تلقي وثائق أرشيف متروخين الضوء على حركة جهاز «كي جي بي» على الساحة السورية وأنشطة رجاله في اليمن وتطلعنا بصفة خاصة على محاولات الاختراق المبكرة التي قام بها السوفييت لأجهزة المخابرات والقوات المسلحة الإسرائيلية.

ويلفت نظرنا النصيب المتواضع من النجاح الذي حققه هذا الجهاز في إسرائيل على الرغم من تدفق أعداد هائلة من المهاجرين الروس إلى إسرائيل. تشير وثائق متروخين إلى أن «كي جي بي» نجح في تحقيق اختراقات مهمة بوزارة الخارجية وجهاز المخابرات السورية في أعقاب تولي حزب البعث السوري مقاليد الحكم مع مطلع السبعينات من القرن الماضي. وكان «كي جي بي» قد جند دبلوماسيا سورياً اسمه الحركي «عزت» منذ عام 1954 ليصبح واحداً من أهم عملائه وأكثرهم استمرارية. ومع مطلع السبعينات أصبح هذا العميل مديراً عاماً بوزارة الخارجية السورية. كما نجح «كي جي بي» في عام 1967 في تجنيد مسؤول كبير آخر بوزارة الخارجية السورية اسمه الحركي «كاريان».

كما تشير ملفات متروخين إلى أن «كي جي بي» حقق اختراقاً مهماً آخر لجهاز المخابرات السورية، حيث نجح في تجنيد شخص اسمه الحركي «كريم» خلال أوائل عقد الستينات. وزعم مقر «كي جي بي» في دمشق انه ساعد كريم في الحصول على وظيفة بوكالة الاستخبارات المدنية السورية «جهاز الأمن الوطني» وذلك بعد عودته من برلين الشرقية إلى دمشق. وفي عام 1964 لعب كريم دوراً محورياً في إنجاح عملية «روشي» التي تم خلالها زرع أجهزة تنصت ببعض مكاتب جهاز الأمن القومي السوري. وتفيد الوثائق أن «كي جي بي» استغل رواج مفهوم نظرية المؤامرة السائد في دمشق وفي بقية عواصم الشرق الأوسط، وروج لمعلومات مضللة ضد أجهزة الاستخبارات الأميركية والغربية، توحي بأن هذه الأجهزة تحيك المؤامرات للقضاء على نظام البعث.

وخلال صيف 1964 زار الملحق العسكري السوفييتي في دمشق الفريق أمين الحافظ قائد الجيش السوري والشخصية البارزة في النظام البعثي، وأطلعه على تقرير مزيف للاستخبارات الألمانية الغربية أشار إلى أسماء ضباط سوريين على اتصال بالاستخبارات الألمانية الغربية والأميركية كما قام أفراد «كي جي بي» بإجراء اتصالات هاتفية على ضابط سوري موال لأميركا وتم تحذيره من أن أمره قد افتضح.

وكما توقع «كي جي بي» فقد سجل جهاز أمن الدولة السوري كل هذه المكالمات، وتم استبعاد الضابط من عضوية الوفد العسكري السوري الذي كان على وشك القيام بزيارة لموسكو، ولم تشر وثائق متروخين إلى المصير الذي آل إليه هذا الضابط.

منذر وصقر

زعم «كي جي بي» انه يقف وراء إعلان سوريا في فبراير 1965 اكتشاف شبكة تجسس أميركية هدفها جمع المعلومات عن الجيش السوري ونوعية الأسلحة التي يستخدمها.

كما يزعم «كي جي بي» أن حركته النشطة كانت وراء اقتناع دمشق في عام 1966 بأن السفير الأميركي يقوم بالإعداد لانقلاب، الأمر الذي أدى إلى اعتقال أكثر من 200 شخص في منتصف سبتمبر.

وفي يوم 23 فبراير 1967 وقع انقلاب عسكري رحبت به موسكو وأوصل إلى السلطة جناحاً بعثياً برئاسة صلاح جديد. وعندما طلب مساعدات مالية من الاتحاد السوفييتي اشترطت موسكو عودة الزعيم الشيوعي المنفي خالد بكداش إلى دمشق وإدخال أحد الكوادر الشيوعية بمجلس الوزراء والسماح للحزب الشيوعي السوري بإصدار صحيفة يومية.

ووافق جديد على كل هذه الشروط. ومع عودة الحزب الشيوعي للعمل، قام مقر «كي جي بي» في سوريا بترتيب اتصالات سرية منتظمة مع الحزب.

وتم إرسال وسيط شيوعي، اسمه الحركي «رسول»اختارته زعامة الحزب للتدريب في موسكو حيث تعلم أشكالاً عديدة من عمليات الاتصال السرية، والإرسال اللاسلكي وتصوير الوثائق وترتيب عقد اجتماعات طارئة مع عناصر مقر «كي جي بي» في دمشق، وتم منحه جهاز إرسال صغيراً مكنه من أن يبعث برسائل سرية إلى المقر من مسافة 500 متر.

وخلال الفترة من 1968 وحتى أوائل الثمانينات كان ضابط عمليات تابعاً للمقر يلتقي «رسول» مرة أو مرتين في الشهر.

وخلال السنوات الأولى من عقد السبعينات نجح مقر «كي جي بي» بدمشق في العثور على «عنصر اتصال شبه رسمي» مقرب من رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري حافظ الأسد. وأطلقت «كي جي بي» على هذا العنصر الاسم الحركي «منذر».

وتركز اهتمام الجهاز على رفعت الأسد في ذلك الوقت نظراً لأنه كان يتولى قيادة «سرايا الدفاع» وهي وحدات ذات تسليح وتدريب عال في إطار الجيش السوري، ونظراً للدور الذي كان يلعبه في جهاز المخابرات السورية، وذلك على حد اعتقادها.

كما تزعم ملفات «كي جي بي» أن رئيس إحدى الدوائر في المخابرات العسكرية السورية واسمه الحركي «صقر» قد تم تجنيده في عام 1974 واستخدمته الاستخبارات السوفييتية في نقل معلومات مضللة إلى القيادة السورية.

ووفقاً لوثائق متروخين فقد نجح «كي جي بي» في اختراق السفارة السورية في موسكو، حيث زرعت أجهزة التنصت في كل مكان، كما كانت ترصد كل الحقائب الدبلوماسية خلال رحلتها بين السفارة ودمشق، كما كانت تفتح الرسائل الرسمية الموجهة من السفير إلى وزير الخارجية السوري.

كما أشارت وثائق متروخين إلى أسماء حركية لأربعة وثلاثين عميلاً وعنصراً سرياً تم استخدامهم في عمليات اختراق السفارة السورية، وأغلبية هؤلاء العملاء كانوا من المواطنين السوفييت، ولم تشر الوثائق سوى إلى ستة عناصر من الجنسية السورية.

وخلال عام 1978 توجه 108 من الشيوعيين السوريين إلى الاتحاد السوفييتي لتلقي دورات تدريبية. ولاحظ «كي جي بي» أن معظمهم من أصدقاء أو أقارب زعماء الحزب.

وخلال عام 1979 قدم مقر «كي جي بي» في دمشق خمس دفعات مالية لزعامة الحزب بلغت في إجماليها 275 ألف دولار. وأبلغ خالد بكداش المقر بأنه تم إنفاق أكثر من 50 ألف دولار على إنشاء مطبعة سرية، وطالب بمبلغ إضافي. ووصلت المدفوعات في عام 1980 إلى 329 ألف دولار، على الأقل. كما كان المقر يزود الحزب بالأسلحة الخفيفة والذخيرة.

وتكشف وثائق متروخين ان كي جي بي كان يلجأ إلى استخدام وسائل وحيل قذرة في معظم الدول التي تعمل فيها ومن هذه الوسائل تمرير معلومات مضللة بهدف إلحاق أفدح الأضرار بخصومه أو بمن يعتقد انهم يعادون الفكر السوفييتي ويميلون الى الفكر الغربي والأميركي.

وسرب الجهاز الى القيادة السورية العديد من الرسائل التي حرض فيها حزب البعث على تنفيذ حكم الإعدام في أكثر من 200 من الضباط الذين أوعز إلى السلطات بأنهم يتآمرون لقلب نظام الحكم.

اختراق للمنظمات الفلسطينية

تشير وثائق متروخين إلى ان «كي جي بي» نجح في عام 1970 في تجنيد وديع حداد الذي كان في ذلك الوقت نائب زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورئيس عمليات الجبهة الخارجية.

وقد وجه اندروبوف الى الزعيم السوفييتي ليونيد بريجينيف في مايو رسالة بهذا الخصوص يقول له فيها «إن طبيعة علاقاتنا مع حداد تمكننا من السيطرة على العمليات الخارجية للجبهة والتأثير على قراراتها بطريقة تخدم مصالح الاتحاد السوفييتي».

إلا ان مهمة حداد كعميل لـ «كي جي بي» انتهت بعد أشهر قليلة من بدايتها. ففي مساء يوم 11 يوليو كان يعقد اجتماعاً بشقته في بيروت مع ليلى خالد التي قامت بخطف إحدى الطائرات.

وخلال الاجتماع أُطلق على الشقة عدد من صواريخ الكاتيوشا، إلا ان حداد وليلى نجيا من هذا الحادث، والأمر المذهل ان اصاباتهما كانت طفيفة، وأحد الأسباب التي دفعت حداد لأن يصبح عميلاً هو رغبته في الحصول على أسلحة سوفييتية للجبهة.

وكان أول استغلال لحداد كعميل للاستخبارات السوفييتية في عملية أطلق عليها اسم «فينت» ووافق عليها بريجينيف، وكانت تقضي باختطاف نائب رئيس محطة «السي آي ايه» في لبنان وإرساله الى الاتحاد السوفييتي. وأكد اندروبوف لبريجينيف ان أحداً لن يشك في أن كي جي بي وراء هذه العملية، بل ستتركز الشكوك حول الفلسطينيين.

ورغم عمليات الإعداد والتحضير الطويل، إلا ان العملية فشلت، حيث كان نائب رئيس محطة «السي آي ايه» يغير كل يوم من عاداته وتحركاته، وكان من المستحيل على رجال حداد اختطافه.

وتشير وثائق متروخين الى ان «كي جي بي» نجح مع ذلك في عمليات اختطاف أخرى قام فلسطينيون بتنفيذها لصالحه، وكان من أبرز من تعاونوا مع «كي جي بي» أحمد يونس رئيس جهاز الأمن في الجبهة الشعبية، إلا ان تعاون «كي جي بي» مع حداد كان أكبر من تعاونه مع يونس.

وتظهر الوثائق كذلك ان علاقة «كي جي بي» مع الفلسطينيين عموماً كانت تهدف الى خدمة مصالح موسكو أكثر مما ترمي إلى خدمة مصالح القضية الفلسطينية. وكان الجهاز يطلب منهم القيام بإجراءات معينة لمنع تنفيذ عمليات تضر بالمصالح السوفييتية.

وعلى ذلك لم يظهر «كي جي بي » اهتماماً كبيراً بمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من أنه نجح في زرع عميل في مكتب رئيس جهاز استخبارات قائدها ومستشاره المقرب.

في عدن

يشير الكتاب إلى أن أقرب حليف ايديولوجياً للاتحاد السوفييتي في العالم العربي تمثل في جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية «اليمن الجنوبي» التي تأسست في عام 1970 بعد ثلاث سنوات على نيلها الاستقلال من بريطانيا. ومع توسع الوجود السوفييتي في المحيط الهندي خلال السبعينات من القرن العشرن، لجأ الأسطول السوفييتي الى استخدام ميناء عدن بصورة متكررة.

وكانت المهام الرئيسية لمقر «كي جي بي» في عدن تدور حول رصد الصراع على السلطة بين قيادات جبهة التحرير الوطنية وخلفها «اعتباراً من أكتوبر 1978» الحزب الاشتراكي اليمني، وخلال الفترة من 1969 وحتى 1978 شهد اليمن الجنوبي صراعاً طويلا على السلطة بين عبدالفتاح إسماعيل زعيم الجبهة المتأثر بالفكر السوفييتي وسالم ربيع علي الرئيس المتأثر بالفكر الصيني. وفي يونيو 1978 وبمساعدة سوفييتية وكوبية، قاد عبدالفتاح إسماعيل انقلاباً ناجحاً ضد سالم ربيع علي الذي تم إعدامه بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري بدعم من الغرب.

تم العثور ضمن وثائق متروخين على تقرير للاستخبارات السوفييتية مرفوع إلى أندروبوف يشير إلى أن الاتحاد السوفييتي لم يسترد سوى مبالغ ضئيلة من استثماراته الضخمة في الشرق الأوسط. فليس لدى مصر وسوريا والعراق نية لسداد ديونها الكبيرة، كما لم تعد مصر حليفاً يعتمد عليه من منظور موسكو.

بينما العلاقة مع العراق غير مأمونة، كما تبدي سوريا عدم استعداد لتوقيع معاهدة صداقة. واقترح أندروبوف بالتالي التركيز على جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية التي لا تحتاج إلى مساعدات كبيرة. ومنذ عام 1972 عزز «كي جي بي» علاقاته مع جهاز المخابرات اليمني الجنوبي، وجرى تدريب ضباط من المخابرات اليمنية على أساليب الاستخبارات الحديثة وفك الشيفرات.

واعتباراً من يوليو 1973 عين «كي جي بي» ضابط اتصال من عدن، وذلك بالإضافة إلى أفراد مقر عدن غير المعلن عنهم. وفي مايو 1974 وقع «كي جي بي» والمخابرات اليمنية الجنوبية اتفاقية سرية حول التعاون بمجال العمليات الاستخباراتية ضد الولايات المتحدة وبريطانيا، وتم تزويد المخابرات اليمنية بأجهزة خاصة من المرجح أنها تتعلق بعمليات التنصت والمراقبة.

إلا أن وثائق متروخين تشير إلى أن قلق «كي جي بي» الأساسي كان تجاه الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) وليس تجاه اليمن الجنوبي. ففي يوليو 1972 أصبحت الجمهورية العربية اليمنية أول دولة بجامعة الدول العربية تستأنف علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، بعد أن كانت قد انقطعت في أعقاب حرب يونيو 1967.

وازداد قلق موسكو عندما تولى نظام عسكري موال للغرب السلطة في يونيو 1974 وسعى للحصول على أسلحة من الولايات المتحدة. ومن هنا شرع جهاز «كي جي بي» في القيام بإجراءات نشطة مطولة تهدف إلى تشويه سمعة ثلاثة من المسؤولين اليمنيين الذين وصفوا بأنهم من ذوي التوجهات الموالية لأميركا.

وفي إبريل 1980 كانت السياسة السوفييتية من الانتكاسات، عندما أطاح انقلاب في جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية بحليفها القوي الرئيس عبدالفتاح إسماعيل.

وكان من أسباب الانقلاب الاستياء من حجم المساعدات السوفييتية التي كانت أقل كثيراً من المساعدات السوفييتية لبقية الحلفاء الآخرين في العام الثالث. كما أرجع اليمنيون الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في عدن إلى عدم استكمال السوفييت لبناء محطة للكهرباء كانوا قد وعدوا بها.

إلا أن عبدالفتاح إسماعيل نجا من عملية إعدامه وذلك على عكس سلفه. ويبدو أن ذلك قد تحقق بعد أن تدخل السفير السوفييتي في عدن، مما جعل النظام الجديد يسمح بنفيه في موسكو.

وسارع الاتحاد السوفييتي إلى رأب الصدع مع النظام الجديد في اليمن الديمقراطي ووجه الدعوة إلى علي ناصر محمد لزيارة موسكو، وذلك بعد مرور شهر واحد على الانقلاب.

وأدت الزيارة إلى التوصل إلى اتفاقية جديدة خاصة بالمساعدات السوفييتية (ومن بينها استكمال محطة الكهرباء) بالإضافة إلى صدور بيان مشترك أدان السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وأيد النظام الموالي للسوفييت في أفغانستان.

وفي سبتمبر 1980 حصل «كي جي بي» من عملائه في جهاز المخابرات اليمني الشمالي على نسخة من شريط يسجل مباحثات سرية بين الرئيسين صالح ومحمد تم تسجيله من دون معرفتهما بناء على تعليمات محمد خميس وزير الشؤون الداخلية ورئيس إدارة الأمن القومي المركزي باليمن الشمالي.

وتم تسليم الشريط إلى الرئيس علي عبدالله صالح كدليل على خيانة خميس. كما بذلت محاولات لإقناع صالح بأن لخميس علاقات بالاستخبارات الأميركية. وتم استبعاد خميس، وتشير ملفات «كي جي بي» إلى أنه تمت تصفيته جسدياً في يناير 1981.

يفيد الكتاب أنه رغم النجاحات التكتيكية التي حققها «كي جي بي» في اليمن الشمالي، فقد كان تأثيرها الاستراتيجي محدوداً. فاعتباراً من عام 1982 وصاعداً، أدى اكتشاف النفط في اليمن الشمالي إلى منح سلسلة من الامتيازات إلى شركات أميركية. وفي أبريل 1986 حضر الرئيس علي عبدالله صالح ونائب الرئيس الأميركي بوش حفل الافتتاح الرسمي لأول مرة مصفاة بترول باليمن الشمالي. وقال بوش بهذه المناسبة إن التعاون في مجال انتاج النفط يعني شراكة أميركية أكبر مع الشعب اليمني.

وفي الوقت ذاته كانت جمهورية اليمن الديمقراطية تعيش حالة من الاضطراب، ففي 13 يناير 1986 تم إطلاق النار على مناهضي الرئيس وهم يحضرون اجتماعاً للمكتب السياسي. ويبدو أن مقر «كي جي بي» في عدن لم يتلق أي تحذير مسبق بتجدد الصراع الدموي. وخلال الحرب الأهلية التي نشبت في أعقاب ذلك واستمرت أسبوعين قتل الألوف من أعضاء الحزب والقوات المسلحة.

وبلغت تكلفة الدمار الذي تعرضت له المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية في عدن نحو 140 مليون دولار، وذكر قائد القوات البرية السوفييتية الجنرال يفغيني ايفانوفسكي، الذي تم إيفاده إلى عدن في مهمة إعادة السلام، أن نحو ثلث الضباط اليمنيين الذين قتلوا في المعارك كان قد تم تدريبهم في أكاديميات عسكرية سوفييتية.

اختراقات محدودة

تشير وثائق متروخين إلى نجاحات محدودة لـ «كي جي بي» في إسرائيل. وكانت الاستخبارات السوفييتية تحرص على إرسال عملاء لها ضمن أفواج اليهود السوفييت الذين كانوا يهاجرون إلى إسرائيل خلال السنوات الأولى لقيام الكيان الإسرائيلي.

وفي منتصف الخمسينات من القرن العشرين نجح «كي جي بي» في تشكيل مجموعة عملاء داخل حزب مابام الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن ملاحظات متروخين لا تحدد بالاسم أعضاء هذه المجموعة، إلا أنه من المرجح أنها كانت تضم أهارون كوهين خبير مابام المتخصص في الشؤون العربية.

وقد تم اكتشاف اتصالات كوهين بمقر «كي جي بي» في تل أبيب بعد أن رصد رجل شرطة سيارة تحمل أرقاماً دبلوماسية مسجلة باسم ضابط عمليات في كي جي بي تقف خارج بوابة كيبوتز كوهين بالقرب من حيفا في عام 1958. كما أدى رصد جهاز «شين بيت» لاجتماعات أخرى بين كوهين وضباط «كي جي بي» إلى اعتقاله.

ورغم زعم كوهين بأن علاقاته مع الروس كانت قاصرة على موضوعات أكاديمية، إلا أن حكماً قد صدر ضده بالسجن خمسة أعوام. ويفيد الكتاب أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي المعروف باسم «الموساد» عانى من عملية اختراق سوفييتية كبيرة في منتصف الخمسينات.

فقد نجح «كي جي بي» في تجنيد أهم عميل له خلال العقد الأول لوجود إسرائيل، وهو زييف أفني الاقتصادي والمنظر الشيوعي الأيديولوجي القوي الذي قضى الحرب العالمية الثانية في سويسرا حيث تمكنت المخابرات العسكرية السوفييتية من تجنيده في عام 1943. وفي عام 1948 هاجر إلى إسرائيل وحاول تجديد اتصالاته بالسوفييت إلا أنه لقي استجابة فاترة نظرا لافتقاره للعنصر الأمني.

حيث لم يحرص على إخفاء معتقداته الشيوعية، بل انه أبلغ أحد أعضاء حزب مابام بأنه سيكون سعيدا إذا ساعد الحزب على إقامة علاقة مباشرة مع موسكو. وفي عام 1952 حصل أفني على أول وظيفة خارجية حيث تولى منصب الملحق التجاري الإسرائيلي في بروكسل، كما تولى ضابط الأمن وحصل على مفاتيح الخزانة الوحيدة للبعثة التي كان يتم فيها الاحتفاظ بالوثائق السرية.

وبعد أن نجح في تجديد اتصاله بالاستخبارات العسكرية السوفييتية، بدأ في تصوير محتويات الخزانة. وبعد إلقاء القبض عليه بعد مضي أربع سنوات اعترف لضابط التحقيق بأنه أعطى للسوفييت كل شيء كان تحت يده. وفي عام 1955 ـ 1956 ـ زود أفني مقر «كي جي بي» في بلغراد بالشيفرات التي استخدمها «الموساد» لاتصالاته مع محطتي بلجراد واثينا التابعتين له.

كما قدم تفاصيل عن بعض عناصر «الموساد» في فرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا وسويسرا ويوغوسلافيا وقد تم اعتقال أفني في أوائل عام 1956 وحكم عليه بالسجن 14 عاماً.

ويفيد الكتاب أنه في فترة اعتقال أفني نفسها تقريبا، أجرى «كي جي بي» اتصالا أوليا مع «إسرائيل بير» أستاذ التاريخ العسكري في جامعة تل أبيب والمعلق العسكري الشهير واللفتنانت كولونيل في احتياطي جيش الدفاع الإسرائيلي.

ونجحت كي جي بي في تجنيده حيث تمكن من عقد صداقة وثيقة مع شيمون بيريز وهي الصداقة التي مكنته من الحصول على معلومات حول محاولات بيريز السرية في عام 1957 للحصول على مساعدات عسكرية من ألمانيا الغربية وشراء غواصات ألمانية معدلة.

وعندما تسربت هذه الأخبار إلى الصحافة هدد ديفيد بن غوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي بالاستقالة. وقد زرع «الشين بيت» أجهزة تنصت بشقة بير في تل أبيب، إلا أنه فشل في العثور على أي دليل يدينه.

وأدى قرار موسكو بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أعقاب حرب يونيو 1967 إلى إغلاق مقر «كي جي بي» في إسرائيل الأمر الذي قلص العمليات الاستخباراتية السوفييتية.

وبعد إغلاق المقر أدرك الشين بيت أنه تم تحويل مقر «كي جي بي» إلى بعثة الكنيسة الارثوذكسية السوفييتية في القدس التي لم تتمكن من تقديم قاعدة آمنة لعمليات «كي جي بي» كما فقدت الاستخبارات السوفييتية عددا من العملاء الذين تمكنت من تجنيدهم قبل حرب يونيو.

وبعد استئناف هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل في عام 1969 استغلت «كي جي بي» الفرصة ودست العديد من العملاء بين المهاجرين، إلا أنه يبدو وفقا لأرشيف متروخين أن «كي جي بي» لم يحقق اختراقات كبيرة للجيش الإسرائيلي أو لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.