تحتاج نوعية الاختبارات المدرسية التي يخضع لها الطلبة في المنطقة العربية إلى إعادة صياغة ملموسة يمكن بها الارتقاء بالمنظومة التعليمية برمتها بشكل يسمح بتخريج أجيال من الطلبة قادرة على التعامل مع معطيات العصر الحديث بتحدياته.

عدد من الباحثين الأميركيين أثاروا من خلال بعض الدراسات نُشرت على الشبكة العالمية أخيراً، قضية وضع أساس جديد تقوم عليه عملية تقويم الطلبة. وأكدوا أنه من الأهمية بمكان التوصل إلى تعريف جديد لعملية التعلم يمكن بها الوصول إلى منهج متطور يُبرز القدرات الحقيقية للطالب ومن ثم يُمكن العمل على الاستفادة من قدراته وطاقاته بالشكل الأمثل. تفيد تلك الدراسات في مجملها إن التعريف الجديد لعملية التعلم يعتمد على تبني أطر بحثية ذات أسس فلسفية ومعرفية متعددة الثقافات. تلك الأطر تُبين أن العملية التعليمية التي يمكن أن تكون ذات مغزى ومفيدة للطلبة لا يمكن أن تتم إلا إذا كان المتعلم لديه قاعدة معرفية يُمكن استخدامها بطلاقة وبشكل يُمكّنه من التعامل مع العالم الخارجي وحل المشكلات التي تقابله ومن ثم اتخاذ القرارات المناسبة.

وبناء على تلك المنهجية فإن المتعلمين يتعين أن يكونوا ذوي قدرة على اتخاذ القرارات وتحديد مصير حياتهم وتكون لديهم القدرة على اكتساب الأدوات التي تعينهم على التعلم واستكمال مشوارهم في الحياة.

ويتعين أن يكون لدى هؤلاء المتعلمين مخزون من الاستراتيجيات المؤثرة اللازمة لعملية التعلم التي يخوضونها. وأخيراً يحتاجون لأن يكونوا أشخاصاً موضوعيين يستطيعون التعامل مع العالم الخارجي من منظور مختلف غير الذي يتعاملون به في حياتهم الشخصية.

ذلك المفهوم المختلف لعملية التعلم وللمناهج التي يجري تدريسها للطلاب والشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الفصول الدراسية يفضي، بحسب عدد من الدراسات، إلى ضرورة تبني ما أطلق عليه «تقويم متعدد الأبعاد للطلبة».

يقول الخبراء: إن النظام التقليدي في التعليم يعتمد على قياس قدرات الطالب عن طريق الاختبارات التي تعتمد غالبا على طرح أسئلة لا تقيس إلا قدرا محدودا من معرفة الطالب ومهاراته. ولكن في ضوء المفهوم الأوسع للعملية التعليمية المذكور آنفا فإنه أضحى من الضرورة بمكان أن يتذكر المسؤولون عن العملية التعليمية في أي دولة. بحسب الدراسة.

أن اختبارات «القلم والورقة» ليست إلا طريقة واحدة للحصول على معلومات بشأن قدرات الطالب التعليمية. ولذا فإن صياغة مفهوم أوسع لعملية تقويم الطلاب هو أمر تمس إليه الحاجة بشكل كبير. هذا المفهوم الأوسع للتعليم يتضمن اختبارات الورقة والقلم أيضا. ولكن في الوقت نفسه يتضمن ملاحظة ومتابعة أداء الطلاب وعقد لقاءات معهم ودراسة الخلفية التي ينحدر منها كل طالب وكذلك قياس الأداء السابق له.

ولا جرم أن هذا المفهوم التقويمي للطالب من شأنه أن يوسع من نطاق ونوعية المعلومات التي يمكن الحصول عليها من الطالب وكذلك الأسلوب الذي يمكن من خلاله استخدام تلك المعلومات في تقويم الطلاب.

وتعرض إحدى الدراسات لعدد من الاستراتيجيات التقويمية الجديدة مثل نظام «الحقائب التقويمية» التي تقوم على تنظيم المعارض التي بدورها يمكن أن توضح مدى إتقان الطالب لمهارات معينة لاسيما تلك المتعلقة بالتعبير عن النفس والقدرات الاستقصائية.

فمثل تلك المعارض تمثل في العادة مؤشرا على ما إذا كان الطالب يُتقن مهارات القراءة والكتابة والاستقصاء والتحدث. إلخ. وتكون تلك المعارض في العادة تتويجا لسلسلة من التدريبات ومراحل مختلفة تتم خلالها تنمية مهارات الطالب.

وأشارت الدراسة إلى أن الاستبيانات الميدانية التي جرت في عدد من المدارس الأميركية أوضحت أن مسؤولي تلك المدارس أعربوا عن اعتقادهم بأن المعارض والمعسكرات العامة التي تعقد بشكل دوري والتي تركز على قدرة الطلبة على استخدام وعرض المعلومات بشكل ذكي تعد وسيلة أفضل في محتواها من كثير من الوسائل التقليدية.

وتضمن أن تكون المهارات الأساسية التي يتعين على الطالب اكتسابها أثناء سنوات الدراسة هي بالفعل التي يجري تدريسها. فضلا عن أن تلك المعارض . بحسب الاستبيان. تشكل عامل دفع وتحفيزاً للطلبة لأنها تُعقد على الملأ. ومن ثم تمثل بشكل أو بآخر عنصر تحد يدفع الطلاب إلى إخراج كل ما لديهم من طاقة وقدرات.

وهناك إستراتيجية أخرى تتعلق بكيفية تقويم الطلاب وهي الأداء التقويمي القائم على تنظيم أنشطة يومية يمكن هي الأخرى أن تمثل مرآة حقيقية تعكس قدرة الطالب على التعامل مع التحديات التي يمكن أن يواجهها في حياته العملية.

وبهذا الشكل تخرج العملية التعليمية وما تنطوي عليه من اختبارات وتدريبات تقويمية من قالبها النظري إلى قالب عملي خالص يصقل قدرة الطالب المتميز على مواجهة مشكلات الحياة ويُحث الطالب المتوسط القدرات على الارتقاء بمستواه على الأقل بدافع الغيرة والرغبة في ألا يكون أقل من نظرائه.

وتوضح الدراسة أن تلك الإستراتيجية يتعين أن تكون جزءًا لا يتجزأ من العملية التعليمية على أن يقوم المدرس وكذلك الطلبة أنفسهم بعرض آرائهم في أداء الطالب وذلك بهدف مساعدته على معرفة قدراته الحقيقية والتعرف على نقاط القوة والضعف في شخصيته.

وضربت الدراسة مثالا بالنظام التعليمي الذي تطبقه مدرسة ساوث ميدفورد الثانوية في ولاية أوريغون الأميركية. فخريجو تلك المدرسة يتعين عليهم إكمال مشروع من ثلاث مراحل حتى يتسنى لهم الحصول على شهادة تخرج. فالطالب يتعين عليه أولا أن يختار موضوعا بحثيا يجد نفسه مهتما به ثم يشرع في تنفيذ البحث ويلي ذلك كتابة ورقة بحثية.

ثم يستخدم الطالب المعلومات الواردة في هذا البحث في القيام بمشروعات من واقع الحياة. ويتسبب التنوع الذي تكون عليه تلك المشروعات في إيجاد مناخ من التفاعل والتعاون بين الطلبة. حيث يُدرك كل طالب أنه بحاجة إلى الآخر من أجل إكمال بحثه والاستفادة مما لديه من معلومات.

وبعد التقديم الرسمي للبحوث تقوم لجنة مشكلة من مجموعة من الاختصاصيين بمناقشة كل طالب على حدة حيث تُطرح عدة أسئلة تهدف إلى تقويم بعض قدرات الطالب. مثل تلك المتعلقة بالحديث بارتجالية وكذلك الاتزان النفسي لديه. إلخ.

وتخلص الدراسة إلى أن الاختبارات التقليدية للطلبة التي لا تضع في الاعتبار قياس القدرات العملية والابتكارية للأجيال الناشئة ومدى استعدادها لتحمل مسؤوليات أوطانها لا تُجدي بأي حال من الأحوال ولا يمكن الركون إليها وحدها باعتبارها وسيلة لتنشئة الأجيال.

إعداد: حاتم حسين