رؤية عملية ذات جدوى تمس واقع الحياة اليومية تبنتها الهيئة الإدارية والتدريسية في مدرسة الأندلس الخاصة في دبي، حين رتبت دورة تدريبية للإسعافات الأولية بالتنسيق مع هيئة الهلال الأحمر ووزارة الصحة، واستفاد منها عشرات المعلمين والمعلمات والعاملين في مختلف الوظائف الإدارية، استناداً إلى مقولة مهمة ومفادها «الإسعاف السليم والناجح نصف العلاج، والإسعاف الخاطئ قد يؤدي إلى الوفاة».
الدورة شملت 110 معلمين ومعلمات واستمرت على مدار يومين، تعرف خلالها المنتسبون على الكثير من الإجراءات الوقائية والعلاجية التي يمكن تطبيقها على أرض الواقع إذا تعرض أي شخص لإصابة ما سواء في البيت أو المدرسة. لنجاح المشروع استغلت إدارة المدرسة الأيام الأخيرة من السنة الدراسية التي يكون فيها وقت الموظفين غير مجد بلا عمل.
حجة الدكتور عثمان عبد الباري مدير المدرسة في هذا الأمر أن أي طالب معرض داخل الفصل أو أثناء الفسحة أو حصة الرياضة للإصابة المفاجئة، وبالتالي لا بد أن يكون العاملون على اختلاف تخصصاتهم ومواقعهم على قدر من المعرفة تؤهلهم تحمل المسؤولية والمبادرة في إسعاف الطلبة وتقديم اللازم لهم.
فن التعامل مع الطلبة: إضافة إلى ذلك يقول عبد الباري إن إدارة المدرسة تسعى في كل صيف ومع انتهاء السنة الدراسية إلى توفير عدد من البرامج والدورات التي تهم موظفيها وطلبتها، وتقدم لهم فائدة عملية تسهم في تطوير وتحديث العملية التعليمية وجعلها أكثر شمولية. إذ يوجد في هذا الصيف إضافة إلى دورة الإسعافات الأولية عدد من الدورات المتخصصة تستهدف المدرسين، مثل دورات في اللغة الإنجليزية وأخرى في الحاسوب، ودورات تربوية في فن التعامل مع الطلبة داخل الفصل، ودورة استخدام تكنولوجيا المعلومات في عملية التعلم.
وكل هذه الخطوات تقوم بها المدرسة إسهاماً منها في جعل العملية التعليمية تخرج عن إطارها التقليدي، حيث أن التعليم لم يعد محدداً في أطر تقليدية عفا عنها الزمن.
المعلمون ممرضون
ريم حسين المشرفة الأكاديمية في مدرسة الأندلس والمشاركة في دورة الإسعافات الأولية التي لاقت إقبالاً لافتاً من المدرسين بتفاصيل المعلومات التي يوفرها لهم مقدمو الدورة، تقول ان المطلوب من الدورة أن يصبح كل منتسب لها وكأنه ممرض يحمل في جعبته معلومات ومهارات طبية تؤهله للتصرف مع الحالات الطارئة فتقلل من خطورة المواقف التي من الممكن أن يتعرض لها الطالب أثناء وجوده في المدرسة إلى حوادث مفاجئة.
ويشرف على الدورة سبعة مدربين، ثلاثة من هيئة الهلال الأحمر وأربعة من وزارة الصحة، فيما اشتملت الدورة على تطبيقات عملية مباشرة ودروس نظرية، بالإضافة إلى عروض تسجيلية على الفيديو.
إقناع الجمهور
جميلة حسن المدربة في هيئة الهلال الأحمر الإماراتي أوضحت أن الدورة تأتي ضمن برامج الهيئة الرامية إلى تزويد أكبر قدر ممكن من الجمهور بمهارات الإسعافات الأولية، وبرامجها تشمل المعلمين والطلبة وأولياء الأمور وعددا من المؤسسات والشركات مثل (كارفور وسيتي سنتر).
وإلى الآن تمكنت هيئة الهلال الأحمر من الوصول إلى عدد من المدارس ضمن خطتها الرامية إلى ترسيخ فكرة الإسعافات الأولية وإقناع الجمهور بضرورة الإلمام بها، لا سيما طلبة المدارس والمعلمين وأولياء الأمور.
غير ذلك أكدت المدربة جميلة أن الهدف من هذه الدورات لا يكمن فقط في تزويد الجمهور بمعلومات الإسعافات الأولية، بل يتعداها إلى ترسيخ قناعات أخرى، حيث يظن الكثيرون أن دور الهلال الأحمر يبرز أكثر في تقديم المساعدات والعمل خارج نطاق الدولة والصورة تقول غير ذلك.
فبالرغم من إيمان الجميع بأهمية وسمو الدور الخارجي الذي تلعبه الهيئة، إلا أن الأدوار الداخلية متوفرة بقوة وعلى اختلاف مجالاتها، ولابد من تثقيف الجمهور بحجم وأهمية الإسهامات المحلية التي تقوم فيها هيئة الهلال الأحمر الإماراتي.
زيادة نسبة الأمان
وأوضحت أن المنتسبين إلى الدورة يأخذونها بهدف تأمين سلامة الطلبة والأطفال الذين يتعاملون معهم سواء في البيت أو المدرسة، وهدف الهلال تقديم معلومات جديدة ومفيدة يمكن أن تساهم في زيادة نسبة الأمان في مختلف المجالات والأماكن، والجمهور بدأ يقبل بشكل كبير على الإسعافات الأولية، ففي مؤسسات ومدارس دبي والشارقة وعجمان يتم تقديم دورات مجانية.
بالرغم من أن التركيز ينصب بشكل كبير على المدارس والمؤسسات التعليمية كون الطلبة هم نواة المجتمع وتأمينهم بالتثقيف الصحي يعني تأميناً للمجتمع بعد سنوات قليلة، والكثير من المدارس في الفترة الأخيرة بدأت تطلب مثل هذه الدورات للمعلمين والطلبة وأولياء الأمور على حد سواء، وهذا مؤشر جيد لا بد من تأييده وتقويته.
عدد من المعلمين المشاركين في الدورة أبدوا انسجاماً إيجابياً مع الفقرات المقدمة، وعلى مدار يومين متتاليين انخرط المعلمون في خمس ساعات يومياً مع برامج عملية مفيدة ومهمة في حياتهم اليومية، كما يجمعون.
كندة عمار معلمة خاصة لطلاب أجانب في مدرسة الأندلس أكدت أن الدورة أمر ضروري يمس واقع عمل المعلمات والأمهات، حيث من المهم أن يلم الجميع بمهارات الإسعافات الأولية، ويفضل كثيراً أن تكون مثل هذه الدورات إجبارية في مختلف المدارس الحكومية والخاصة.
فالأمر الإيجابي في هذه الدورة إمكانية التطبيق العملي والفائدة المترتبة على ذلك في سرعة وصول المعلومة، مضيفة أنه وإيماناً منها بأهمية أن يتسلح الجميع بمعلومات صحية أولية فقد أحضرت معها إلى الدورة أبناءها حتى يستفيدوا شيئاً بدلاً من الجلوس في البيت.
احتكاك الطلبة بالأيدي
ولم يبتعد رأي عبد الناصر الدشاش معلم التربية الرياضية بمدرسة الأندلس الخاصة عما سبق حين أوضح أن المجال الرياضي هو الأكثر عرضة للحوادث والإصابات، فالكثير من الطلبة يستخدمون الأيدي في تعاملهم واحتكاكهم اليومي مع الزملاء الآخرين، لاسيما وأن طاقة كبيرة يملكها الشباب الصغار من الممكن أن تعرضهم لخطر الإصابة.
ولا بد في المقابل أن يكون لدى المعلمين معلومات موثوق منها تؤهلهم للتعامل مع حالات مختلفة. وأضاف أن بعض الحوادث مثل الالتواء أو الكسر أو الجروح أو الحروق، وارد أن يتعرض لها الطالب أثناء دوامه اليومي في المدرسة.
وأن المعلومات التي توفرها الدورة للمنتسبين تمكن المعلمين عن جدارة من التعامل مع هذه الحوادث بأقل الخسائر والمضاعفات، إضافة إلى كون المعلومات التي توفرها الدورة تساهم بشكل كبير في تعاملات الأفراد ضمن الحياة اليومية المعاشة.
علاج الطلبة المرضى
وأشار عبد القادر بديع باشا معلم الكيمياء إلى أن حوادث كثيرة يمكن أن يتعرض لها الطالب أثناء وجوده في المدرسة، وبعض الطلبة المرضى يمكن أن تفاجئهم حالات مرضية مثل السكري أو الهبوط في الضغط، فمن الضروري أن يعرف المعلم كيفية التعامل مع مختلف هذه الحالات.
حيث أن دوره اليوم لم يعد تقليدياً بمجرد أن يلقي المعلومة ويذهب، ولا بد أن يتسلح المعلم بمختلف الإمكانيات التي توفر له تعاملاً آمناً مع الطلبة.
واعتبرت ميرفت فتحي الشيوي قائدة فرق الكشافة في مدرسة الأندلس وإحدى المشاركات في دورة الإسعافات الأولية أن عمل المعسكرات الخارجية والداخلية للكشافة تواجهه مواقف كثيرة وبعضها خطير، لذلك فالمشاركة في هذه الدورة أمر ضروري لمواجهة أي طارئ.
إضافة إلى ما سبق فإن المشرفين على فرق الكشافة يعلمون الطلبة المشاركين في المعسكرات الخارجية أموراً كثيرة ومفيدة في حياتهم اليومية، ودورات الإسعافات الأولية لها الحصة الأكبر في ذلك، لاسيما وأن مواقعهم الخارجية تحتم عليهم الانتباه إلى بعضهم البعض ومساعدة الآخرين في عمل تطوعي يسهم في بناء شخصية مبادرة وإيجابية.
وكما يقولون فالإسعاف الصحيح نصف العلاج، بينما التصرف الخاطئ في بعض الحوادث قد يؤدي إلى الموت، وإيماناً بأهمية وضرورة الوقوف إلى جانب الآخرين فلا بد أن يتسلح الجميع بهذه المهارات والمعلومات الصحية السليمة التي تعود بالنفع على مختلف شرائح المجتمع وتقرب الناس من بعضهم البعض.
دبي ـ عنان كتانة:



