أكثر من 75% من طلبة المدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأميركية يلجأون بشكل متكرر إلى الغش لاجتياز الاختبارات المدرسية. هكذا أفاد تقرير حديث صدر عن جامعة روتجرز الأميركية الشهيرة. ووفقا لصاحب التقرير، الدكتور دونالد مكاب، أستاذ إدارة التنظيم بالجامعة، فإن ظاهرة «الغش» في المدارس تمثل وباءً تعليميا هو في الأساس نتاج ثلاثة عقود من أعمال الغش المتزايدة في جميع المدارس الأميركية بشكل عام.
الظاهرة تسير من سيئ إلى أسوأ وفقا للتقرير، الذي يضيف أيضا أن نصف عدد طلبة المدارس الثانوية، وليس نصف عدد الطلبة الذين يقومون بأعمال الغش، لا يرون حرجا في القيام بتلك الأعمال ولا يعتبرونها أمرا منافيا للقيم والأخلاق.
وتعليقا على هذا التقرير، يقول الكاتب الأميركي دينس براغر، انه، بصفته أحد الذين يحاضرون في الجامعة عن علم الأخلاق منذ 30 عاما، يؤكد صحة ودقة الأرقام التي ذُكرت في ذلك التقرير. ويؤكد براغر أن للظاهرة أسباباً كثيرة ومتعددة أهمها المناخ الأسري الذي ينشأ فيه الطالب منذ نعومة أظفاره.
ويضيف في هذا الشأن: أحد الأسباب التي أرى أنها تلعب دورا أساسيا في انتشار الظاهرة هو أن الأسرة لها تأثير مباشر في تكوين وقولبة شخصية الطالب، متوجهاً بالسؤال التالي لكل الآباء: كيف ستشعرون إذا علمتم نسبة من يرتكبون أعمال غش أثناء الاختبارات؟ ما هو شعوركم حال لجأ معظم الطلبة في فصل ما إلى الغش أثناء اختبارات تعد حيوية في تمكين أبنائكم من الالتحاق بجامعة مرموقة؟ ففي ظني لا تتجاوز نسبة الآباء الذين يشعرون بقلق حقيقي من ظاهرة الغش نسبة الطلبة الذين لا يقدمون على أعمال الغش في المدارس.
معظم الآباء يرون أن الغش خطأ ولكن قليلون هم الذين يرون أن الأمر يرقى إلى مرتبة الجرم وقليلون هم الذين يحاسبون أبناءهم حسابا عسيرا في حالة ضبطهم متلبسين بالجريمة. ويضيف الكاتب: دعونا نكون أمناء مع أنفسنا. الآباء والمدارس يُعلّمون الأطفال أن التدخين ممنوع وأمر محرم عليهم وأنه أمر فظيع للغاية. ولكنهم لا يقولون الشيء ذاته عن الغش المدرسي. دعني أقولها بصراحة باعتباري والدا لثلاثة أبناء: أنا أفضل أن يُقدم أولادي على التدخين على أن يلجأوا إلى الغش في الامتحانات.
ولكن عدد الذين يشاطرونني الرأي ذاته قليلو العدد للغاية حتى أنه يمكن جمعهم سويا داخل أي مركز جمانزيوم تابع لمدرسة ثانوية في أميركا!! ووفقا لدراسة أخرى فإن ظاهرة الغش- بوصفها شكلاً من أشكال الخيانة ـ تتعارض مع قيمة الأمانة، والتي هي من الفضائل الإنسانية التي تسعى الفلسفة التربوية إلى تحقيقها لدى الطلبة.
وعلى الرغم من خطورة هذه الظاهرة، إلا أنها لم تحظ بمعالجة كافية في الأدب التربوي في معظم بلدان العالم. ولا شك أن التهاون في مكافحة الغش من شأنه انهيار العملية التعليمية برمتها. ويمارس الطلاب الغش في الاختبارات بطرائق مختلفة، إذ تطورت تقنيات الغش تطوراً مذهلاً في الآونة الأخيرة، فمثلاً تقوم بعض دور النشر بطبع المقررات الدراسية باستخدام بنط صغير جداً وفي حدود صفحة أو صفحتين، يمكن للطالب حملها بسهولة قبل الدخول إلى لجنة الاختبار.
وقد تم ضبط حالات غش يستخدم فيها الطلاب أجهزة لاسلكية، وحالات أخرى لطالبات كنَّ يخفين أجهزة تسجيل بها أشرطة مسجل عليها المقرر الدراسي، ولها سماعات يضعنها في آذانهن، دون أن يسمعهن أحد، ناهيك أن بعض الطلاب يستخدمون الهاتف الجوال في ممارسة الغش عبر شفرات معينة.
وفي بعض البلدان ظهرت حالات غش جماعي في لجان الاختبارات ببعض المدارس المقامة في الأرياف، حيث اقتحم بعض أولياء أمور الطلاب وأقاربهم لجان الاختبار وألقوا بالإجابات مكتوبة إلى الطلاب، أو أنهم استخدموا مكبرات صوت من على الأسوار والشرفات المجاورة للمدارس لتوصيل الإجابات إلى مسامع الطلاب. وهكذا يتفنن الطلاب وذووهم في أساليب الغش، بل إن المعاقين أيضاً صاروا مهرة في ذلك، حيث ضبطت حالات في بعض الدول لطلاب أكفاء البصر يمارسون الغش بطريقة برايل.
وتوضح تلك الدراسات أن الغش يُمارس أيضاً في إنجاز الواجبات المدرسية التي يُكلف بها الطلاب، حيث يلجأ بعض الطلاب إلى تكليف الخادمات اللاتي يعملن في منازلهم بالقيام بهذه المهمة.
ومن صور الغش المدرسي، لجوء الطلاب إلى مراكز خدمات الطلاب التجارية لتكليفها بإعداد ما يُطلب منهم في المدارس من بحوث لقاء مبلغ من المال. ويقدم الطالب البحث بعد ذلك باسمه. وهناك أيضاً ما يمكن أن نطلق عليه «الغش غير المباشر»، الذي يتمثل في قيام المعلم بتوجيه الطلاب إلى التركيز على أجزاء محددة من المقرر الدراسي على أساس أن أسئلة الاختبار ستدور حولها، أو قيامه بتقديم عدد من الأسئلة في المادة التي يقوم بتدريسها للطلاب، وإخبارهم أن الاختبار سيكون من بينها.
وفي دراسة ميدانية حول ظاهرة الغش في الاختبارات المدرسية نشرت على الانترنت أخيرا، توصل الباحثون إلى عدد من الأسباب التي تدفع الطلبة إلى الغش في الاختبارات من أهمها: عدم الاستعداد الكافي للاختبار، صعوبة أسئلته، الحرص على الحصول على درجات أعلى، عدم استيعاب المادة الدراسية، كره المادة الدراسية، تهاون المراقب.
وحاولت بعض الدراسات معرفة أسباب الغش كما يدركها الطلاب أنفسهم، فمثلاً خلصت إحدى الدراسات إلى أن الرغبة القوية في الحصول على درجات تكفي لقبول الطالب في كلية أو معهد، أو للحفاظ على معدل تراكمي جيد يتماشى مع متوسط درجات الطالب ـ تلك الرغبة تدفع أعداداً غير قليلة من الطلبة لممارسة الغش في الاختبارات.
كما أن هناك أسبابا متعلقة بالنظام التعليمي نفسه، بينما يتعلق البعض الآخر بالمجتمع الذي ينتمي إليه الطالب. وتتلخص هذه العوامل في الآتي:
ـ التركيز المبالغ فيه على الاختبارات التحريرية كمقياس للتحصيل الدراسي للطالب، مع إهمال أساليب أخرى مهمة للتقويم مثل النشاطات المدرسية والاختبارات الشفهية والواجب المنزلي.. إلخ.
ـ ضعف مستوى التحصيل الدراسي للطالب لأسباب عدة منها سوء أداء المدرس بسبب تدني راتبه، أو ارتفاع كثافة الطلاب في الحجرات الدراسية، أو مزاولة بعض الطلاب للعمل بعد انتهاء اليوم الدراسي.
ـ مبالغة بعض المؤسسات التعليمية في تقدير مستوى الطالب، مثل رفع الحد الأدنى لعلامة النجاح.
ـ عدم وجود فاصل زمني كاف بين الاختبارات، بل إن الطالب قد يؤدي أكثر من اختبار في اليوم الواحد. وهذا من شأنه عدم إعطاء الطالب فرصة مراجعة المواد والتهيؤ للاختبارات، لما يعانيه من إرهاق بدني وذهني وتوتر نفسي.
ـ غياب القوة من جانب المعلم؛ فبعض المعلمين لا يتحلون بأخلاقيات المهنة كأن يقوم المعلم بتمييز الطلاب الذين يتلقون على يديه دروساً خصوصية دون سواهم، أو أن يتعمد حجب بعض المعلومات عن الطلبة كوسيلة تضطرهم إلى أخذ دروس خصوصية عنده.
وتوضح الدراسات التي تُجرى في هذا الصدد أن تشديد العقوبة على من يمارس الغش من الطلاب أو من يسمح بالغش من المراقبين أمر ضروري وحتمي من أجل استئصال الخطر، وهنا لا يكفي إلغاء اختبار الطالب، بل لا بد من عقاب رادع جنائي
ترجمة وإعداد ـ حاتم حسين:

