في إطار رصد البدايات الأولى لماو من خلال تناول المحطات التي تعد فاصلة في مسار حياته، سواء على مستوى أوضاعه الشخصية أو أوضاع الصين آنذاك، يواصل المؤلفان جونغ تشانغ وجون هاليداي استعراض ما يشيران إلى كونه تفاصيل غير معروفة بشأن الزعيم الصيني.

وهما في هذا السياق يطرحان الكثير من الأفكار المثيرة للجدل وفي مقدمتها افتقار ماو في البداية لمقومات الزعامة وهامشية دوره السياسي.

فبعد أن غادر ماو إلى العاصمة شانجشا في محاولاته للهرب من المصير الذي يحاول والده فرضه عليه، وهو العمل مزارعاً، عاد مرة أخرى إليها في ربيع 1911 عشية الثورة الجمهورية على الحكم الإمبراطوري هناك .

لقد انتشرت أخبار الثورة في جميع أنحاء البلاد من خلال الصحف والمجلات، وعرف ماو بالأمر عن طريقها، وقد كانت المرة الأولى التي يقرأ فيها صحفا في سن السابعة عشرة، لحظتها كتب مقالة سياسية تعبر عن مناصرته للثورة وعلقها على الحائط في المدرسة.

لقد تم إعلان الجمهورية في الصين في الأول من يناير 1912 ليتم بذلك إنهاء سلالة مانشو التي حكمت البلاد لأكثر من260 عاما وأصبح تشانغ كاي تشيك القائد العسكري للبلاد رئيسا وسط احتدام الصراع بين القادة العسكريين وهو ما انعكس في تفكك قواعد الحكم.

ورغم ذلك فقد كانت الثورة بمثابة مرحلة بالغة الجدة في حياة الصينيين حيث فتحت المجال أمامهم واسعا أمام الالتحاق بمختلف الوظائف، الأمر الذي وجد فيه ماو بغيته.

وبعد مرحلة من التفكير والتنقل في الاهتمامات بين عدة وظائف، استقر ماو على الالتحاق بمدرسة المعلمين التي لم تكن تتطلب رسوما عالية، وقد كانت مؤسسة على الطراز الحديث، ما جعلها تمثل إضافة جديدة بالنسبة له، وهناك أتيح له الإطلاع على كتابات عن الفوضوية والقومية والماركسية.

ألقت هذه القراءات بتأثيرات مختلفة على رؤاه للحياة والعملية السياسية، وكانت هذه المرحلة هي التي أصقلت خبرات ماو المعرفية وفتحت عينه على العمل السياسي.

وهنا فإنه مما يلحظه المؤلفان جونغ تشانغ وجون هاليراي أن ماو مثلا ولدى سؤاله عن كيفية إحداث تغيير في الصين؟ فإن الإجابة الأساسية التي كان يركز عليها هي التدمير ثم إعادة البناء.

وقد وسع من نطاق هذه الرؤية لكي تنطبق ليس على بلده فقط وإنما على العالم كله، بل الكون بأكمله. ورغم أن هذه الأفكار بزغت بشكل واضح في بدايات العقد الثالث من حياة ماو، وبالتحديد في سن الرابعة والعشرين، إلا أنها لازمته طوال حياته.

مقومات الزعامة

على الرغم من انشغال ماو بالهم العام إلا أنه، حسبما يورده المؤلفان، لم تظهر عليه علامات الزعامة أو القيادة في مراحل مبكرة من عمره. وفي ذلك يشيران إلى ما ذكره مدرس لماو في يومياته خلال عام 1915،.

حيث يقول إن ماو ليس لديه على ما يبدو صفات القيادة. فيما كتب مدرس آخر له قال فيما بعد أنه لم يبد منه ما يشير إلى بوادر موهبة زعامة لديه خلال سنوات دراسته في المدرسة.

حتى انه عندما سعى إلى إنشاء ناد عام فإن القليلين انضموا إليه وعندما شكل مجموعة من أصدقائه رابطة طلابية في أبريل 1918 فإن ماو لم يتم انتخابه رئيسا.

لقد وصل الأمر بماو إلى حد مواجهة صعوبة كبيرة في الالتحاق بعمل بعد تخرجه من مدرسة المعلمين في 1918. لقد كانت أجواء تلك الفترة تعزز الطموح لدى الطلبة الخريجين إلى السفر للخارج للدراسة، حتى بالنسبة للطلبة الذين ينحدرون من أسر فقيرة على شاكلة أسرة ماو.

حيث كانت الفرصة أمامهم متاحة كذلك للسفر خاصة إلى فرنسا للعمل واستكمال الدراسة في ظل حاجة فرنسا للقوى العاملة البشرية آنذاك إزاء الضحايا من أبنائها الذين فقدتهم خلال الحرب العالمية الأولى، ورغم سفر العديد من أصدقاء ماو إلا أنه هو نفسه لم يسافر في ضوء ما يشير إليه المؤلفان من أن إمكانياته الجسمانية لم تكن تتيح له ذلك!

هناك عامل آخر هو عدم دراية ماو باللغة الفرنسية أو غيرها، وهنا يشير المؤلفان إلى مشكلة لدى ماو تتعلق بالتعاطي مع أي لغة غير تلك التي كان ينطقها، لغته المحلية، ففي عام 1920 حين كان السفر إلى روسيا موضة تلك الأيام فإنه وجد صعوبة في تعلم اللغة الروسية وانتهى به الأمر إلى عدم السفر سواء إلى فرنسا أو روسيا رغم أن الكثير من أصدقائه توجهوا إلى هاتين الدولتين.

وعلى ذلك قرر ماو اقتراض مبلغ من المال والتوجه إلى العاصمة بكين لكي يجرب حظه هناك. على حد ما يذكر الكتاب فإن بكين كانت في ذلك الوقت من أكثر مدن العالم جمالا.

ورغم ذلك فقد كانت الحياة في العاصمة صعبة حيث ان التطورات التي أحدثتها الثورة وعلى صعيد تحقيق الحريات أو الفرص التي وفرتها عملية التحديث لم تقدم للصين الكثير من المزايا، وظلت معظم أجزاء الدولة تعيش في حالة فقر مدقع، وعاش ماو مع سبعة من أصدقائه حياة بائسة.

وفي ظل أجواء الصقيع التي كانت تسم الطقس في العاصمة وجد ماو فرصته في الذهاب إلى المكتبة حيث توجد تدفئة لكي يضرب عصفورين بحجر واحد : يقرأ ويتدفأ! وانتهى به المطاف إلى العمل موظفاً في مكتبة كل مهامه تسجيل أسماء الرواد الذين يفدون لقراءة الصحف.

البحث عن الذات

يبدو أن الأمور لم تسر على ما يرام بالنسبة لماو في العاصمة فقرر العودة إلى مسقط رأسه حيث عمل مدرسا، ومما يذكره المؤلفان عنه في تلك الفترة أن ملابسه الرثة كانت مثار تندر الطلبة ورغم ذلك فإنه كان لا يبالي بأي انتقادات تقتضي منه أن يكون مهندما في ملبسه.

وقد كانت عودة ماو إلى مسقط رأسه في لحظة مهمة من تاريخ بلاده حيث كانت تجرى في ذلك الوقت مفاوضات باريس التي ترتب أوضاع ما بعد الحرب العالمية الأولى، وخلالها فشلت الحكومة الصينية في التوصل إلى اتفاق جيد بشأن بعض الأراضي التي كانت تحتلها اليابان، وهو ما أثار حالة من السخط والتذمر في البلاد.

وسط هذه الظروف أشرف ماو على إصدار مجلة عبر من خلالها عن بعض أفكاره الثورية مما كان بمثابة فاتحة له للكتابة في مطبوعات أخرى.

وكانت على رأس اهتمامات ماو في تلك الفترة قضية المرأة حيث كان من أنصار استقلالها وحريتها في اختيار من تتزوجه وهى أفكار كانت تبدو غريبة حتى بالنسبة لثوريي تلك الفترة. وعززت من مواقفه تلك وفاة والدته في أكتوبر 1919 .

والتي كان يحبها كثيرا على العكس من موقفه تجاه والده حيث تعامل ماو مع وفاة والده بكل برود فعندما مات يي شانغ بمرض التيفود في يناير 1920 بعد وفاة والدته بقليل كان يريد أن يرى ابنه الأكبر غير أن ماولم يأبه بذلك ولم يبد حزنا على رحيل والده.

في تلك الفترة بدا أن المستقبل يفتح ذراعية لماو ففي 1919 سعى الطلبة والمدرسون الراديكاليون في هونان لعزل الحاكم العسكري هناك، وذهب ماو مع وفد إلى بكين للضغط على الحكومة المركزية هناك من أجل الاستجابة لمطلبهم ورغم فشل المهمة فإن ماو تمكن بحكم موقعه المتقدم ضمن الوفد من مقابلة كبار القادة الماركسيين البارزين آنذاك، وكانت تلك بداية اتصالاته بالماركسيين.

وفي 1920 كتب ماو مقالة امتدح فيها تشين يو هسيو الماركسي الشهير باعتباره النجم اللامع في عالم الفكر، وقد كان شخصية بارزة في الصين في تلك الفترة.

وتطورت الأمور بعد ذلك تجاه إنشاء حزب شيوعي لم تنشأ فكرته من قبل الماركسيين الصينيين وإنما من الاتحاد السوفييتي الذي قرر العمل على تصدير الأفكار الشيوعية إلى الخارج ودعم مناصريها، وكان على رأس مجالات هذه المناصرة الصين.

ويفصل المؤلفان القول في هذه النقطة لدحض ما يرونه فكرة خاطئة عن دور لماو في إنشاء الحزب الشيوعي الصيني، حسبما تشير العديد من الكتابات وما هو مستقر في عرف الكثيرين.

السياسي الهامشي

يشير المؤلفان إلى هامشية دور ماو في تلك الفترة وأنه لم يكن من بين المجموعة الأساسية التي قامت بإنشاء الحزب الشيوعي الصيني، بل أنهما يشيران إلى أن ماو حتى تلك الفترة لم يكن قد بدت عليه توجهات ماركسية.

غير أنهما يستدركان بالإشارة إلى أنه رغم ذلك فإن ماو سرعان ما أصبح ضمن الحلقة الخارجية حين عهد إليه البروفيسور تشين الذي امتدحه ماو، بافتتاح مكتبة في شانجشا كمنفذ بيع لمنشورات الحزب. وكانت كل مهمة ماو هي توزيع مجلة الحزب «الشباب الجديد» وإصدارات الحزب الأخرى، وكذلك بيع الكتب والجرائد.

وهنا يؤكد المؤلفان أنه رغم عدم كونه شيوعيا، إلا أن ماو انطلاقا من طبيعته الثورية، فضلا عن حبه للكتب رحب بالمهمة والتي اسند القيام بها إلى أحد أصدقائه، وكانت تلك بشكل عام خطوة قفزت بوضعية ماو إلى الأمام بشكل كبير.

حيث جعلته على اتصال بناشرين ومكتبات وجامعات ومثقفين في مختلف أجزاء البلاد. ومع ذلك يشير المؤلفان إلى أنه لا يوجد دليل على أن ماو انضم بشكل رسمي إلى الحزب حتى ذلك الحين، على الرغم من أن الشيوعيين كانوا يعدونه بفضل المكتبة واحداً منهم.

بدا أثر هذا التحول على حياة ماو في أنه عندما قررت موسكو إنشاء منظمة في هونان تسمى رابطة الشباب الاشتراكيين لتكون بمثابة وعاء يجذب الأعضاء فإن الاختيار وقع على ماو للقيام على هذه المهمة.

وهنا يؤكد الكتاب على نقطة أساسية هي أن هذا التحول رغم أنه طبع ماو بطابع الشيوعية إلا أن ذلك لم يكن أمرا أصيلا في فكره، ما يعني أنه ساير التطورات من دون أن يكون ذلك انطلاقا من إيمان حقيقي.

وهو ما يشير المؤلفان إلى أنه طبع كل مواقف ماو المستقبلية، حيث كان يغيب عنه التزامه الحزبي الحقيقي، بما في ذلك علاقاته داخل الحزب، الأمر الذي تواصل على مدار حياته حتى في ظل رئاسته للحزب الشيوعي.

كانت تلك إحدى البوادر الدالة على إمكان تقدم ماو في سلم الحزب. ويبدو أنه عمل على تعزيز ذلك من خلال جوانب أخرى كان على رأسها زواجه. ففي الوقت الذي انخرط ماو في نشاط الحزب الشيوعي طور علاقة مع ابنة مدرسه السابق والتي كانت تصغره بنحو ثماني سنوات وهي العلاقة التي انتهت بالزواج.

ما يهمنا من هذا الجانب هو أن شانغ شي أستاذ ماو ووالد زوجته كان يدرس في اليابان وعدد من الدول الأوروبية، ولذا فإنه عندما عاد إلى الصين جلب معه العديد من العادات التي بدت غريبة على المجتمع الصيني، وهو ما كان يلقى قبولا من ماو ويعكس جانبا من تفكيره.

وقد كان شانغ شي يكن الكثير من الإعجاب لشخصية الطالب ماو ومما ذكره عنه أنه وزميل آخر له يمثلان قدرات نادرة بين أبناء الصين وأنه سيكون لهما مستقبل عظيم.

وقد عزز ماو علاقته بابنة شانغ التي تزوجها فيما بعد قبل الارتباط بها في الإطار الذي لم يكن يمثل خروجا على تقاليد تلك الفترة في ظل حنقه على فكرة الزواج التي كان يفكر في إنشاء رابطة لمقاومتها قائلا إنه حتى إذا لم يوافق أحد على الانضمام لهذه الرابطة فإنه سيكون الرابطة نفسها!

وتر موسكو

في هذه الأثناء كانت موسكو تطور جهودها من أجل زعزعة استقرار الحكم في الصين وبدأت في هذا الصدد في تدريب جيش صيني في سيبيريا وإقامة أكبر شبكة استخبارات لها في الصين في شنغهاي وتجنيد عملاء مدنيين وعسكريين في عدد من المدن الرئيسية بما في ذلك مدينة كانتون وبالطبع بكين.

ومع انخراطه في العمل مع الحزب الشيوعي، بدأ وجه آخر لماو في الظهور، فقد بدأت المنافسات مع بعض من بدا له نجاحهم في العمل الحزبي، ومن ذلك مين فان الذي كان ماو يشعر بالغيرة تجاه قدرته على تجنيد الأشخاص في الحزب الشيوعي، فدبر وسيلة للتخلص منه عندما تولي قيادة فرع قيادة الحزب من خلال تهميشه.

وكانت هذه العملية أول صراع يخوضه ماو على السلطة. ومنذ ذلك الوقت فإن صداقات ماو تمحورت في الأشخاص الذين لا يمثلون منافسة له. وفي ظل إدارته فإنه لم تكن هناك اجتماعات للحزب.

وفي دلالة على بدايات علامات السيطرة والديكتاتورية على شخصيته يشير المؤلفان إلى شهادة أحد كوادر الحزب الشيوعي إلى نمط إدارة ماو حيث يذكر أنه حضر عدة اجتماعات يتولى رئاستها ماو وبعيدا عن كونه لم تتح له الفرصة للسؤال يذكر أن ماو لم يتح له الفرصة للحديث أصلا وفي النهاية فإن كل ما كان يريده ماو كان هو ما يتم.

وإزاء ما بدا له من نفوذ الاتحاد السوفييتي فقد مكنه حماسه له من أن يحتل مكانا مركزيا في الحزب وعلى هذا تم تعيين ماو مساعدا لتشين رئيس الحزب وبعد خلافات حزبية تم استبعاد ماو ليعود ثانية إلى شاوشان متحينا الفرصة للعودة إلى العمل السياسي.

اندلع بعد ذلك الصراع بين جماعة تشانغ كاي تشيك والشيوعيين في أبريل 1927 وفي هذه الأثناء كان نجم ستالين قد بدأ يبرز باعتباره الرجل الأول في الكرملين، وكان رد فعله على موقف كاي تشيك هو توجيه أوامره للحزب الشيوعي الصيني بأن يشكل جيشه الخاص بدون تأخير وأن يحتل الأراضي الصينية من خلال عمل عسكري باستخدام السلاح.

لقد كان خيار استخدام القوة المسلحة من أجل إيصال الشيوعيين إلى الحكم في الصين خيار موسكو المفضل حتى قبل ذلك بفترة غير قليلة وبالتحديد منذ 1919.

ولدى التنفيذ كانت الخطوة الأولى هي الانسحاب من الجيش الوطني إلى الساحل الجنوبي وجمع الأسلحة من روسيا وإنشاء قاعدة هناك وفي الوقت نفسه كان التوجه هو إشعال انتفاضة في هونان وثلاث مناطق أخرى توجد فيها منظمات عسكرية من أجل السيطرة على الوضع في هذه المناطق.

وافق ماو على الخطة العسكرية. وقد كانت له في ذلك أجندته الخاصة، وهي استغلال أي موقف للصعود والبروز، وهو ما تحقق له، وكان سبيلا إلى تعزيز علاقته مع ستالين، وهى العلاقة التي يشير المؤلفان إلى أنها قادته إلى حكم الصين فيما بعد.

وفي هذا السياق وقعت أحداث الحرب الأهلية بين الحزب الشيوعي برئاسة ماو وحكومة الكومنتانغ، وهي الحرب التي أدت إلى تمركز جماعة تشيك في جزيرة فرموزا التي تعرف اليوم باسم تايوان ليقيموا دولتهم فيها عام 1949، وهي الدولة التي لم تعترف بها الصين حتى الآن وتطالب بإعادتها إلى البلد الأم ولو بالقوة.

خارطة الصعود

في إشارة إلى الطابع بالغ البراجماتية الذي كان يسم ماو يشير المؤلفان في هذا الخصوص وبعد رحلة طويلة مع مراحل الصعود الأولى لماو في سلم السلطة إلى أنه حتى فيما قبل سيطرته على الأوضاع في الصين فإن أنظاره كانت تتجه إلى العالم الخارجي، وكان يأمل في تقديم صورة توحي بتفرد شخصيته.

وفي هذا الصدد فإن ماو كان يأمل أن يكرر حملة العلاقات العامة التي تمثلت فيما قام به الصحافي الأميركي ادجار سنو من خلال كتابه «النجمة الحمراء في الصين». واستعان ماو في ذلك بصحافية أميركية تدعى أنا لويس سترونغ لم يكن تأثيرها يماثل ذلك الذي كان لسنو.

وفي 1947 أرسل ماو سترونغ في جولة حول العالم للترويج له وقد أعطيت وثائق قيل لها ان ماو يطلب منها تمريرها إلى الأحزاب الشيوعية في العالم. كما طلب منها ان تصل بشكل خاص إلى زعماء الأحزاب في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.

وأنه قد يكون من غير الضروري أن تأخذها معها إلى موسكو. وقد تمخضت جهودها عن مقالة تحت عنوان «أفكار ماوتسي تونغ» وكتاب بعنوان «فجر الصين»، وهما يتضمنان مزاعم عن جوانب اقتصادية.

ومن ذلك أن أعمال ماو العظيمة غيرت طبيعة الماركسية من الأوروبية إلى الأسيوية في كل جوانبها بما في ذلك جوانب لم يكن ماركس أو لينين يحلمان بها، وأن آسيا بأسرها سوف تأخذ بالصيغة الصينية من الماركسية وليس الصيغة السوفييتية.

وقد كان لهذا الكتاب أثر سلبي في الاتحاد السوفييتي. وعلى حد ما يشير المؤلفان فإنه تم النظر إلى الكتاب على أنه يسوق لصورة ماو في العالم على حساب صورة ستالين ولصورة الماركسية الصينية على حساب السوفييتية، الأمر الذي كان بمثابة خطوط حمراء لا يجب تجاوزها. وعلى هذا النحو جرى صراع بين ستالين وماو حاول الأول من خلاله أن يلقن الثاني درسا حول هوية الأستاذ الحقيقي.

ورغم اختلاف موقعهما إلا أن ماو سعى إلى أن يتعامل بندية مع ستالين وفي المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية في الصين وقبل رحيل تشانغ كاي تشيك إلى تايوان، فقد برزت الدعوة إلى وقف إطلاق النار وإقرار السلام في 9 يناير 1949. وقد أخبر ستالين ماو بأن يستجيب لهذا العرض وأن يوجه الحزب الشيوعي بمساندة المفاوضات.

ولم يلق ذلك ترحيباً من ماو الذي بدا غاضبا حسبما أخبر أحد مساعدي ستالين فأرسل له هذا الأخير رسالة في اليوم التالي بأن اقتراحه إنما يستهدف إثبات أن الوطنيين هم المسؤولون عن استمرار الحرب الأهلية.

وقد كان اتجاه ماو هو عدم السماح للكومنتانغ بالسلام حتى من أجل أهداف تكتيكية وأخبر ستالين بأنه يريد استسلاما غير مشروط من قبل حكومة نانجينج الوطنية. وقد تواصل الخلاف مع ستالين حول سبل إنهاء الحرب مع الكومنتانغ، رغم تحذيرات ستالين لماو من أن ذلك يفتح الباب لتدخلات أجنبية.

ويشير المؤلفان إلى ان ماو في تحركاته كانت في خلفيته الذهنية الاستقلالية التي كان يتسم بها تيتو في إطار المعسكر الشيوعي. غير أنه كان يحاول ألا يكشف عن ذلك، وعلى هذا وفي أثناء لقاء له مع مبعوث لستالين راح يؤكد له أن ستالين هو أستاذ الشعب الصيني.

وأنه ينتظر التعليمات التي يصدرها، ويقدر دوره كمفكر وسياسي، غير أن مبعوث ستالين راح يؤكد أن هذا لا يكشف عن حقيقة توجهات ماوتسي تونغ أو تقديره لطبيعة دوره الشخصي.

وفيما يبدو جزءا من الصراع بين ستالين وماو ورد فعل على مواقفه التي كان ينقلها مبعوثو ستالين تم القبض على سترونغ فيما بعد في الاتحاد السوفييتي باعتبارها جاسوسة أميركية.

كما تم القبض على أحد الروس الذين حاولوا مساعدتها في نشر كتابها في الاتحاد السوفييتي. ورغم كل مظاهر الصراع إلا ان ماو لم ييأس من إمكانية اقتسام العالم مع ستالين.