من بين الجوانب المثيرة للدهشة التي يلتقي بها القارئ هنا في غمار متابعة قضية الحرب الكورية ومحاولة رصد ألاعيب السياسة وخباياها في تلك الفترة أنه بمجرد قيام قوات كيم ايل سونغ بغزو كوريا الجنوبية بهدف توحيد شطري شبه جزيرة كوريا فإن مجلس الأمن اجتمع ممررا قرارا بوجوب مساندة كوريا الجنوبية، وأحجم السوفييت عن اللجوء إلى الفيتو لتوريط الغرب في حرب مريرة في الجحيم الكوري.

كان السفير السوفييتي لدى الأمم المتحدة ياكوف ماليك يقاطع المنظمة الدولية على خلفية النزاع بشأن شغل تايوان مقعد الصين في المنظمة الدولية. وكانت توقعات الجميع في تلك الفترة أن يتراجع الاتحاد السوفييتي عن مقاطعة المنظمة وأن يعود المندوب السوفييتي الذي ظل موجودا في نيويورك إلى المنظمة من أجل استخدام الفيتو ضد القرار المتعلق بغزو كوريا الشمالية للجنوبية، غير أن ذلك لم يحدث.

وقد وصل الأمر إلى حد أن ماليك نفسه طلب من موسكو أن يستأنف عمله على خلفية هذا الهدف، غير أن ستالين رفض طلبه وأمره بأن يظل بعيدا عن أعمال المجلس.

وقد أثار هذا الموقف، الذي اعتبر فشلا سوفييتيا في وقف قرار المجلس وفي انتهاز فرصة سانحة لاحتواء الموقف الغربي بشأن قضية كوريا، حيرة المراقبين. غير أنه في تفسير ذلك يشير المؤلفان إلى أن ستالين لم يكن يريد الغرب بعيدا عن كوريا، بل على العكس كان يريد القوات الغربية في قلب المعركة حيث أنه في أتونها وإزاء الوفرة العددية الصينية سيتم الإجهاز على عدد كبير منها.

وفي ثنايا رواية أحداث هذه الفترة، تبدو واضحة جوانب من الصراع بين الاتحاد السوفييتي والصين وبشكل خاص ماو وستالين. فقد بدأ نجم ماو يبرز ويكاد أن يكون كيم ايل سونغ تابعا له ما أدى إلى جعل تفكير ستالين يتجه إلى كيفية تقويضه في الوقت ذاته الذي كان يدرك أهمية دور ماو بالنسبة للخطط السوفييتية.

ومن ذلك مثلا أنه أثناء زيارة ماو لموسكو في 30 يناير تحدث ستالين إلى كيم معطيا إياه الضوء الأخضر لخوض الحرب، غير أنه لم يخبر ماو بذلك، والأكثر إثارة للدهشة أنه طلب من كيم إخبار الصين بهذا التطور.

وهنا يشير المؤلفان إلى أن ماو لم يكن على علم دقيق باليوم المحدد لعملية الغزو، خاصة في ضوء رغبة كيم نفسه أن تبقى الصين بقواتها بعيدة لحين الحاجة اليها، ورغبة ستالين كذلك في هذا الأمر إلى حين دخول القوات الأميركية.

وفي الوقت ذاته راح ماو يحاول أن يظهر الأهمية التي تمثلها الصين والتي قد تفوق تلك التي يمثلها الإتحاد السوفييتي حين راح ماو في 15 مايو يقدم التزاما كاملا لكيم بمساندته في الحرب ملمحا إلى أن الاتحاد السوفييتي لا يمكنه تقديم مثل هذه المساعدة نتيجة التزامه بمعاهدات الحرب العالمية الثانية التي تقيد تحركاته على عكس الموقف بالنسبة لبكين.

في تطورات الحرب يشير المؤلفان إلى أنه بحلول أغسطس كانت قوات كيم ايل سونغ تسيطر على نحو 90% من كوريا الجنوبية وبفعل التعزيزات الاميركية تحولت كفة الأمور لدرجة أن كوريا الشمالية ذاتها أصبحت مهددة ما دعا بكيم إلى إرسال إشارة استغاثة إلى ستالين طالبا النجدة، فأرسل بدوره إلى ماو مؤكدا له أن لحظة تدخله قد حانت.

من حسن حظ ستالين وكيم إن ذلك الأمر صادف قبولا من ماو في ظل يقينه أنه سينتصر على أميركا بفضل الأعداد الكبيرة من الجنود الصينيين نظرا لإدراكه صعوبة تضحية الأميركيين بالكثير من جنودهم هناك.

ويشير ذلك إلى التباين في النظر إلى العنصر البشري، الأمر الذي استغله ماو بشكل أو بآخر لتحقيق أهدافه التي كان يرى من خلالها ان الحرب مع الأميركيين هي الفرصة الوحيدة للخروح من أسر ستالين والانتقال بالصين إلى مرتبة قوة عسكرية عالمية.

البرنامج السري

يتطرق جونغ تشانغ وجون هاليداي بعد ذلك إلى ما يسميانه برنامج ماو السري من أجل التحول إلى قوة عظمي، فيوضحان أنه في أعقاب قبول ماو وضع حد للحرب الكورية في مايو 1953 فإن خلف ستالين في الكرملين وافق على أن يبيع الإتحاد السوفييتي للصين أكثر من 91 مشروعا صناعيا.

ومن بين هذه المشروعات كان ماو يسعى إلى تلك التي تعزز قدرة الصين على الصناعات العسكرية ويعمل على تحقيق هذا الهدف خلال عشر سنوات أو خمس عشرة سنة على الأكثر.

ويبدو من تناول المؤلفين أن ماو كان يسعى إلى مجد شخصي أكثر منه إلى إفادة شعبه، وفي هذا يشير إلى أن الأجيال المقبلة لم تكن تحظى باهتمام. والعودة إلى بعض ما قاله في فترات سابقة تؤكد ذلك ففي 1918 كتب يقول إن البعض يرى أن المرء يمكن أن يتحمل مسؤولية التاريخ مضيفا «إنني لا أرى ذلك فالناس من أمثالي لا ينجزون شيئا يمكن تركه للمستقبل».

وفي إطار مساعيه لتحقيق هذا الهدف فإن شوان لاي قدم لستالين قائمة مشتريات خلال السنوات الخمس الأولى من خطة ماو وكان رد ستالين أن هذه الطلبات كثيرة، مشيرا إلى أنه حتى وقت الحرب فإن موسكو لم تكن تقوم بإنتاج كل هذه الكميات. والسؤال هو هل نستطيع تلبية الطلبات بإنتاج كل هذا الكم من المعدات العسكرية؟

وهنا فإنه من خلال الإحصائيات فإن الإنفاق على التسلح فضلا عن الصناعات ذات الصلة بمجالات عسكرية كان يستحوذ على 61% من الميزانية الصينية. وعلى العكس من ذلك فإن الإنفاق على التعليم مثلا والثقافة والصحة كان يمثل نحو 2 ,8% ولم يكن هناك قطاع خاص.

وحسبما يشيران المؤلفان فإن التعليم والعلاج لم يكونا مجانيين باستثناء حالات الأوبئة حيث كان يتم العلاج مجانا وحتى في هذه الحالات لم يكن متاحا سواء للمزارعين او أبناء الطبقة الدنيا في المدن.

وفيما يكشف المؤلفان عن الحيل التي كان يلجأ إليها ماو من أجل تسويق سياساته المتعلقة بتوجيه أكبر قدر من الميزانية على التسلح، يشيران إلى أنه كان يتم إخبار الصينيين بشكل غير مباشر بأن الأسلحة التي يتم الحصول عليها من الإتحاد السوفييتي إنما تأتي نتيجة مساعدات غير أن الحقيقة هي أن كل شيء كان مدفوعا، بصورة عينية عبر قيام الصين بتصدير زراعاتها خاصة الأرز.

وفي ذلك الصدد يشير المؤلفان إلى أن ماو كان على استعداد لحرمان شعبه من الطعام من أجل تحقيق أهدافه. وتأكيدا على ذلك يوضحان أن تعليماته لوزارة التجارة الخارجية في أكتوبر 1953 كانت العمل بكل السبل لتصدير أكبر كمية من المحاصيل رغم ما يمكن أن تمثله من أهمية بالنسبة لاستهلاك الصينيين.

وفي يوليو 1954 أصدر ماو تعليمات مؤداها وجوب تخفيض استهلاك مواد غذائية معينة مثل اللحوم إلى الحد الأدنى من أجل تصدير أكبر كميات ممكنة وأنه يمكن فقط تزويد السوق الداخلي بما يفيض عن حاجة التصدير.

عبء على الفلاحين

لقد وقع العبء الرئيسي على المزارعين، حيث أن السياسة المتبعة آنذاك كانت تقوم على ضمان الإمدادات الأساسية لسكان المدن مع قدر كبير من الترشيد وترك المزارعين يواجهون المجاعة في حالة نقص الغذاء.

ومن الجوانب التي تبدو غريبة ما يذكره المؤلفان من أن من كانوا في عداد الفلاحين مع تولي ماو الحكم لم يكن مسموحا لهم بالانتقال إلى مناطق أخرى سوى بتصريح. ومن ذلك على سبيل المثال أن يتزوج المرء وفي غير هذه الحالات فقد كان قدر الفلاحين أن يظلوا في قراهم طوال حياتهم، وهو الأمر الذي لم يكن قائما حتى في ظل فترة نشأة ماو الأولى.

وقد كانت سياسة تقييد التحرك هذه شيئاً جديداً غير مألوف في الصين. فتقليديا كان في إمكان الفلاحين دوما التحرك سواء جغرافيا أم اجتماعيا، وكان لهم أن يتطلعوا إلى الثروة والانتشار، وذلك كما فعل ماو نفسه.

واذا كانت هناك مجاعة فإنهم كانوا يستطيعون الفرار إلى المدن أو أي مناطق أخرى وأن يجربوا حظهم. أما الأن - في ظل حكم ماو - فإنهم في أفضل الأحوال ليس لهم أن يتطلعوا إلى تحسين وضعهم عندما تدرجهم الحكومة في الجيش أو في المصانع. وحتى عندما تضرب البلاد كارثة فإنهم يواجهون المجاعة أو الموت في قراهم.

لم يكن الأمر بالنسبة لماو يقتصر على تزويد بلاده بأسلحة وغيرها من أجل تعزيز قوتها وإنما كان جانباً من جوانب رؤيته لاحتلال مكانة متقدمة لبلاده دولياً، بغض النظر عن الثمن الذي ستدفعه الصين مقابل تحقيق هذه الرؤية.

ومن المجالات الأخرى التي يفيض المؤلفان في ذكرها في هذا الخصوص سياسة ماو الخارجية المتعلقة بمساعدة الدول الشيوعية خاصة أوروبا الشرقية. ففيما كان الصينيون يعيشون حياة بالغة التقشف، فإن ماو راح يغدق مساعداته لكل من كوريا الشمالية وفيتنام الشمالية.

ليس ذلك فقط بل كان يقدم المساعدات لبعض دول أوروبا الشرقية التي يحيا سكانها في بحبوحة من العيش، مقارنة بما كان يحياه الصينيون، وهو الأمر الذي زادت معدلاته بعد وفاة ستالين، والذي كان يراه خصمه الرئيسي، ما اعتبر معه ماو أن الطريق أصبح مفتوحا أمامه لفرض نفسه زعيما للمعسكر الشيوعي.

فعندما نظمت رومانيا مهرجانا للكشافة قدم لها ماو نحو 3 ألاف طن من زيت الطعام فيما كان الفلاح الصيني الذي ينتجه لا يحصل سوى على كيلو واحد فقط سنويا.

وعلى هذا النحو كان ماو يتصرف من أجل تحقيق أمجاد شخصية على حساب شعبه. ولم يقتصر الأمر على هذه الجوانب وإنما امتد إلى جوانب أخرى تعتبر بكل المقاييس جوانب مظلمة في حكم ماو، وهى تلك التي تتمثل فيما يسميه المؤلفان «الحرب على الفلاحين».

إن قراءة تفصيلية في جوانب هذه الحرب تكشف عن غياب أبسط مبادئ حقوق الإنسان في فكر ورؤية ماو للحكم وتسيير أمور شعبه. وعلى ذلك فإنه تشديدا لقبضته على الحكم قام ماو خلال خريف 1953 قام ماو بعمليات مصادرة واسعة لمحاصيل الفلاحين من أجل توفير الموارد اللازمة لتمويل برنامجه المتعلق بالتحول إلى قوة عظمى.

سياسة التجويع

كان الأساس الذي تقوم عليه هذه السياسة هو دع السكان يتناولون ما يقيم أودهم ثم خذ الباقي! وعلى ذلك قرر النظام تخصيص حصة سنوية للمواطنين من الغذاء تتمثل في نحو 200 كيلو غرام من الحبوب للأسرة، غير انه من المفارقات أنه حتى وفاة ماو في عام 1976 بعد نحو سبعة وعشرين عاما قضاها في الحكم فإن هذه الكمية كانت تسلم ناقصة ولم تتجاوز في أفضل الأحوال 190 كيلوغراماً.

الأكثر مدعاة للدهشة هو أن ماو كان يريد تخفيض هذه الكمية إلى ما هو أقل من ذلك بقليل حيث كان يردد أنهم لا يحتاجون أكثر من 140 كيلو غراماً، وأن البعض لا يحتاج أكثر من 110 كيلو غراما. وقد صادفت هذه السياسة الكثير من الشكوى من قبل الفلاحين.

حيث كان بعضهم يؤكد لمسؤولين رسميين أن هذه الكميات لا تكفي أي أسرة على الإطلاق. وحسب قول أحد الفلاحين فإنه يعمل لمدة عام فيما يجد نفسه يعاني من الجوع لعدة شهور، مشيرا إلى أن جيرانه يعانون المشكلة نفسها.

ورغم ذلك فقد واصل ماو نهجه وسياساته المتمثلة في التضييق على الفلاحين حيث كان يدعو المسؤولين إلى تقديم أقل القليل للفلاحين من أجل البقاء على قيد الحياة، فكان يرى أنهم يجب أن يأكلوا قشور البطاطا التي كانت تستخدم في إطعام الخنازير. وكانت تعليماته هي تعليم الفلاحين كيف يأكلون الأقل؟ وفي ذلك ينقل المؤلفان اعتراف أحد مساعدي ماو بأن هذه السياسة كانت تفضي بالفلاحين إلى الموت جوعاً.

وفي أوائل 1955 بدت سياسة المصادرة وكأنها تقود البلاد إلى حالة بالغة السوء، حيث وصلت تقارير إلى ماو تفيد بأن الفلاحين بدأوا يأكلون لحاء الشجر، كما بدأت بعض الأسر تتخلى عن تربية أبنائها بسبب عدم توفر الموارد اللازمة لذلك.

وإزاء إدراكه للأبعاد السلبية التي يمكن أن تتسبب فيها تلك السياسة كان حريصا على تتبع نتائجها ليس لجهة تعديلها وإنما لجهة التعاطي معها تحقيقا لأهدافه مع الحد الأدنى من القلاقل الاجتماعية.

ولهذا جند العديد من حراسه لينقلوا له تقارير عما يحدث في القرى لدى زيارتهم لذويهم. لقد كانت التقارير تكشف عن الأوضاع المزرية للفلاحين نتاج هذه السياسة، وقد أشار أحدها إلى ان الناس بدأوا يتساءلون عن جدوى الاشتراكية، مشيرين إلى أنه منذ الأخذ بها لم يطهوا طعامهم بالزيت؟ وكان الرأي السائد أن الشيوعية تقود الناس إلى حتفهم.

وقد كتب زاو زيانج الذي أصبح أحد قادة الحزب في فترة ما بعد ماو أن كوادر الحزب الشيوعي كانت تفتش المنازل، وتعلق الفلاحين على الأشجار، وتقوم بضربهم من أجل إجبارهم على تسليم المحصول، وتقوم بإغلاق المنازل التي يذكر أصحابها انه ليس لديهم شيء يسلمونه. وقد أشار إلى سيدة قامت بشنق نفسها بعد أن تم حبسها في منزلها، فيما لجأ نحو 110 أشخاص إلى الانتحار بسبب هذه السياسة.

ويشير المؤلفان إلى أنه لو وجد إحصاء دقيق بشأن مثل هذه الحالات في المقاطعات الأخرى والتي تصل إلى نحو 2000 مقاطعة فإن عدد المنتحرين قد يصل إلى مليون شخص. ومن الغريب أن ماو لم يكن يأبه بأي تقارير عن معاناة الفلاحين.

المزارع الجماعية

اتجه ماو إلى تشديد قبضته على الأوضاع من خلال اللجوء إلى سياسة المزارع الجماعية من أجل إحكام سياسة المصادرة، حيث أن الأوضاع فيما قبل الأخذ بهذه السياسة كانت تتيح للفلاحين إخفاء بعض محصولهم.

ثم ان الكشف عن هذه العملية أمر ليس بالهين ويتطلب تفتيش ملايين المنازل. كما كان من ميزات هذا النظام أنه يتيح لماو مراقبة الفلاحين خلال العمل، حيث كان يعمل على مضاعفة وقت عملهم في الأرض، فضلا عن هدف آخر خاص بالمرأة وهو أن تقوم بمباشرة العديد من المهام في عملية الزراعة الأمر الذي لم يكن معتادا.

وإزاء حالة الرفض والمقاومة غير المعلنة لسياسة المصادرة والمزارع الجماعية، فإن ماو لم يجد أمامه سوى اللجوء إلى الدواء المعروف لديه، وهو «الإرهاب».

ففي 1955 تحدث عن خطة خمسية وهي الفترة التي رآها كافية لعملية إخماد أي حالات سخط. وفي هذا راح ماو يقول انه يجب علينا إلقاء القبض على 5 ,1 مليون شخص من المناهضين للثورة خلال خمس سنوات. وحسب تعبير المؤلفين فإن «الإرهاب» كان خيار ماو المفضل أو الدواء الأساسي لديه لأي شيء يريد تحقيقه.

وكشفا لما يعتبرانه من مساوئ حكم ماو يشير المؤلفان إلى خديعة لجأ اليها وقد تكون العديد من النظم الديكتاتورية استفادت منها فيما بعد. ففي 27 فبراير 1957 ألقى ماو خطبة طويلة استغرقت نحو 4 ساعات دعا فيها إلى مزيد من الحرية في انتقاد الحزب الشيوعي، مضيفا أن الحزب في حاجة إلى نوع من المساءلة وإخضاعه للرقابة.

وراح ينتقد أساليب ستالين في الحكم محاولا الإيحاء بأنه لن يكون لها نظير بالنسبة للحكم في الصين. وكان له في هذا الخطاب جملة شهيرة قال خلالها: «دع مئة زهرة تتفتح».

لقد بدا هذا التوجه غريبا آنذاك، وراح البعض يشير إلى أن ماو قد يكون بذلك كمن ينصب مصيدة لخصوم النظام وهو ما كان جوهر الأمر بالفعل، حيث أنه بمقتضى تلك الدعوة كان من المنتظر أن يجد الكثير من المعارضين أمامهم الفرصة للحديث والتعبير عن مواقفهم بصراحة بما يمكن نظام ماو من تحديد خصومه بشكل دقيق والذين كانوا يتركزون بشكل أساسي في قطاع من المثقفين الذين لم ينجح في استمالتهم.

فقد حرص ماو إثر توليه السلطة على منح امتيازات عديدة لهؤلاء على أمل اجتذابهم للنظام وبالفعل ساهم بعضهم فيما كان يسمى بالإصلاح الفكري الذي اعتبر آنذاك بمثابة غسيل للعقول.

وهو التعبير الذي أقره ماو فيما بعد. المهم أن ماو من خلال خطته الجديدة، كان يستهدف البقية الباقية من هؤلاء. ومن الغريب أن ماو لم يصرح بنيته تلك سوى لحاكم شنغهاي، حيث بقى القريبون منه في الحكم على غير معرفة حقيقية بنواياه.

في أوائل أبريل من ذلك العام راح يصارح بعض هؤلاء المسؤولين بأنه نتيجة لموقفه الذي أعلنه خلال خطبته المشار إليها فقد بدأ بعض المثقفين يتخلون عن حذرهم والحديث بشكل أكثر حرية. وكان مما قاله لمرؤوسيه أنهم يجب أن يبدو أكبر قدر من اللامبالاة ويدعوا أمثال هؤلاء يتحدثون.. إننا نريدهم أن يتحدثوا براحتهم.. دعوا هؤلاء الشياطين يلعنوننا لعدة أشهر!

وراح ماو يشرح لهؤلاء أنه حريص على أن يترك الحبل على الغارب لهم لكي يقعوا في المصيدة من دون إمكانية الإفلات، وحتى يخرج بصيد ثمين.

وفي وصف له للموقف بعد فترة من هذه القضية راح يتساءل : كيف كان لنا أن نمسك بهذه الثعابين اذا لم نسمح لها بالخروج من جحورها؟ لقد كنا نريد لهم أن يخرجوا من مواقعهم مطمئنين، وبهذه الطريقة فقط كان يمكن لنا أن نمسك.

الدخول في المصيدة

ولكن ماذا كانت النتيجة المتحققة من جراء مصيدة ماو؟ من الغريب أنها حققت نجاحا كبيرا. فبمجرد أن تم رفع الغطاء قليلا عن النقد انفجر المعارضون من خلال وسائل مختلفة تركز معظمها في اجتماعات مصغرة كانت الوسيلة المتاحة للعمل الجماعي في إطار التوجه الذي أعلن عنه ماو.

وكان أول شيء تركز عليه سيل الانتقادات هو احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، الأمر الذي وصفه أحد المعارضين بأنه مصدر الشر. فيما تمت كتابة ملصق ينتقد التسلط في الحكم ويعتبره أساس مشكلات النظام السياسي.

وخلال حملة التعبير عن الرأي استجابة لخديعة ماو راح المعارضون يقارنون ممارسات الشيوعيين في الحكم بممارسات هتلر. وتمادى هؤلاء المخدوعين في مواقفهم إلى حد أن أحدهم راح يؤكد على أن النظام الحالي يعتبر أسوأ من سلفه سواء الحكم الإمبراطوري أو حكم تشانغ كاي تشيك في عدم حفاظه على حقوق المواطنين. وراح أحد الأساتذة يصف الدستور بأنه مكتوب على ورق التواليت، بما يعني أنه ليست له أي جدوى.

لقد كشفت هذه الخديعة، بغض النظر عن الهدف الحقيقي من اللجوء إليها من قبل ماو عن تعطش الصينيين للحرية، وهو ما يشير بمفهوم المخالفة إلى مدى القمع الذي كانوا يشعرون به في ظل نظام ماو.

وهنا فقد يبدو من الغريب أن بعض المسؤولين في نظام الحكم ذاته قد انساقوا وراء الشعار الذي رفعه ماو من دون أن يدروا أنهم بذلك يضعون أنفسهم موضع التهلكة وأخذوا ينتقدون النظام ومن ذلك مثلا ما ذكره أحد العاملين في جهاز الحكم من أنه يتمنى لو أنه كان بمقدوره اتباع القانون وليس الأوامر من الحزب. بل وصل الأمر إلى مستوى أن نائبا لأحد الوزراء راح يدعو إلى استقلال السلطة القضائية.

لقد تفاقم الموقف إلى حد بروز ما يمكن اعتباره انقساما على مستوى السلطة نفسها، عند هذا المستوى وبالتحديد في 7 يونيو 1957 أمر ماو بالإعلان عن أن تحدي الحزب يعد أمرا مرفوضا وبمجرد أن صدر هذا الأمر بدأت آلة القمع عملها لتنتهي سريعا الحملة الخدعة التي عرفت باسم «دع مئة زهرة تتفتح».