من يرى كنيز شمل وهي امرأة تربو على الخمسين عاما لا يخال أن لديها كل هذه الآمال والطموحات التي لم تستطع هموم الحياة وضربات القدر المتلاحقة أن تنال منها بعد أن فاتها قطار الزواج وغادرها الإخوة والأخوات إلى حياتهم ومبتغاهم فقررت تغيير واقعها، متسلحة بالعلم باعتباره أداة الولوج إلى عالم يحكمه منطق العقل والقوة.
كنيز التي التقيناها في لجنة رقية للتعليم الثانوي في الشارقة ضمن طالبات المنازل التحقت في مركز الحيرة المسائي لتستكمل دراستها الثانوية بعد سنوات من الانقطاع فرضتها عليها ظروفها الأسرية آنذاك حيث أكدت لنا أن السبب الرئيسي في عودتها من جديد إلى مقاعد التلمذة رغبة جامحة في الالتحاق بسوق العمل ولديها القدرة على الالتحاق بأي وظيفة.
مشيرة إلى أن الخطوة التي بقيت تفكر فيها لمدة طويلة ظلت حبيسة حتى اتخذت قرارها وحزمت أمرها وكانت في طليعة الطالبات اللاتي تقدمن للمركز وبدأت بالفعل بتلقي أول دروسها في المركز المسائي، مؤكدة انها حظيت بدعم كامل من قبل المعلمات والطالبات وكلما شعرت بان النجاح أمر لن يكون سهلا تجد من يشجعها ويرفع معنوياتها لتكمل طريقا اختارته بمحض إرادتها.
وذكرت كنيز التي تقطن الدولة منذ سنوات و تنحدر من اصول عمانية انها تربت على ارض الشارقة وتشعر أكثر من أي شخص اخر انها شرقاوية الروح والقلب فعشقها وانتماؤها لإمارة لم تبخل عليها تجعلها ابنة شرعية لشارقة العلم والثقافة التي تدعم طلبة العلم وتوفر لهم كل المستلزمات المطلوبة لبناء جيل مثقف متعلم.
وتحدثت عن أسباب عودتها الحقيقية لمقاعد الدراسة مجملة إياها بسببين لا ثالث لهما: الأول أمنية دفينة ورغبة ملحة في الالتحاق بسوق العمل في أي مؤسسة حكومية او خاصة لتثبت أنها إنسانة منتجه لا عالة على المجتمع وان لديها ما تقدمه إسهاماً منها ليسهم في رفعة الوطن ونمائه أما السبب الثاني فهو إعالة والديها وتوفير حياة كريمة.
وعن التحديات التي واجهتها خلال العام الدراسي لفتت كنيز الى أن ما كان يثير استياءها نظرات الاستغراب التي كانت تلاحقها من وقت إلى آخر وكان من يتربص بها يقول في سره «بعد ما شاب ودّوه الكتاب» وهذا بالفعل ما أحبطني في البداية.
ولكن ما وجدته من حب لدى الطالبات والعاملات في مركز الحور المسائي بالشارقة استبعد من رأسها الأفكار السلبية ودفعها للتفكير بشكل ايجابي لأن ديننا الحنيف حثنا على طلب العلم من المهد إلى اللحد، فكيف ترضخ إلى نظرات وأقاويل الناس ولا تستمع إلى تعاليم ديننا الحنيف.
واعتبرت صعوبة المناهج التي قد يكون مردها انقطاعها الطويل عن الدراسة أحد المعوقات التي واجهتها إلا انها بالمذاكرة الحثيثة وتعاون المدرسات استطاعت ان تتغلب على الأزمة وتكمل طريقها حتى وصلت إلى امتحانات الثانوية العامة غير آبهة بمن يقول أو يفعل.
وأوضحت أنها أدت الامتحانات بشكل مرض ولم يكن هناك شيء صعب عدا اللغة العربية والفيزياء التي اربكتها، معتبرة وجودها كطالبة بين طلبة الثانوية العامة إنجازاً مهماً على الصعيد الأكاديمي وخطوة أولى نحو النجاح مشددة على أنها ستستمر في رحلة طلب العلم حتى وان أخفقت هذا العام لسبب أو لآخر.
منى غريب رئيسة لجنة رقية للتعليم الثانوي حيث تؤدي كنيز امتحاناتها قالت إن طالبات النظامي وحتى المنازل أطلقن على كنيز لقب المرأة المناضلة، معللة هذه التسمية بان المرأة التي تناضل من اجل تغيير مسيرة حياتها هي امرأة تستحق لقب البطلة عن جدارة.
معتبرة وجودها حافزا لزميلاتها لبذل مزيد من الجهد في المذاكرة لان العلم هو النور الذي يضيء لصاحبه ظلمة لياليه مهما اشتدت حلكتها فكم من امرأة دفعتها ظروف الحياة المتقلبة للعودة للعمل ان أصبحت عائل أسرتها الوحيد.
داعية إلى توجيه جميع النساء اللاتي انقطعن عن الدراسة بسبب الظروف الأسرية أو الزواج المبكر للعودة إلى الدراسة وإنهاء حالة الأمية التي تعيشها مئات النساء باسم الالتزامات الأسرية لأن الأم المتعلمة بلا شك ستكون قادرة على تربية أبناء محبين للعلم ومقبلين عليه.
كنيز عبدول ـ كما تقول ـ أحلامها بسيطة والصورة التي ترسمها للعالم المحيط لا تزال وردية وحلمها الوحيد أن تجد لنفسها موضع قدم لتكون ضمن الصفوف العاملة في بلدها الثاني الإمارات العربية المتحدة.
الشارقة ـ نورا الأمير:
