يلقي المؤلفان في هذا المنعطف من الكتاب الضوء على مشروع ماو «القفزة الكبرى الى الأمام» والذي مثل أحد أبرز المشروعات على طريق تعزيز طموحاته، ويؤكدان ان هذا المشروع انتهى الى فشل ذريع، كما يستعرضان بعض ملامح الصراع الخفي بين ماو وخروشوف والذي يماثل الى حد كبير الصراع الذي كان قائما بين ماو وستالين.
في إطار سعيه الى امتلاك القوة الإقتصادية والعسكرية أعلن ماو برنامجه لتحقيق ما أطلق عليه «القفزة الكبرى الى الأمام» في عام 1958، ومواصلا نهجه في خداع الجماهير جاء الإعلان عن المشروع بدعوى أن الهدف هو أن تلحق الصين بالدول الرأسمالية خلال فترة قصيرة وتصبح إحدى الدول الغنية، ومن الدول الأكثر تقدما وقوة بارزة على مستوى العالم.
فيما راح ماو يفصل للمقربين ماذا يعني بالقفزة الكبرى قائلا : إن المحيط الهادي الآن في حالة لا تتسم بالسلام وهو يمكن ان يكون كذلك فقط عندما نحكم السيطرة عليه. وهنا علق أحد مساعديه انه لتحقيق ذلك يجب بناء قوة بحرية كبيرة يمكنها القيام بعمليات في اليابان والفلبين وسان فرانسيسكو.. غير أن ماو واصل حديثه قائلا: كم سنة يمكن أن نحتاجها لبناء مثل هذه القوة؟
ويعرض المؤلفان لطروحات لماو تكشف عن تعاظم أحلامه ومن ذلك قوله في غمار الحديث عن طموحاته الكبيرة والمتزايدة: في المستقبل سوف ننشئ لجنة ادارة العالم ونعد خطة شاملة في هذا الخصوص .. فبعد أن أحكم ماو سيطرته على الصين أصبح يوجه ناظريه الى العالم كله وليس إلى منطقة محددة منه.
على مستوى السكان الصينيين كانت «القفزة الكبرى إلى الامام» تعد قفزة هائلة بالفعل ولكن على مستوى ما يتم اقتطاعه منهم من المحاصيل التي يزرعونها وهو الامر الذي زاد من قبضة النظام من أجل منع عدم تسرب أي نتاج من الأرض خارج دائرة التجميع. كان الأمر مختلفاً.
وفي هذا الخصوص راح ماو يتهم الفلاحين بافتقاد «الروح الشيوعية» معتبرا أن الفلاح في النهاية فلاح .. وأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنه أن يتصرف على أساسها. وربما كان ماو نسي لحظة اطلاقه هذه العبارة انه هو أيضا فلاح.
الأولوية للتصدير
على الصعيد العملي أدت هذه السياسة إلى زيادة إنتاج البلاد إلى الحد الذي مكن ماو من تصدير نحو 474 مليون طن من الحبوب تقدر قيمتها بنحو 935 مليون دولار في عام 1959.
وأتخذ ماو من هذا الأمر وسيلة للترويج لبلاده وقدرتها فعندما زار الزعيم السوفييتي خروشوف بكين عام 1958 سعى ماو إلى الضغط عليه من أجل مساعدة بلاده من أجل إنتاج غواصات نووية، الأمر الذي كان متوقعا أن يكون عالي الكلفة. وعندما سأل خروشوف عما ستدفعه الصين مقابل ذلك فإن رد ماو تمثل في ان بلاده لديها كميات هائلة من إمدادات الغذاء.
لقد تطلب ذلك من الفلاحين العمل في ظروف بالغة الصعوبة مقارنة بذي قبل ولساعات أطول. وعزز من الأضرار التي لحقت بالفلاحين أن ماو كان يريد تعظيم الإنتاج من دون رفع تكلفة عملية الإنتاج ولذلك لجأ إلى سياسة الاعتماد على العمالة الكثيفة.
ويروي مؤلف الكتاب هنا العديد من الجوانب ذات الطبيعة المأساوية المتعلقة بمشروعات ماو للدفع بزيادة الإنتاج سواء فيما يتعلق بتعزيز نظم الري أو غيرها والتي كان يتبع خلالها نظماً أشبه أو هي ذاتها السخرة حيث كان المزارعون يكرهون على العمل في هذه المشاريع وسط ظروف معيشية بالغة السوء وهو ما أدى إلى وفاة الألوف منهم.
وفي معرض تقويمهما لحصاد القفزة الكبرى يشير المؤلفان إلى أن الحصاد النهائي لها يمكن اعتباره بمثابة فشل ذريع لها، معتبرين أن ماو أهدر الكثير من التقنية والمعدات التي اشتراها من روسيا، وهو الأمر الذي يرجعانه إلى تسلطه وعدم إشراكه الآخرين في صنع سياسته. لقد كان ذلك يعود بشكل رئيسي الى الطابع الفردي الذي اتسم به حكم ماو.
وفي ذلك يقول أحد المسؤولين الروس في 1958 : لقد طلبت من اثنين من كبار مساعدي ماو أن يحاولا إقناعه بأن يحتفظ بأفكاره لنفسه ولكن ماو لم يكن ليصغى إلى ذلك. لقد قالا له آسفين إن ماو لا يتفق مع الجانب السوفييتي في الكثير من الآراء.
هكذا فإن القفزة الكبرى انتهت إلى ما قد يمثل فشلا ذريعا لطموحات ماو، ورغم التوسع في المشروعات إلى حد كبير، إلا أن معظمها لم يستكمل بسبب نقص بعض المواد الأساسية اللازمة له، وكانت هذه النتائج بمثابة كابوس بالنسبة لأحلام ماو، فالسرعة العالية التي اعتمدها من أجل تحقيق أحلامه أفسدت هذا المشروع وكادت ان تقضي عليه.
هكذا انتهى الأمر بالصين إلى انتاج طائرات لا تستطيع التحليق ودبابات لا تسير إلى الأمام بل تنحرف في سيرها، وسفن لا تشكل مخاطر للأعداء وإنما لمستخدميها.
وقد وصل الأمر إلى حد انه عندما أهدى ماو الى هوتشي منه طائرة هليوكبتر فإن منتجيها كانوا متخوفين من ان تسقط به ويتم محاكمتهم على ذلك. والخلاصة أن القفزة الكبرى إلى الأمام التي كان من المخطط لها ان تستغرق أربع سنوات إنما مثلت تجربة فريدة في إهدار كل من الموارد البشرية والطبيعية.
ولم يقتصر ماو في سياسته تلك على الفلاحين وإنما حاول أن يمد نطاق تطبيق تصوراته إلى العمال، وعلى ذلك فإنه في 1958 وفي إطار القفزة الكبرى سعى إلى الأخذ بنظام المعسكرات العمالية في المدن والتي تشبه إلى حد كبير العبودية. وفي ذلك كان يعمل على إلغاء نظام الأجور وهى السياسة التي لاقت قدرا من الفشل، ولكن ذلك لم يثن ماو عن هدفه وهو تحقيق أكبر استغلال ممكن للعمال وعلى ذلك كانت تعليماته للمسؤولين هي : الإنتاج أولا ثم الحياة في مرحلة ثانية.
وفيما يشير إلى طبيعة الأفكار التي كانت تسيطر عليه وتعكس رغبة محمومة في تحقيق قفزة ولكن على طريقته الخاصة أن ماو وقف ذات مرة في ميدان تيان آن مين الشهير والذي خرجت منه فيما بعد مظاهرات الطلبة في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي ..
ووسط إطلالة الميدان على القصور بالغة الجمال والمعابد والهياكل والتي كانت تزين العاصمة بكين في تلك الفترة. وسط هذه الرؤية الخلابة أخذ ماو يوجه عمدة العاصمة قائلا : في المستقبل أريد أن أنظر أمامي فأرى مداخن المصانع في كل مكان! الأكثر سوءا من ذلك أن ماو كان يريد هدم المدن القائمة وبناء أخرى صناعية على أنقاضها.
وفي ذلك العام الذي بدأت فيه القفزة الكبرى أجرى النظام مسحا للآثار التاريخية والتي بلغت نحو 8 آلاف أثر، وقرر أن يبقي على نحو 58 منها فقط ، الأمر الذي لم يلق القبول على المستويات الدنيا من المسؤولين وهو ما أدى إلى تأخر تنفيذ المشروع، وإن كان قد تم هدم أسوار المدينة القديمة والتي تعود إلى قرون مضت. لقد كان ماو حسبما يشير المؤلفان يشعر بالنفور من العمارة الصينية فيما يمتدح في الوقت ذاته المباني اليابانية والأوروبية.
أما على صعيد الحياة في المدن فقد كانت تواجه هي الأخرى أوضاعا مأساوية حيث كان الناس يعيشون حالة مجاعة إزاء محدودية الحصص التي كانوا يحصلون عليها من الأغذية حتى أن كمية اللحوم المخصصة للشخص الواحد هبطت من 1,5 كيلو جرام للشخص الواحد عام 1957 إلى نحو 5,1 كيلو جرام عام 1960، وفي مواجهة هذا النقص الحاد لم يجد النظام سوى أن يطلب من المواطنين اللجوء إلى أغذية بديلة.
لقد أدى ذلك إلى ما يمثل حالة مجاعة على مستوى البلاد استمرت حتى 1961 وبلغت ذروتها عام 1960 وهو العام الذي سجل فيه وصول معدل ما يحصل عليه الفرد من سعرات حرارية الى 1543 سعراً حرارياً فيما وصل في بعض المناطق إلى 1200 و1300. لقد كان هؤلاء يعملون نحو 11 ساعة في اليوم وكان أغلبهم، وحال فشلهم في الحصول على ما يكفيهم من غذاء يموتون خلال شهور.
الطعام في المستودعات
من الفظائع التي يشير إليها الكتاب بشأن نتاج هذه السياسة أن المجاعة أدت في تلك الفترة إلى بروز ظاهرة أكل لحوم البشر. وقد سجلت إحدى الدراسات نحو 63 حالة من هذا القبيل في ربيع 1960 من بينها حالة أكل فيها أب وأم أبنهما الذي يبلغ من العمر نحو 8 سنوات. ومن المثير للدهشة وسط كل هذا أنه فيما كان البشر يأكلون بعضهم البعض فإن الطعام كان متوفرا بكثرة في المستودعات ويقوم على حراسته الجيش. الأكثر مدعاة للدهشة أن الأمر وصل الى حد أن بعض الإغذية كانت تترك لتصل لمرحلة التلف.
لقد كان نتاج هذه السياسة قفزة كبرى ولكن على طريق الموت حيث لقي نحو 38 مليون شخص حتفهم بسبب المجاعة التي سادت الصين في تلك الفترة جراء سياسات ماو. ولعل ذلك نبع من إحساسه بالكثرة العددية للصين، ما جعله لا يأبه بما قد يحدث لهذه الملايين، وهو ما ظهر بشكل كبير في إداراته للحرب الكورية، حيث كان رهانه على الكثرة العددية لبلاده من أجل خدمة أهداف تتعلق بطموحه، وليس بمصالح بلده بشكل عام.
وقد تأكد هذا الرقم من خلال أحد كبار مساعدي ماو وهو ليو شاو شي حتى قبل أن تنتهي المجاعة، حيث أخبر السفير السوفييتي في بكين في تلك الفترة أن نحو 30 مليون شخص لقوا حتفهم بالفعل جراء المجاعة. لقد كانت هذه أكبر مجاعة في تاريخ القرن العشرين، بل وفي التاريخ المعروف للبشرية، واستغرقت نحو أربع سنوات.
بالمقابل فإن الصين صدرت خلال العامين 1958 و1959 نحو سبعة ملايين طن من الحبوب كان يمكنها أن تمد الصينيين الذين لقوا حتفهم جراء المجاعة ويقدر عددهم بنحو 38 مليون شخص بنحو 840 سعرا حراريا يوميا للفرد..
وهو الرقم الفاصل بين الحياة والموت بالنسبة لهؤلاء. ومن الجوانب اللافتة للنظر أن تلك الحسبة البسيطة أنما تضع في اعتبارها فقط الحبوب من دون أن يدخل في إطارها اللحوم التي تم تصديرها وزيت الطهي والبيض والمواد الغذائية الأخرى.
والتي كان يتم تصديرها بكميات كبيرة، كل ذلك من أجل شيء واحد هو توفير الموارد التي تسهل تحقيق هدف ماو في الوصول بالصين الى مراتب الدول العظمى عسكريا إشباعا لرغبة شخصية. ويشير المؤلفان إلى أنه بافتراض أنه لم يتم تصدير هذه السلع فإنه لم يكن لشخص واحد أن يلقى حتفه بسبب الجوع.
كارثة كونفوشيوس
رغم إشارة المؤلفين إلى أن الوفيات التي وقعت لم تكن بالطبع من أهداف ماو إلا أنهما يقولان إن ماو كان يعلم مسبقا أن سياساته قد تفضي إلى ذلك، وهو ما ظهر من خلال العديد من الأقوال له حيث راح يحذر مسؤوليه من أي شعور بالصدمة جراء وقوع وفيات.
وهنا فإنه مما يشير الى توقعه أن تؤدي سياساته في هذا المجال الى وقوع حالات وفيات عديدة أنه لدى تدشين سياسة القفزة الكبري راح يفلسف نظرته تلك مشيرا الى أنه قد يكون امرا كارثيا لو أن كونفوشيوس ظل حيا حتى الأن.
وفي تفسير ذلك ذكر أحد أعضاء الحزب الشيوعي في مقاطعة صينية إثر وفاة العديد من الأشخاص رؤية ماو للأمر والتي تتمثل في أنه لو لم يوجد الموت لما استطاعت الأرض أن تسع البشر الذين يعيشون عليها، بمعنى آخر أن الموت والحياة سنة الكون، وحسب ما أشار اليه هذا العضو فإن الأمر يتلخص في التساؤل حول : من منا لن يموت..؟
لا يقتصر الأمر على هذا التصور الذي يعزز صحة مقولة «كلمة حق يراد بها باطل» وإنما امتد الى تقديم رؤى وتصورات تحبذ الموت وقد يكون الامر مقبولا في إطار معين وهو كذلك بالفعل في إطار فلسفات وأطر حضارية أخرى.
بل وفي الإطار الصيني ذاته غير أن المشكلة هنا ان ماو كان يجيّر كل الأوضاع في بلاده لأهدافه الشخصية بغض النظر عن الفصل في التحليل الأخير بين ما انعكس على الصين من مصالح بعيدة المدى وبين ما تحقق من أهدافه هو الشخصية. وقد وصل به الأمر الى حد الترويج للموت باعتباره وسيلة لتخصيب الأرض!
وفيما يدل على استهانته بالحياة البشرية وليس الإيمان بفلسفة الموت والحياة ما يشير اليه المؤلفان من تصريح له خلال زيارة قام بها للإتحاد السوفييتي عام 1957 ذكر خلاله أن بلاده مستعدة للتضحية بنحو 300 مليون شخص من أجل نصرة الثورة العالمية . وقد كان هذا الرقم يمثل نحو نصف عدد سكان الصين في ذلك الوقت.
وفي استعراض للدلائل على ما يريدان التأكيد عليه بشأن قسوة ماو وسوء فترة حكمه يشير المؤلفان الى أنه في خطاب له أمام الحزب في 21 نوفمبر 1958 وفي سياق تناول المشروعات الكبرى التي تقوم بها البلاد أشار ماو الى أن أعمالاً مثل تلك من الطبيعي ان تؤدي الى وفاة إذا لم تكن نصف السكان فنحو الثلث أو على الأقل العشر داعيا الى عدم لومه حال حصول ذلك.
في التبت ثم يتطرق الكتاب الى تعامل ماو مع إقليم التبت وذلك عبر الفترة من 1950 وحتى 1961 وفي هذا الصدد يشير المؤلفان الى أنه منذ سيطرة ماو على الصين فإنه عزم على الاستيلاء على التبت بالقوة. وعلى ذلك فإنه خلال لقاء له مع ستالين في يناير 1950 حرص على سؤاله عن إمكانية قيام السلاح الجوي السوفييتي بتزويده بإمدادات.
فيما كان يعد العدة لشن هجوم على التبت. وبعد تشجيع من ستالين قام نحو 20 ألف جندي صيني بالتوجه الى التبت، وفي الوقت ذاته أدرك ماو صعوبة السيطرة على هذا الإقليم بفعل الجوانب اللوجيستية المتعلقة بإمدادات القوات التي تتوجه الى هناك. وإزاء ما بدا له من احتمالات مواجهة مقاومة شرسة قرر ماو تأجيل أي عمليات ضد التبت لحين نضوج الاوضاع هناك لمثل هذا العمل.
وفيما يكشف عن العقلية التي كان عليها يشير الكتاب في سياق استعراضه لقضية التبت الى أنه في 1959 اندلعت انتفاضة في لاسا عاصمة الإقليم بعد حديث عن أن الصين تخطط لاعتقال الدلاي لاما. وعلى إثر ذلك تجمع الآلاف أمام قصر الدلاي لاما في لاسا وأخذوا يرددون الهتافات التي تدعو الى خروج الصينيين.
وللخروج من هذا المأزق إزاء الحساسية التي تمثلها حياة الدلاي لاما فقد أصدر ماو في اليوم التالي أوامره بتسهيل الموقف لكي يهرب الدلاي لاما من لاسا.
وكانت حساباته في اتخاذ هذا القرار تقوم على أنه اذا قتل الدلاي لاما خلال مثل تلك الأحداث فإن ذلك قد يؤلب عليه الدول ذات الأغلبية البوذية والهند بما يؤدي الى اشعال الراي العام العالمي ضده.
وعلى ذلك تم السماح للدلاي لاما بالهرب إلى الهند وبمجرد تحقق ذلك أصدر ماو أوامره لرجاله بأن يفعلوا كل ما يستطيعونه للقضاء على الأعداء في لاسا، لحين وصول القوات الرئيسية الصينية، حيث يمكن لها أن تستكمل المهمة.
ومن قصة التبت إلى تحول ماو إلى العالمية خلال الفترة من 1959 وحتى 1964 الأمر الذي يؤدي إلى تزايد حدة مظاهر التنافس مع موسكو رغم محاولات التعايش بين الجانبين. وعلى طريق تحقيق هذا الهدف وقعت الصين وروسيا اتفاقا في فبراير 1959 يقضي بتزويد بكين بوسائل تصنيع غواصة نووية الأمر الذي كان يلح عليه ماو، وكان ذلك بمثابة نقطة تحول بشأن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الكرملين بخصوص نقل التقنية إلى بكين.
وقد جاء الاتفاق في إطار رغبة خروشوف بتزويد الصين بالسلاح وتعزيز وضع ماو بقوة عسكرية كبيرة. غير أن ماو وفي سبيل تحقيق أهدافه كان يطيح في طريقه حتى بأصدقائه وهو ما كان سببا في تحول موقف خروشوف إلى النقيض.
صراع مع خروشوف
من بين الحوادث التي دفعت خروشوف إلى إعادة النظر في موقفه آنذاك سقوط صاروخ أميركي من طائرة تايوانية على الصين من دون ان ينفجر. ولأهمية هذا الأمر سعت موسكو إلى مساعدة الصين في تقصي حقيقة الأمر، بما يعنيه ذلك من تفكيك الصاروخ ومعرفة الجوانب المتعلقة بتصنيعه وغير ذلك، غير أن بكين رفضت الطلب السوفييتي بمساعدتها، وزعم الصينيون أنهم لم يستطيعوا العثور على الصاروخ، في ذات الوقت الذي قاموا بتفكيكه لمعرفة أبعاد الموقف.
لقد اعتبر خروشوف ذلك التصرف عملا ذي دلالة سلبية من قبل ماو مشيرا إلى أن أي طرف آخر في موقف بلاده كان سيشعر بالألم، إننا لم نخف عنهم شيئا، لقد أعطيناهم كل شيء، غير أنهم حينما وقع في يدهم شيء ثمين رفضوا أن نشاركهم فيه.
بناء على هذا كانت النتيجة التي توصل إليها خروشوف هي أن ماو يستخدم روسيا لتحقيق مصلحته فقط من دون أن يهتم بمصالح المعسكر الشيوعي ككل، وخلص إلى أن ماو تحركه الرغبة في السيطرة على العالم.
وكان ذلك سببا وراء اتخاذ قرار خروشوف بتأجيل مساعدة الصين على نقل التقنية النووية اليها وبالتالي عرقلة قدرتها على إنتاج القنبلة، رغم أن هذا الموقف لم يكن بمثابة ضربة قاصمة للصين في ضوء أن لديها المعرفة الأساسية لهذه المهمة. وهنا يعرض المؤلفان جانبا من الصراع بين ماو وخروشوف بشكل يذكرنا بالصراع بين ماو وستالين فيما يشير إلى أن الخصومة تتجاوز الإطار الشخصي إلى طبيعة الطموحات التي كانت تسيطر على ماو وما يمثله الاتحاد السوفييتي من معوق لها.
ففي سبتمبر 1959 زار خروشوف الولايات المتحدة للمرة الأولى من قبل زعيم سوفييتي ومن خلال الزيارة بدا له أن هناك إمكانية لتعايش سلمي مع الغرب. وبعد ذلك مباشرة زار خروشوف الصين في إطار الذكرى العاشرة لتولي ماو السلطة وهناك تباحث مع ماو وحثه على العمل على التوافق مع الغرب من أجل تجنب أي شيء يمكن أن يستغل ضده على النحو الذي يجنب العالم العودة إلى أجواء الحرب الباردة.
غير أن ماو، ولأنه له أجندته الخاصة، رأى في هذا التحول السوفييتي نحو الغرب فرصته التاريخية لتعزيز وضعه الشخصي كزعيم لمن يرون أن التعايش السلمي يكرس هيمنة الغرب، وعزز ذلك أن النظام الدولي في تلك الفترة كان يموج بتحولات عديدة أحد ملامحها الأساسية تصاعد الحركة المقاومة للاستعمار سواء في إفريقيا أو آسيا مما كان يسهل من مهمة ماو.
كما قامت حسابات ماو على أساس أن الأحزاب الشيوعية كذلك تعد أهدافا سهلة للدخول في عباءة موقفه في ضوء رؤية الكثير منها أن فرصتها في الوصول إلى الحكم من غير الممكن أن تتحقق سوى عن طريق العنف. وعلى هذا كانت رؤيته للموقف تتمثل في أن الأحزاب الشيوعية حول العالم ستفقد إيمانها بروسيا وتؤمن بالصين، وبالتالي فإن الفرصة تعد سانحة له لكي يقيم ما اعتبره مركزا للثورة العالمية.
لقد كان الوصول إلى العمل على أن يكون له معسكره الخاص وليس لعب دور الرجل الثاني التابع لموسكو أحد أحلام ماو. وعلى ذلك فإن اتجاه خروشوف إلى تقييد عمليات تزويد بكين بما تحتاجه من تسلح لم يكن يزعج ماو كثيرا في تلك الفترة، غير أنه كان كمن يسير على حبل مشدود، ما استلزم منه أكبر قدر من الحذر في التعامل مع الاتحاد السوفييتي..
حيث حرص في الوقت ذاته على عدم الخروج بالكامل عن المدار الروسي. وعلى ذلك كانت سياسته تقوم على الإمساك بالعصا من المنتصف فلا يغضب غريمه الروسي وفي الوقت ذاته لا يخضع له.