أجرت مجلة «دير شبيغل» حواراً مع السياسي والمليونير اللبناني سعد الحريري ألقى فيه الضوء على موقفه من التقرير الذي رفع مؤخراً لمجلس الأمن حول قضية مصرع أبيه والعلاقات بين دمشق وبيروت وموقفه من حزب الله وعدد من القضايا الأخرى المهمة، وفيما يلي نص الحوار:
* المحقق الموفد من الأمم المتحدة سيرج براميرتز أصدر تقريره حول مقتل والدك أخيراً، كيف ستكون باعتقادك تبعات هذا التقرير؟
ـ أولاً أود التأكيد على أني أضع كامل ثقتي في سيرج براميرتز، الذي تسلم منصبه من المحقق الألماني ديتليف ميليس الذي أدى عمله بنجاح وشمولية.. وما أعرفه هو أنه لن يهدأ للبنان بال حتى تحل خيوط هذه الجريمة - أو حتى يمثل الفاعلون أمام العدالة. وعلينا اتخاذ إجراءات جنائية دولية ضد القتلة.
* الجميع يقولون إن أعوان الرئيس اللبناني إميل لحود، الخصم السياسي لوالدك، هم من خطط للجريمة. وقد قام مكتب المدعي العام في بيروت بالفعل باعتقال أربعة رجال تربطهم صلات وثيقة بلحود. هل صحيح أن أحدهم اتصل برقم الهاتف الخلوي للرئيس لحود قبيل الهجوم؟
ـ نعم، صحيح.
* أتيح للمحقق براميرتز استجواب الرئيس السوري بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع. هل تعتقد حقاً أن الرئيس السوري يمكن أن يكون قد أصدر الأوامر بقتل والدك؟ أم هل من الممكن ان تكون أجهزة الاستخبارات السورية قد تصرفت من نفسها؟
ـ بناءً على كل المعلومات التي أعرفها فإن الأسد يتحمل جزءاً من المسؤولية على الأقل.
* الأسد ينكر ذلك. وسوريا سحبت قواتها من لبنان. ماذا غير هذا تريدون من جارتكم الكبيرة؟
ـ ألا تتدخل في شؤوننا، وألا يتم تحريض بعض الساسة اللبنانيين خلال زياراتهم الكثيرة إلى دمشق وألا يتم تحريض بعض الفلسطينيين الموجودين على أراضينا للقيام بأعمال سلبية. ونحن نريد علاقات جوار صحية طيبة مع سوريا، علاقات تقوم على الاحترام المتبادل. نريد تعيين حدودنا بوضوح والاتفاق على استئناف العلاقات الطبيعية، كما نص قرار الأمم المتحدة الأخير في هذا الصدد.
* هذا طريق وعر. الأسد يبدو آمناً في منصبه. والرئيس لحود لايزال، على ما يبدو، يمسك بزمام الأمور بحزم في بيروت.
ـ أنا لا أرى الأمور هكذا. لم تعد لدى لحود حاشية. فهو الآن مجرد رجل من الماضي، رمز لنظام أتى عليه الدهر. ويجب عليه أن يستقيل بأسرع ما يمكن. هذا ما يجب عليه فعله إذا كان يعتبر نفسه لبنانياً.
* يبدو أن طائرتك الخاصة أصبحت بمثابة بيت لك. وفي الأشهر القليلة الماضية حللت ضيفاً على البيت الأبيض والكرملين وفي باريس، لندن والعديد من العواصم العربية والآن عدت إلى برلين ثانية.
ـ لقد شكرت المستشارة على الدعم الألماني الكبير للبنان في الأوقات العصيبة. لقد دعمتنا ألمانيا سياسياً بأسلوب يقتدى به. وصحيح أنني أسافر كثيراً لكنني حضرت احتشاداً جماهيرياً كبيراً بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لجريمة الاغتيال. وفي أعقاب تلك الفعالية في فبراير الماضي، قررت أن أقيم في لبنان مرة أخرى، برغم كل المخاطر. صدقني لقد كانت عودتي حدثاً عاطفياً جداً.
* في خطابك أمام مئات الآلاف من الناس المتجمهرين في بيروت، دعوت إلى الوحدة بين السنة والشيعة والمسيحيين الموارنة والدروز في لبنان. لكن ألا ترى أن الاختلافات بدأت تثور من جديد - كما تجسد في تدمير السفارة الدنماركية في بيروت من قبل مجموعة فوضوية؟
ـ كان ذلك عملاً شنيعاً، شجبته أغلبية اللبنانيين. لكن بمعزل عن هذه الحادثة فانني متفائل جداً. ومهما كانت ديانتنا، فإن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا. ونحن كلنا فخورون بأننا نحمل جواز سفر لبنانياً.
* ذكرت دعم المجتمع الدولي لبيروت ولك شخصياً. لكن الأمم المتحدة تريد أيضاً نزع سلاح حزب الله. لكن الشيعة الآن جزء من الحكومة التي تسيطر عليها أنت.
ـ ليست لدي أية مشكلة في هذا.
* حزب الله يتصرف وكأنه حزب سياسي طبيعي تماماً. لكن لحزب الله ذراعاً عسكرية أيضاً، ولديه ميليشيا تهاجم إسرائيل بشكل متواصل. هل تريد نزع سلاحه؟
وبالنظر إلى اعتمادك على الشيعة في الحكومة، هل ستقدر على فعل هذا؟
ـ أولاً حزب الله هو الذي يعتمد علينا. أنا زعيم أكبر كتلة سياسية في البرلمان. ونحن نواصل المحادثات. علينا أن ننتظر لنرى كيف ستتطور الأمور. وذلك الأمر سيحدث.
* وهل سيسمح حزب الله حقاً بنزع سلاحه؟ هل لديكم إطار زمني؟
ـ كلا. الأمور هنا تزداد تعقيداً بسبب السياسات العدوانية لإسرائيل، وحقيقة أنها لا تزال تحتل أجزاء من بلدنا وأنهم يقومون بقصف أراضينا مراراً وتكراراً؟ ومن حقنا أن نقاوم.
* هل يرى البيت الأبيض الأمور بالطريقة نفسها؟
ـ وصفتها للرئيس جورج بوش على هذا النحو ووجدته منفتحاً. وآمل أن يكون لواشنطن تأثير يدفع إسرائيل نحو الاعتدال، على الأقل وراء الكواليس. وهناك ما يشير إلى أن هذا ما يجري بالفعل.
* هل تستطيع بالمقابل، أن تلعب دوراً مشابهاً لدفع حماس نحو الاعتدال؟
ـ أتحدث مع ممثل حماس تماماً كما أتحدث مع رئيس مكتب فتح المفتتح حديثاً في بيروت. أعتقد أن على الغرب أن يدخل في حوار مع حماس.
* صورة العالم العربي في أميركا سيئة، مثلما هي سمعة الأميركيين سيئة في الشرق الأوسط.
ـ هذا صحيح، وهي غلطتنا كلينا. وما يجب على الأميركيين أن يفهموه خاصة في العراق هو أنه ليس بوسع أحد فرض النموذج الديمقراطي بالقوة على أبناء ثقافة أخرى.
* هل يمكن للبنان أن يكون نموذجاً يحتذى به للعالم العربي؟
ـ لبنان بلد ديمقراطي لديه انتخابات حرة وصحافة حرة. وسوف نحقق نمواً اقتصادياً بمعدل 5 بالمئة هذه السنة التي ربما تشهد أيضاً معدلات قياسية في السياحة- طالما لم يعكر علينا الإرهاب.
* لكن ما سمي بثورة الأرز لم يحقق نجاحاً تاماً. وما زالت بيروت تتعرض للانتكاسات المتتالية. ألا ينفد صبرك أحياناً؟
ـ بالطبع يمكن أن تسير الأمور بوتيرة أسرع من ذلك بكثير. لكننا حققنا الكثير من الأمور. وفي هذا الجزء من العالم الذي نعيش فيه، لا يعتبر الصبر ضرورياً فحسب، بل صفة أساسية للبقاء.
* بعد فوزك الانتخابي قبل عام من الآن، توقع الكثير من المراقبين ان تصبح أنت رئيس الوزراء. وما كان بوسع احد أن يقف في طريقك، لو أردت ذلك بالفعل. هل ترغب بأن تصبح رئيساً للوزراء فقط بعد أن يرغم شاغل المنصب الرئاسي على التخلي عنه؟
ـ حسناً هو لايزال حراً طليقاً اليوم. لكن في الواقع لا أشعر أني مستعد لتولي هذا المنصب بعد. مازلت أتعلم. وأنا مسرور بعملي كزعيم لأكبر كتلة نيابية في البرلمان. وهذا يتطلب مني الكثير من العمل وهو عمل مثير للاهتمام.
* وفي المستقبل؟
ـ لقد فقدت شخصاً عزيزاً على قلبي، أغلى شخص في حياتي، والدي. أريد أن يدفع قاتلوه الثمن. ولا أدري ماذا يحدث بعد ذلك. مازال المستقبل أمامي.
ترجمة: علي محمد
