اندريه غروميكو انه لو ظل عبدالناصر على قيد الحياة سنوات قليلة لكان الوضع في المنطقة اليوم مختلفاً تماماً عما هو الآن».
السادات والتوتر
يوضح المؤلف انه بعد ان تولى السادات الرئاسة اكتشف ان عدداً من كبار الوزراء من بينهم نائب الرئيس علي صبري ووزير الداخلية شعراوي جمعة ووزير الحربية محمد فوزي ووزير شؤون الرئاسة سامي شرف يخططون للإطاحة به.
ويقول مؤلفنا إن هذه المجموعة عقدت اجتماعات متكررة مع فينوغرادوف، حيث طرحوا عليهم مخاوفهم من الخط الذي ينتهجه السادات، بمعنى آخر خططهم للإطاحة به. وسعى أفراد المجموعة للحصول على مساندة السفير، إلا أنه خشى من مساندتهم ولم يعطهم أي رد.
لكن الانباء التي أثارت ابلغ قلق المكتب السياسي السوفييتي هي المعلومات الاستخباراتية التي أرسلها كيربيشينكو بشأن وجود اتصالات سرية للسادات مع الرئيس نيكسون، وهو الأمر الذي زاد الشكوك التي دارت حول أنه يخطط لتقليص روابط مصر مع الاتحاد السوفييتي والتقارب بصورة أكبر من الولايات المتحدة.
بحلول صيف 1972 كان السادات قد قرر طرد كل المستشارين العسكريين السوفييت، واستدعى السفير السوفييتي فينوغرادوف ليبلغه بذلك. ورغم انزعاج موسكو الشديد، إلا أنها لم تجد أمامها سوى مواصلة الدعم السياسي والعسكري لمصر، خوفاً من ارتماء السادات في أحضان الولايات المتحدة وفقدان نفوذها في مصر.
وأدى قيام السادات باعتقال أفراد الجناح الذي يوصف بالحماس للسوفييت داخل القيادة المصرية، وطرد المستشارين السوفييت إلى ضعضة معنويات شبكة عملاء «كي جي بي» وإلى تعقيد عمل مقر الجهاز في القاهرة.
كما بدأ عدد من العملاء المصريين في النأي بأنفسهم عن ضباط المخابرات الذين يتعاملون ملأهم، خوفاً من اكتشاف أمرهم وفي يناير 1973 طلب جهاز الاستخبارات السوفييتي من مقر القاهرة وقف عملياته ضد أهداف مصرية، فيما واصل عملاؤه، الذين تم تخفيض درجاتهم إلى «أفراد اتصال سريين»، نشاطهم لتزويد «كي جي بي» بمعلومات استخبارية مهمة حول خطط السادات العسكرية.
ومثل وكالات الاستخبارات الغربية، فقد اختلط الأمر علي «كي جي بي» بشأن نوايا السادات تجاه إسرائيل، خاصة مع تزايد المناورات العسكرية المصرية وحشود القوات.
وكانت القيادة السوفييتية تخشى نشوب حرب خلال مايو 1973 تؤدي إلى إفساد أجواء زيارة برجينيف لواشنطن في يونيو. وقد خدمت المناورات والتعبئة المتكررة للقوات المصرية هدف السادات في تضليل اجهزة الاستخبارات الأميركية والاسرائيلية التي فوجئت بنشوب الحرب في 6 أكتوبر 1973، إلا أن «كي جي بي» نجحت هذه المرة في نقل تحذيرات مبكرة إلى المكتب السياسي بقرب نشوب الحرب.
ويبدو أنها حصلت على هذه المعلومات من رصد رسائل شفرية وفكها وتحليلها وربما من اختراقها للقوات المسلحة وجهاز المخابرات المصرية.
حملة سوفييتية
قبل انتهاء الحرب أدرك السادات ان الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي يمكن ان تتوسط بين الجانبين العربي والإسرائيلي للتوصل إلى تسوية سلمية للصراع، وذلك نظراً لتأثيرها الكبير على إسرائيل.
ومع تراجع النفوذ السوفييتي أصبح وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر الشخصية المهيمنة في عملية السلام. وحاولت «كي جي بي» ايجاد وسائل لإقناع السادات بأن كيسنجر يخدعه، من خلال الضغط عليه ونشر معلومات ملفقة عن بعض مساعديه وتوجيه اتهامات اليهم بتعاملهم مع «سي آي ايه» بل وتشويه سمعتهم في بعض الأحيان.
كما قام «كي جي بي» بحملة تشويه للسادات شخصياً وصوره على أنه عميل نازي سابق باع نفسه لـ «سي آي ايه» وذلك من خلال مقالات نشرتها بعض الصحف العربية، أما في مصر فقد اقتصرت الحملة على نشر الشائعات والمنشورات.
ورغم تصاعد هذه الحملة ضد السادات داخل العالم العربي وخارجه خلال السنوات التي أعقبت حرب أكتوبر، إلا ان «كي جي بي» ظل ينتهج أسلوبا حذراً للغاية في عملياته داخل مصر.
وخلال اجتماع مع الكسندر بوليك الذي خلف كيربيشنكو في القاهرة، ومع قيادات الإدارة المسؤولة عن الدول العربية في «كي جي بي»، أكد اندروبوف من جديد الحظر على العملاء المصريين في مصر نفسها، كما وجه بعدم تلقي وثائق من أفراد اتصال سريين خوفاً على ضباط «كي جي بي».
وتفيد وثائق متروخين ان «كي جي بي» اكتشف في وقت لاحق ان أحد موظفي المركز الثقافي السوفييتي في القاهرة والذي كان الجهاز قد استخدمه لنقل معلومات الى المخابرات المصرية كان يعمل في الواقع تحت السيطرة المصرية.
ومن الواضح ان دور «كي جي بي» بدأ يضعف بصورة واضحة منذ أوائل السبعينات مع وصول السادات الى الحكم. وأحد الأدلة على ذلك ان «كي جي بي» فوجئ بالمظاهرات الشعبية التي شهدتها القاهرة في يناير 1977 اعتراضاً على خفض الدعم الحكومي للسلع الأساسية.
بيان بلا معنى
في الأول من أكتوبر 1977 وقع الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة على بيان مشترك دعا الى ضرورة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، واعتقدت موسكو انها استعادت الكثير من أرضيتها الدبلوماسية التي فقدتها في الشرق الأوسط منذ حرب أكتوبر، وضمنت في النهاية اعترافاً أميركياً بالدور السوفييتي في المفاوضات.
إلا ان أحد السجلات الرسمية للسياسة الخارجية السوفييتية، أشار الى انه سرعان ما انتهكت إدارة كارتر، تحت ضغط من إسرائيل، الاتفاق. وبعد مرور سبعة أسابيع فقط على توقيع البيان، سافر السادات إلى القدس ليبدأ حواراً مع الإسرائيليين.
وكانت زيارته بمثابة أحد أكبر الانقلابات الدبلوماسية بالتاريخ الحديث. واعتقد «كي جي بي» ان السادات رتب الزيارة مع الأميركيين الذين كانوا يعرفون انها وشيكة رغم توقيعهم على الاتفاق مع السوفييت.
وقد شجبت صحيفة «برافدا» السوفييتية اتفاقية الإطار للسلام في الشرق الأوسط التي وقعها السادات وبيغين وكارتر في سبتمبر 1978 ووصفتها بأنها تخدم فقط مصالح إسرائيل وأميركا والإمبريالية والرجعيين العرب.
ووفقاً لأرشيف متروخين فقد اعتقد «كي جي بي» ان كارتر و«السي آي ايه» ساعدا السادات على تعزيز هذا التوجه بهدف القضاء على النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط.
ورد «كي جي بي» على ذلك، وفقاً لأرشيف متروخين، بشن حملة تشويه لصورة السادات واتهمته بالعمالة لصالح «سي اي ايه» والقول ان الاستخبارات الأميركية منحته فيللا في مونترو ستكون في انتظاره مع حماية لشخصه على مدار الساعة عندما يضطر في النهاية إلى الهروب من غضب الأمة العربية.
وفي 6 أكتوبر 1981 تم اغتيال السادات أثناء العرض العسكري الذي أقيم بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر. ورغم عدم وجود مؤشرات في الملفات ضمن أرشيف ميتروخين بأن «كي جي بي» قد تلقى إنذاراً مسبقاً بعملية الاغتيال.
إلا أن أنباء نجاح المؤامرة أثار غبطة الاستخبارات السوفييتية والكرملين أيضاً، ويرجع ذلك إلى أن عصر السادات شهد سقوطاً كاملاً للسياسة السوفييتية في مصر وخسارة موسكو لأكبر استثمار عسكري واقتصادي وسياسي تم ضخه بأي دولة من دول العالم الثالث.
ويقول المؤلف إنه رغم كراهية السوفييت الشديدة للسادات، فإنه منذ وفاة ناصر المفاجئة، لم تتمكن موسكو على الإطلاق من العثور على حليف عربي في قامة عبدلناصر.
ورغم أن العراق أصبح منذ منتصف السبعينات أكبر متلق للمساعدات العسكرية السوفييتية بين دول العالم الثالث، فإن شكوك صدام حسين تجاه السياسة السوفييتية ـ رغم إعجابه بشخصية ستالين ـ جعلت من المستحيل قيام رأس جسر للسوفييت في بغداد.
وخلال الحرب الباردة حافظ «كي جي بي» على علاقاته السرية مع معظم الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط، إلا أنه لم يمتلك أي من هذه الأحزاب شخصية كريزمية على شاكلة كاسترو أو جيفارا أو الليندي أو زعماء حركة سانديستا.
بل إن هذه الأحزاب كانت على استعداد في أية لحظة للتضحية بالمصالح الاستراتيجية السوفييتية مثلما حدث للحزب الشيوعي المصري الذي أعلن في عام 1965 حل نفسه والانضمام للاتحاد الاشتراكي.
ويقول المؤلف إنه على الرغم من التأييد السوفييتي القوي لمبادرة عربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة تقضي بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين ومنحها دور المراقب في الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من توجه وفد فلسطيني إلى موسكو برئاسة ياسر عرفات في عام 1975 للتعبير عن امتنانه العميق للتأييد السوفييتي للنضال المشروع للشعب الفلسطيني، إلا أن عرفات لم يحظ مطلقاً على ثقة الكرملين أو «كي جي بي».



