يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع ما يورده مؤلف هذا الكتاب بشأن أساليب ماو في تعزيز قبضته على الحكم وكيف أن ذلك تم من خلال طرق ملتوية استطاع من خلالها خداع العالم بشأن ما يجري داخل بلاده، سواء على صعيد تفاقم المجاعة أو على مستوى عمليات العنف التي واكبت الثورة الثقافية التي تواصلت خلال النصف الثاني من عقد الستينات، وهذا كله يطرح السؤال الكبير:

ما الذي يبقى من ماو في ذاكرة البشرية؟ يشير إلى طبيعة نوايا ماو ما كان يسر به إلى الحاشية المحيطة به من أن الصين سوف تصبح قوة كبرى خلال ثماني سنوات وأن خروشوف لن يكون له أي تأثير عليها آنذاك. وعلى ذلك فقد كان هدفه المرحلي الذي يدعو المسؤولين إلى العمل على تحقيقه هو نشر أفكاره على امتداد العالم بما ينتهي إلى نشر «الماوية».

وهنا يشير المؤلفان الى اتساع نطاق المفارقة بين أهداف ماو والواقع الذي كان يعيشه الصينيون والمتمثل في العمل على تصدير النموذج الصيني، والذي يعيش أفراده حالة من المجاعة باعتباره النموذج الواجب التطبيق.

غير أنهما يشيران أيضا إلى أن ماو كان من اليقظة - إذا اعتبرنا الأمر كذلك - بحيث حاول أن يخفي عيوب نموذجه بحيث لم يكن يسمح بتمرير شيء إلى الخارج سوى ما يقره.

ومن الأمور ذات الدلالة في هذا الخصوص أن ماو نجح إلى حد كبير في خداع العالم بشأن أوضاع بلاده الداخلية ومن ذلك مثلا أن تقريرا للمخابرات المركزية الأميركية في فبراير 1959 بشأن الإنتاج الغذائي الصيني أشار إلى زيادة ملحوظة في الإنتاج.

ليس ذلك فقط بل إن نظام ماو نجح في التعتيم على الأوضاع الداخلية إلى حد أن الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار خرجت من زيارتها للصين بانطباعات لا تعكس حقيقة الوضع هناك، حتى أنها في إشارتها إلى طبيعة حكم ماو ذهبت إلى أنه ليس أكثر ديكتاتورية مما كان عليه الرئيس روزفلت، وقد نشرت كتابا كاملا عن هذه الزيارة لم يشر إلى العنف الذي يمارس ضد السكان سوى في إشارة عابرة.

ولعله مما مكَّن ماو من ذلك أنه لم يكن يسمح مثلاً للصينيين سوى من يتم اختيارهم بعناية بالسفر إلى الخارج. ومن بين هؤلاء بالطبع الدبلوماسيون وهؤلاء كانوا يعملون وفق قواعد صارمة وأوامر مشددة بشأن كل كلمة يجب أن يقولوها وأن يقدموا تقارير بكل المحادثات التي تجري فضلاً عن الرقابة الدائمة على بعضهم البعض. وقد كان السفراء الصينيون الأوائل في غالبيتهم من العسكريين.

ومما يذكره المؤلفان هنا أن ماو قبل إرسالهم التقاهم وراح يحدثهم في صيغة تجمع بين الجد والمزاح قائلاً: «إنكم لا تعرفون أي لغة أجنبية، فضلاً عن أنكم لم تعملوا في السلك الدبلوماسي من قبل، ولكنني أريد أن تكونوا ممثلينا في الخارج، فمن وجهة نظري أنه ليس في إمكانكم الهروب!» وقد توجه أكثر من نصف هؤلاء إلى دول شيوعية ما يعني انتفاء جانب كبير من خطرهم المحتمل.

بالطبع لم يعدم نظام ماو وجود أفراد غامروا بالخروج عليه ليندرجوا في عداد المنشقين على النظام والمعارضين له وهؤلاء كان مصيرهم معروفاً. وهنا يذكر مؤلف الكتاب أن بعض هؤلاء ممن عمل على كسر حاجز الصمت بشأن حكم ماو غامر وعمل على الهرب إلى الخارج ولم يكن أمام أمثال هؤلاء من سبيل سوى السباحة إلى هونغ كونغ.

خارجون عن النظام

نجح هؤلاء في الكشف عن الكثير من الأوضاع المزرية التي كان يعيشها الصينيون في ظل حكم ماو وعن المجاعة والجوانب المظلمة الأخرى، غير أنهم لم يجدوا آذانا تصغي إليهم بالقدر الكافي في الغرب آنذاك.

على العكس من ذلك، فإن الظروف بدت مواتية لكي ينطلي كذب ماو على العالم، ومن ذلك مثلا أنه عندما تحدث هذا الأخير عام 1961 إلى الزعيم الاشتراكي الفرنسي فرانسوا ميتران الذي أصبح رئيسا لفرنسا لاحقا قائلا: «إنني أكرر ما قلته سابقا من أجل أن يسمع العالم أنه ليست هناك مجاعة في الصين» فإن هذه الكذبة لقيت قبولاً على نطاق واسع.

يفصل المؤلفان القول عبر سرد العديد من النماذج التي تكشف عن الحد الذي وصل إليه ماو في خداع العالم، فيشيران إلى أن بيير ترودو رئيس وزراء كندا فيما بعد زار كذلك الصين عام 1960 وراح إثر الزيارة ينفي أخبار المجاعة وامتد الأمر نفسه .

فيما يكشف عن حجم التحايل الذي مارسه ماو آنذاك إلى مستوى رئيس منظمة «الفاو» التابعة للأمم المتحدة، حيث ذكر بعد زيارة للصين في عام 1959 أن إنتاج الصين زاد بنسبة تتراوح من 50% إلى 105% خلال السنوات من 1955 إلى 1958 وأن الصين تبدو قادرة على إطعام كل سكانها.

من حديث القيود على التعامل مع الخارج الأمر الذي أدى إلى عمى نظر العالم آنذاك عن المجاعة الحاصلة في الصين إلى حديث تسويق النظام يعيد المؤلفان في هذا السياق الإشارة إلى بعض المظاهر التي تواصلت في ظل حكم ماو وأشرنا إلى بعضها بشأن نمط تعاطي ماو مع أوروبا الشرقية وقد اعتمد في ذلك على أدوات ثلاث تمثلت في السلاح والمال والطعام.

ومن المفارقات التي يذكرها مؤلفا الكتاب أن نظام ماو قرر تعزيزا لهذا الهدف إنشاء مكتب للمساعدات الخارجية في يناير 1960، وعلى إثر ذلك ارتفعت قيمة هذه المساعدات بشكل كبير في الوقت الذي كانت تواجه فيه الصين أكبر مجاعة في التاريخ العالمي، حيث لقي في ذلك العام وحده نحو 22 مليون صيني حتفهم بسبب الجوع.

ثاني المفارقات على هذا الصعيد أن الصين لم تكن فقط أفقر دول العالم، الأمر الذي كان يعفيها من تقديم مساعدات خارجية، بل إنها على العكس من ذلك كانت الدولة الأكثر سخاءً في تقديم هذه المساعدات، إذا قيست هذه المساعدات إلى الدخل القومي.

وتتواصل المفارقات لنعرف أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن المساعدات كانت توجه لدول تعد في حالة أفضل من الصين مادياً، كل ذلك من أجل تصدير الماوية إلى العالم. أما رابع المفارقات فهي أن تكلفة هذه المساعدات ليس مستوى معيشة الصينيين وإنما حياتهم!

ومما يعتبره المؤلفان من عجائب نظام ماو في ظل الأوضاع التي كان يحياها الصينيون، وهي كذلك بالفعل، أن النظام وصل إلى درجة من السخاء غير مسبوقة حيث كان يتعامل مع ما منحه من قروض في نهاية الأمر على أنها هبات لا ترد، أما بالنسبة لعمليات التسليح فقد كانت المقولة السائدة صينيا آنذاك: «نحن لسنا تجار سلاح» ولم يكن ذلك يعني بالطبع عدم تصدير السلاح وإنما تقديمه من دون مقابل!

وفي إطار عملية الكشف عن الوجه الآخر للماوية، وهو أمر لا يخفى أنه يصدر عن رؤية ذات جوانب انتقادية عديدة لتجربة ماو في الحكم، يشير المؤلفان إلى أن ماو كان يجد فرصته في اندلاع الحروب، وعلى ذلك فقد كانت اندونيسيا الدولة الأولى في ذلك الأمر.

حيث استحوذت وحدها، حسبما يذكر مؤلفا الكتاب، على نحو 20 مليار دولار خلال فترة حكم ماو، وهو رقم بالغ الضخامة حتى بمعايير الفترة الراهنة التي نحياها، ويكشف عن المدى الذي وصله ماو في تبديد ثروة بلاده التي صنعها الفلاح الذي كان يردد اتهامه بأنه ليس لديه إيمان بالثورة الشيوعية!

سخاء وسفه

كما امتد سخاء ماو إلى أفريقيا من خلال مساعدة حركات التحرر فيها وبشكل خاص الجزائر والتي كان شعبها يخوض نضالا غير مسبوق لإنهاء الاحتلال الفرنسي. أما في أميركا اللاتينية فقد فتحت الصين خطا مباشراً مع كوبا إثر استيلاء فيدل كاسترو على الحكم في 1959. وعندما زار تشي جيفارا الصين عام 1960 فإن ماو قدم لكوبا نحو 60 مليون دولار كقرض وتم إخبار جيفارا بعدها أنها غير واجبة الدفع!

أما على مستوى الكتلة الشيوعية نفسها فقد عمل ماو على نشر نفوذه في كل دولة من دول الكتلة ولكنه لم ينجح في الاستحواذ من روسيا سوى على دولة واحدة صغيرة وفقيرة هي ألبانيا. وقد وصل حد التنافس مع موسكو على استقطاب تيرانا إلى حد أن ماو أمر بتقديم مساعدة كبيرة من القمح لها تم شراؤها من كندا بالعملة الصعبة دفعتها الصين!.

وبفضل هذه المساعدة فإن المواطنين الألبان لم يعرفوا شيئا عن نظام الحصص في توزيع الطعام فيما كان الصينيون يموتون جوعا من جراء هذا النظام.

وفي إشارة إلى مدى السفه الذي كان يحياه نظام ماو ينقل المؤلفان عن أحد المسؤولين الألبان الذين كانوا مكلفين بالتعامل مع بكين قوله: «في الصين كان يمكن لك أن ترى المجاعة، ورغم ذلك فإن الصينيين كانوا يقدمون لنا كل شيء نطلبه. عندما كنا نحتاج أي شيء كنا نلجأ إلى الصين لنطلبه فتوفره لنا. لقد كنت أشعر في بعض الأحيان بالخجل من ذلك».

لقد أنفق ماو الكثير من المال في سياق محاولته شطر الأحزاب الشيوعية وإقامة الأحزاب التي تؤمن بفكره «الماوية» حتى أن أحد مسؤولي الاستخبارات الأميركية يذكر للمؤلفين في إطار المقابلات التي قاما بها من أجل إعداد مادة الكتاب أن جواز المرور إلى الصين في تلك الفترة كان بالغ السهولة، كل ما يقتضيه الأمر أن تجمع مجموعة من الأفراد وتعلن نيتك إنشاء حزب شيوعي ماوي، حينئذ ستفتح لك أبواب بكين وتحصل على ما تريد من أموال.

ورغم أن ذلك قد يأتي، في إطار تشويه صورة الصين، في إطار الوضع الذي تحتله الآن كمنافس رئيسي للولايات المتحدة، والغرب عموما، إلا أنه يعبر عن حقيقة الأوضاع في تلك الفترة في ضوء التفاصيل التي يتناولها الكتاب وتكشف عن تهافت ماو في سعيه إلى طرح الماوية كمذهب فكري يتم الأخذ به على مستوى العالم.

وهو أمر يمكن استيعابه وتصوره ولكن على مستوى الغرب في الوقت الحالي حيث أن جواز المرور إلى هناك الأن،وعلى الشاكلة نفسها التي كان عليها ماو، أن يعلن أحد المسلمين عداءه للإسلام، حيث أنه يحمل على الأكتاف وتفتح له وسائل الإعلام الغربية وخزائن الحكومات هناك، فالصورة لم تختلف كثيرا سواء على يد ماو أو على يد الغرب الآن، وما يختلف فقط هو الهدف.

القنبلة ـ الكنز

ويتطرق المؤلفان اللذان لم يتركا شاردة لا واردة في حياة ماو ونظام حكمه إلا وحاولا تناولها، بعد ذلك إلى سعى ماو للحصول على القنبلة النووية.

استعراض تفاصيل هذه القضية يؤكد لنا أن البوصلة لدى ماو كانت واضحة، بغض النظر عن صحة الهدف الذي اختاره من عدمه. لقد كان يعمل على الوصول إلى السيطرة على العالم مستغلا في ذلك قدرات بلاده وعلى ذلك فقد سخر كل موارد الصين من أجل تحقيق هذا الهدف. ولذا فإنه بمجرد أن نما إلى علمه حديث سريع عن السلاح النووي حتى بدأ يوجه اهتمامه إليه.

بدأ الأمر بالحديث عن الليزر باعتبار أنه كان ينظر إليه في ذلك الوقت باعتباره سلاحا مميتا وعلى الفور قرر ماو توجيه جزء من الموارد نحو الاستثمار في ذلك المجال وكانت أوامره في ذلك صريحة: خصصوا بعض الناس لهذا الأمر.. وفروا لهم كل شيء ولا تدعوهم يفكرون في شيء سوى في أبحاث الليزر».

وإثر ذلك تم تشكيل لجنة خاصة بالقنبلة النووية في نوفمبر 1962. كان القرار أن يتم إنتاجها خلال سنتين فقط، حتى أن إجراءات السير على طريق إنتاج القنبلة أثارت دهشة كبار المقربين من ماو. ويبدو من سياق الصورة التي يقدمها المؤلفان وكأن ماو عثر أخيرا على الكنز الذي كان يبحث عنه.

غير أنه لا ينبغي لنا أن نتوقع أن خطوات ماو كانت سلسة على طريق إنتاج القنبلة، ذلك أن الحديث عن السلاح النووي والولايات المتحدة يبدو أنهما صنوان لا يفترقان.. وإذا كان هناك رئيس اسمه جورج بوش يواجه إيران حاليا فقد كان هناك كذلك رئيس اسمه جون كيندي يواجه أحلام ماو في الحصول على القنبلة.

ومن المثير للاهتمام هنا في إطار مزج الماضي بالحاضر ملاحظة أن اللغة الأميركية تكاد تكون واحدة في كل الحالات، وأنها بمثابة «كليشيهات» يرددها القائم على البيت الأبيض أيا كانت الحالة التي تواجهه.

ففي خلال محادثات بشأن الحد من التسلح النووي جرت في موسكو يوليو عمل كيندي على دفع خروشوف إلى اتخاذ موقف مناوئ لمساعي الصين إنتاج القنبلة النووية والقيام بعمل ضد هذه المساعي أو القبول بتفويض الأمر للولايات المتحدة للقيام بما تراه مناسبا.

وقد كان موقف خروشوف متحفظا وعلى ذلك لم يجد كيندي سوى الإعلان في مؤتمر صحافي أن المسعى الصيني للحصول على السلاح النووي يمثل أكبر خطر يواجه النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وأنه يجب اتخاذ بعض الخطوات على طريق الحد من هذا الخطر.

أما هذه الخطوات فقد تمثلت في اتجاه كيندي فعليا إلى البحث في خيارات القيام بضربة جوية للمواقع النووية الصينية غير أن القدر لم يمهله لتحقيق ذلك حيث تم اغتياله في نوفمبر 1963، مما مثل ضربة لجهود الولايات المتحدة لوقف حصول الصين على القنبلة النووية.

وقد أسرّ ماو إلى وزير الدفاع الألباني أن خلف كيندي في الحكم لينددن جونسون اتجه إلى التفكير في تشكيل فرق تخريب من تايوان تقوم بمهمة تدمير المواقع النووية الصينية.

أما على صعيد تصنيع القنبلة ذاتها فقد تواصلت الجهود بكثافة لتحقيق الهدف وتم عزل فريق العمل من علماء وغيرهم تماما عن العالم بما في ذلك أسرهم. المهم أنه في أبريل 1964 تم إعلام ماو أنه يمكن إجراء اختبار نووي في الخريف، وعلى الفور تحرك من أجل تقليل المخاوف العالمية من هذا الأمر.

ينكشف هنا جانب من أساليب تحرك الساسة فقد اتجه ماو إلى روسيا مذكرا خروشوف بأن الصين تبقى إحدى دول المعسكر الشيوعي بما يعني ضرورة الوقوف بجانبها، وراح يرسل لخروشوف رسالة في ذكرى عيد ميلاده تتسم بالرقة وأن أي خلاف بين البلدين خلاف مؤقت. نقطة ضعفه الوحيدة ومصدر خوفه الأساسي كانت الولايات المتحدة وقد استحوذت على قدر من تفكيره في كيفية ترويض موقفها.

من العجيب هنا أن ماو فكر في إحداث قلاقل في الولايات المتحدة من خلال استخدام ورقة السود، وهو أمر لم يثبت نجاحا كبيرا. كما كان من بين الأوراق التي فكر فيها ماو مساندة الحركات المناهضة لأميركا في الدول المجاورة لها مثل بنما وجمهورية الدومينكان.

وقد وصل تعاظم مخاوف ماو من تدمير الولايات المتحدة ليس فقط لمشروعه النووي بل لقدراته العسكرية حد الهوس الأمر الذي أدى به في نهاية المطاف إلى الإقدام على خطوة على غرار القفزة الكبرى إلى الأمام .

ولكن ذات نتائج أكثر سوءا وفق تقدير المؤلفين. وقد تمثل ذلك في نقل مقار الصناعات العسكرية من المناطق الساحلية إلى أخرى في مناطق جبلية فيما أطلق عليه الجبهة الثالثة باعتبار أن الجبهة الأولى المناطق الساحلية والحدود، وأن الثانية هي باقي الصين.

لقد تطلب هذا الأمر جهود جبارة يتناولها المؤلفان ويكشفان في الوقت ذاته عن فداحة تبعات أن يفكر شخص واحد لدولة بأكملها من دون أن تتيح الفرصة للآخرين للمشاركة في إدارة دفة الأمور، فإثر اتخاذ ماو هذا القرار بدأت المهمة الشاقة والتي تمثلت في شق الجبال لإقامة كهوف فيها ومباني ونقل خطوط إمدادات الماء والكهرباء، أما على مستوى البشر فقد شارك في العمليات نحو 4 ملايين صيني وغير ذلك.

ويكفي هنا الإشارة إلى أن هذه الأعمال كلفت الصين نحو ثلثي حجم الاستثمار القومي خلال تلك الفترة. وانتهى الأمر بإتمام أول تفجير نووي صيني في 16 أكتوبر 1964 في موقع لوب نور في صحراء جوبي.

في ذلك اليوم سادت الاحتفالات أنحاء البلاد الأمر الذي اعتبره الصينيون إنجازا بكل المعايير بغض النظر عن حجم تكلفته بل شعر البعض منهم بالفخر إزاء ما تردد من أن القنبلة تم صنعها بجهود صينية محضة من دون مساعدة من أحد، وحتى المساعدة السوفيتية لم تكن واضحة ويبدو أنها ما زالت غامضة حتى اليوم. فيما راح البعض من النخبة يتساءل عن ثمن صنع القنبلة وكانت الإجابة أنها صنعت بأرخص الأثمان، فيما يقدر المؤلفان التكلفة بنحو 1,4 مليار دولار أميركي بأسعار 1957.

غير أنه بغض النظر عن بعض مساوئ حكم ماو وهي كثيرة فإن بعض المشروعات لا تقدر بثمن. فضلا عن ذلك فإنه وفيما يكشف عن بعض توجهات المؤلفين وهي بالطبع منحازة للغرب، من دون أن يعني ذلك بأي حال دفاعا عن توجهات ماو وسياساته.

ويشير المؤلفان في مغالطة مكشوفة إلى أن قنبلة ماو تسببت في فقدان أرواح بشر تفوق بمئة مرة الأرواح التي راحت ضحية القنبلتين الأميركيتين على ناجازاكي وهيروشيما في اليابان، في إشارة إلى حجم من لقوا حتفهم بسبب المجاعات التي سادت الصين من أجل وصول ماو إلى وضع يمكنه من أنتاج القنبلة. وهي مقارنة خاطئة وتفتح الباب لنقاشات أخرى واسعة تدين الولايات المتحدة وغيرها من القوى العالمية ليس هنا مجالها.

لغز الثورة الثقافية

بعيدا عن الغوص في جوانب أخرى نعود إلى ماو وخططه وسياساته نشير إلى أن هذه الخطوة مثلت بالنسبة له تحقق الحلم الذي لم يرد في منامه .. لقد كان الأمر يفوق الخيال وهو ما استغله ماو في الدفع بمحاولاته لتعزيز نطاق فرض الماوية في الخارج.

وعند هذه المرحلة بدأ ماو يلتقط أنفاسه وبدأ يفكر في ترتيب البيت من الداخل وكان ينوي في هذا الصدد التصدي لبعض من رآهم منشقين على سياساته. وتركزت أولى عملياته على الثقافة ومن هنا أطلق علي العملية التي أطلقها ماو آنذاك الثورة الثقافية. ففي 16 مايو 1966 دعا ماوتسي تونج الى مطاردة العناصر «السوداء» في المجتمع لتبدأ حملة أسفرت عن سقوط ملايين الضحايا.

وزرعت الرعب في مختلف أنحاء البلاد، فقد هاجم ماوتسي تونج «ذيول» البورجوازية المتسللين إلى مختلف مستويات الحزب الشيوعي. وارتكزت الحركة على الشبان والعمال لكنها سرعان ما أفلتت من كل مراقبة وتحولت حملة تطهير استهدفت الذين يسلكون النهج الرأسمالي إلى حملة مطاردة وعنف ووشاية.

حيث كان كل شخص ينقلب على جاره حتى العام 1969. وفي ذلك الصيف جابت عناصر الحرس الأحمر من حاملي لواء الثورة مختلف أنحاء البلاد بحثا عن الرأسماليين وكل ما يرمز إلى القمع الإقطاعي ودمروا في طريقهم المعابد القديمة وآلات الموسيقى والتحف التاريخية.

ويفصل المؤلفان القوى في استعراض ملامح هذه المرحلة ومن بينها تصعيد صورة ماو في نظر الشعب الصيني إلى مرتبة تكاد تصل إلى تأليهه، وهو ما دفع أستاذاً متخصصاً في الدعاية الصينية في جامعة ليدن بهولندا إلى التأكيد على أنه انبثق عن عبادة ماو عدد كبير من الشعارات التي كانت تهدف إلى إرساء الأسطورة التي كانت تحيط بالرجل ومنحه خصوصيات شبه إلهية.

فكانت صورته تحتل الصفحة الأولى من الجريدة الرسمية «الشعب اليوم» والتي كانت تنشر كذلك مقتطفات من أقواله. كما تم طبع أعمال مختارة من كتابات ماو ليجري توزيعها وتم طباعة نحو 2,1 مليار صورة له تفوق عدد الشعب الصيني ليتم توزيعها.

ما الذي يبقى؟

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: ماذا بقى من سياسات ماو والى أي قادت بلاده إلى احتلال المكانة التي كان يسعى إليها؟

إن نظرة على أوضاع ما بعد رحيل ماو عام 1976 حتى الآن تشير إلى أن سمعة ماو بقيت مصانة رغم الانقلاب على بعض سياساته ومحاكمة بعض رموز نظامه ممثلين فيمن أطلق عليهم «عصابة الأربعة» والتي تم تحميلها مسؤولية الأحداث التي جرت خلال فترة الثورة الثقافية ومن بينهم زوجة ماو.

ورغم ما يكشفه الكتاب من فظائع ارتكبت خلال حكم ماو إلا أن الواقع يشير إلى أن التكتم مازال قائما حول أعمال العنف لما تكشفه حسب البعض من صراعات حول السلطة داخل الحزب الشيوعي وبسبب الحسابات التي لم يتم تصفيتها بعد.

وإن كان ذلك لم يمنع الحزب الشيوعي من الاعتراف بارتكاب أخطاء من قبل ماو، مع الاحتفاظ له في الوقت ذاته بمكانة الزعيم الأكبر الأمر الذي أدى إلى الإبقاء على المحرمات حول هذه الفترة.

وأيا وصل بنا مدى الجدل بشأن تجربة ماو، فإنه لا يمكن نكران مشروعية العديد من الأهداف التي عكستها وأن بعضها قد تحقق، غير أن المشكلة هي ان الكلفة كانت عالية وهو ما يؤكد النتيجة الأساسية التي لا خلاف عليها بشأن مأساة الركون إلى حكم الفرد أيا كان!