أكد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أنه إذا كانت المحرقة قد وقعت بالفعل، فإن إسرائيل يجب أن تقوم في أوروبا وليس في فلسطين. وفي حوار مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية أخيرا تناول بشكل كامل قضية المحرقة، دعا نجاد إلى تشكيل مجموعة محايدة من العلماء تبحث تاريخيا فيما إذا كانت المحرقة قد وقعت بالفعل أم لا، مؤكدا أن الوصول إلى رأي محدد وقاطع في هذا الصدد سيحل كثيرا من مشكلات العالم الراهنة.
وفيما يلي نص الحوار:
ـ كان حتميا أن يثير إنكارك للمحرقة التي تعرض لها اليهود على أيدي الألمان حالة من الغضب.
ـ لا أفهم بالتحديد العلاقة بين الأمرين.
ـ أولا أدليت بتصريحات حول المحرقة. ثم تم تداول أخبار تفيد بأنك قد تسافر إلى ألمانيا، الأمر الذي أثار قدرا كبيرا من اللغط. وبعد ذلك تملكتك الدهشة من كل ذلك!
ـ لا ليس الأمر كذلك. إن شبكة الصهيونية نشطة للغاية في كل مناطق العالم، ومنها أوروبا. ولذلك لم أُفاجأ على الإطلاق. إننا كنا نخاطب الشعب الألماني. فنحن ليست لدينا أي علاقة بالصهاينة.
ـ إنكار المحرقة أمر يُعاقب عليه القانون في ألمانيا. هل تشعر باللامبالاة عندما تواجه مثل تلك الحالة العارمة من الغضب؟
ـ أعلم أن «دير شبيغل» مجلة محترمة. ولكنني لا أعلم ما إذا كان يُسمح لكم أن تنشروا حقيقة المحرقة أم لا. هل يمكن لكم أن تكتبوا أي شيء عن هذا الأمر؟
ـ بالطبع نحن لدينا الحق أن نكتب عن نتائج ما تم من بحث تاريخي على مدار الستين عاما الماضية. ونرى أنه ليس هناك أدنى شك في أن الألمان للأسف يتحملون ذنب قتل ستة ملايين يهودي.
- نحن الآن نثير نقاشا محدد المعالم بشكل كبير. فهناك سؤالان واضحان يفرضان نفسيهما في هذا الصدد: هل المحرقة وقعت بالفعل؟ وأنت أجبت عن هذا السؤال بالإيجاب. ومن ثم فإن السؤال الثاني هو: منْ المسؤول عما حدث؟ الإجابة عن السؤال الثاني يجب أن يتم البحث عنها في أوروبا وليس في فلسطين. الأمر واضح كل الوضوح: إذا كانت المحرقة قد وقعت في أوروبا، فإنه يجب البحث عن المسؤول عنها في أوروبا.
وإذا لم تكن هناك محرقة في الأساس، فلماذا يوجد هذا الاحتلال؟
ـ أنت تعني دولة إسرائيل؟
ـ أنت تقول لماذا تُلزم الدول الأوروبية نفسها بالدفاع عن هذا النظام؟ فلتسمح لي أن أوضح نقطة هنا. نحن نرى أنه إذا كانت هناك واقعة تاريخية حقيقية قد حدثت فإن الحقيقة ستظهر بشكل واضح للغاية إذا تم بحثها وإذا فُتح النقاش حولها بشكل أكبر.
ـ هذا يحدث منذ وقت طويل في ألمانيا.
- نحن لا نريد أن ننفي أو نثبت حدوث المحرقة. نحن نعارض أي نوع من الجرائم يرتكب ضد أي شعب. ولكننا نريد أن نعرف ما إذا كانت الجريمة قد وقعت أم لا.
فإذا كانت قد وقعت فإن المسؤولين عنها- وليس الفلسطينيين- هم الذين يجب معاقبتهم . فلماذا يتم السماح بعمل بحوث عن واقعة ارتُكبت منذ 60 عاما؟ فعلى الرغم من كل شيء هناك وقائع تاريخية حدثت منذ ألوف السنين ولا تزال قيد البحث، بل ان هناك حكومات تؤيد عملية البحث تلك.
ـ سيدي الرئيس، مع كامل احترامي لكم، المحرقة قد وقعت بالفعل، فقد كانت هناك معسكرات تعذيب وهناك ملفات تتحدث عن استئصال اليهود وجرى بحث تاريخي مستفيض في هذا الأمر، وليس هناك أي قدر من الشك في وقوع المحرقة، وليس هناك أيضا شك، للأسف، في أن الألمان هم المسؤولون عما حدث. وإذا كان لي أن أضيف شيئا في هذا الصدد فهو أن مصير الفلسطينيين يُعد قضية مختلفة تماما، وهو ما يعود بنا إلى الحاضر.
- لا، لا مطلقا. إن جذور الصراع في فلسطين يجب أن تبحث في التاريخ. إن المحرقة والقضية الفلسطينية قضيتان مرتبطتان تمام الارتباط. وإذا كانت المحرقة قد وقعت فإنه يجب السماح لأطراف محايدة من جميع أرجاء العالم بالبحث في القضية. لماذا تحصر البحث بين جماعة معينة؟ بالطبع أنا لا أعنيك أنت هنا بسؤالي، ولكنني أعني الحكومات الأوروبية.
ـ أمازلت ترى أن المحرقة مجرد «خرافة» ؟
- أنا لا أقبل أمرا ما كحقيقة إلا إذا كنت مقتنعا به بشكل فعلي.
ـ حتى إن لم يكن هناك أي عالم غربي لديه أي شك في وقوع تلك المحرقة؟
- لكن هناك رأيين في هذا الصدد في أوروبا. فهناك مجموعة من العلماء أو الأشخاص معظمهم متأثر ببعض الاتجاهات السياسية، تقول إن المحرقة وقعت بالفعل. ثم هناك مجموعة أخرى من العلماء تمثل الاتجاه الآخر.
وبالتالي فإنه يجري اعتقالهم بسبب رأيهم هذا. ولذا فإنه يجب أن تكون هناك جماعة محايدة تأتي للتحقيق والبحث في الأمر، وتقدم رأيها في هذا الموضوع المهم للغاية، وذلك لأن توضيح تلك القضية سيساهم في حل مشكلات عالمية.
فبسبب الادعاءات التي تؤكد وقوع المحرقة حدث في العالم قدر كبير من الاستقطاب، وتكونت جبهات كثيرة. ولهذا فإنه سيكون من الجيد تشكيل مجموعة محايدة من العلماء تتولى البحث في المسألة من أجل توضيحها بشكل كامل ونهائي. والحكومات بشكل طبيعي تدعم عمل الباحثين في القضايا التاريخية ولا تعتقلهم ولا تضعهم في السجون.
ـ منْ المفترض أن يكون هؤلاء العلماء؟.. أي باحثين تقصد؟
- أنت تعلمهم أفضل مني. فلديكم قائمة بأسمائهم. فهناك أناس من بريطانيا ومن ألمانيا ومن فرنسا ومن أستراليا.
ـ من المفترض أنك تعني على سبيل المثال الإنجليزي ديفيد إيرفينغ والألماني من أصل كندي إرنست زوندل الذي يحاكم الآن في مانهايم والفرنسي جورج ثي وجميعهم ينكر حدوث المحرقة.
- مجرد حقيقة أن تعليقاتي قد تسببت في كل هذا القدر من الاحتجاج على الرغم من أنني لست أوروبيا وكذلك حقيقة أنه تمت مقارنتي بأشخاص معينين في التاريخ الألماني- هاتان الحقيقتان تثبتان كيف أن إطار البحث في بلادكم مشحون للغاية بسبب تلك القضية. ولكن هنا في إيران لا يجب عليك أن تقلق.
ـ حسنا. نحن نُجري معك هذه المقابلة في هذا الوقت بالتحديد بهدف معين. هل تشكك في حق إسرائيل في الوجود؟
- حسنا. إن آرائي في هذا الصدد واضحة للغاية. إننا نقول إنه في حال كون المحرقة قد وقعت فإن الأوروبيين هم الذين يجب أن يتحملوا عواقبها، وليس على الفلسطينيين أن يدفعوا الثمن. وإذا لم تكن قد وقعت فإن اليهود يجب أن يعودوا من حيث أتوا. إنني أعتقد أن الشعب الألماني اليوم هو أيضا أسير للمحرقة. لقد قُتل ستون مليون شخص أثناء الحرب العالمية الثانية.
إن تلك الحرب كانت جريمة شنعاء. ونحن ندينها بالكامل. نحن ضد سفك الدماء، سواء كان سفك الدماء هذا يتم ضد مسلمين أو مسيحيين أو يهود. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا من بين الستين مليون ضحية يستحوذ اليهود وحدهم على كل الاهتمام؟
ـ الأمر ليس هكذا. كل الشعوب تنعى ضحايا الحرب العالمية الثانية، سواء كانوا من الألمان أو الروس أو البولنديين أو أي شعب آخر. ولكن نحن الألمان لا نستطيع أن نعفي أنفسنا بشكل خاص من الذنب بسبب عمليات القتل المنظم التي تعرض لها اليهود، وأنا هنا لدي سؤال أوجهه إليك. ما هو الدور الذي لعبه شباب اليوم في الحرب العالمية الثانية؟
- لا يوجد أي دور. لماذا إذا يشعرون بأي ذنب تجاه الصهاينة. لماذا يجب أن يدفعوا الثمن للصهاينة من جيوبهم؟ إذا كان هناك من ارتكب جرائم في الماضي، فإن محاكمتهم كانت يجب أن تُجرى منذ 60 عاما. وتنتهي القصة حينها.
لماذا يجب أن يتعرض الألمان للإهانة اليوم لأن هناك جماعة من الناس ارتكبت جرائم باسمهم في مرحلة ما من التاريخ؟ كيف يكون شخص ما لم يكن حيا وقتها مسؤولا على المستوى القانوني عما يكون قد حدث؟ لماذا هذا الشعور بالذنب تجاه الصهاينة؟ إذا كانت هناك بالفعل محرقة قد وقعت فإن إسرائيل يجب أن تكون الآن في أوروبا وليس في فلسطين.
ترجمة: حاتم حسين
عن «ديرشبيغل»
