لا تزال العديد من علامات الاستفهام تدور حول قصة التقني النووي الإسرائيلي مردخاي فانونو وكشفه إنتاج إسرائيل للقنابل النووية، قبل اختطافه من أوروبا وإيداعه السجون الإسرائيلية، والغموض نفسه سيلف مصير روبرت ماكسويل الذي لقي مصرعه في عرض البحر، لكن غموضاً أشد سيفرض نفسه عندما يتعلق الأمر بمحاولة الموساد مد الجسور إلى مدينة الفاتيكان.
ردخاي فانونو هو يهودي مغربي من مواليد 13 أكتوبر 1954 في مراكش، حيث كان أهله يملكون متجراً صغيراً. هاجرت أسرته إلى إسرائيل عام 1963 وأقامت في بئر السبع بالنقب، أمضى خدمته العسكرية في الجيش الإسرائيلي، ووصل إلى رتبة رقيب في صفوف وحدة لنزع الألغام كانت منتشرة في هضبة الجولان.
في صيف عام 1986، بعد تسريحه من الجيش وفشله في دراسة الفيزياء بالجامعة، تم قبوله كموظف في مفاعل ديمونة. ثم جرى تسريحه من هذا العمل، حيث حمل ملفه الأمني العبارة التالية:
«له أفكار موالية للعرب وفوضوية». غادر إسرائيل إلى أستراليا عام 1986 وهو يحمل حقيبة سفر على ظهره، ووصل إلى سيدني في صيف العام التالي. وأجمعت التقارير التي وصلت عنه لمدير الموساد، ادموني، أنه لم يقم أية صداقات أثناء وجوده في ديمونة وكان يمضي وقته منعزلا في منزله وهو يقرأ كتب السياسة والفلسفة. أشار علماء النفس في جهاز الموساد إلى أن مثل هذه الشخص يمكن أن يكون خطيراً أو متهوراً.
تعرّف فانونو في سيدني على الصحافي الكولومبي أوسكار جيريريو الذي أكد لأصحابه أنه يعرف عالماً نووياً إسرائيلياً هو بصدد أن يكشف للعالم بالتفاصيل الخطط النووية الإسرائيلية الإستراتيجية، وأنه بالتالي يحضر «سبق القرن الصحافي». لم تعجب تلك التصريحات الملتهبة فانونو الذي كان مؤيدا حقيقيا للسلام ويتمنى نشر قصته في صحيفة جدّية من أجل إنذار العالم حيال التهديد الذي تمثله إسرائيل.
لكن كان جيريرو قد سبق واتصل بمجلة «صانداي تايمز» اللندنية الأسبوعية التي أوفدت أحد صحافييها إلى سيدني من أجل إجراء مقابلة مع فانونو. وقد أصرّ هذا الصحافي على اصطحاب الإسرائيلي إلى لندن من أجل مواجهة أقواله مع آراء أحد كبار الاختصاصيين النوويين في بريطانيا.
كان فانونو يمتلك في الواقع ستين صورة مأخوذة داخل مختبر ماخون-2 في مفاعل الديمونة بالإضافة إلى مخططات ورسوم ومذكرات، أي ما يكشف على أن إسرائيل قد أصبحت قوة نووية حقيقية.
حاول جيرورو بعد أيام من سفر فانونو إلى لندن نشر صور بعض الوثائق التي كان قد حصل عليها وصورها، لكن الصحف الأسترالية رفضت بحجة أنها وثائق مزوّرة. فسافر الصحافي الكولومبي مقتفيا آثار فانونو في لندن، وقدّم ما لديه من صور لصحيفة «صاندي ميرور» مرفقة بصورة لفانونو كان قد التقطها له في أستراليا.
بعد ساعات فقط استطاع نيكولا ديفيس، رئيس التحرير، العثور على فانونو والصحافي في مجلة «صانداي تايمز» برفقته. قام بإخطار ماكسويل، صاحب إمبراطورية الصحافة البريطانية، الذي اتصل بدوره هاتفيا في الحال برئيس الموساد «ادموني».
ألغام نووية للجولان
أخدت صحيفة «الصنداي تايمز» قصة فانونو على محمل الجد، وبدأ الإسرائيليون يفكرون بالرد، وأوفد الموساد إلى لندن أحد الذين تعوّد الاعتماد عليهم في الأزمات الصعبة المدعو آري بن ميناش، الذي روى فيما بعد للصحافي الأميركي سيمور هيرش ما يلي:
«نجح نيكولا ديفيس بإقناع جيريرو بلقاء صحافي أميركي - بن ميناش - وعرض الصحافي الكولومبي أثناء اللقاء عدة صور كان فانونو قد التقطها. كان لا بد من أن يقوم الخبراء الإسرائيليون بتفحصها. فشرحت له أنني بحاجة لنسخة عنها لمعرفة قيمتها قبل الدفع».
أرسلت النسخ المسلّمة فورا إلى إسرائيل حيث أكد عدد من الرسميين العاملين في مفاعل الديمونة أنها تخص فعلا مختبر ماخون-2. وكانت إحدى الصور تبيّن القاعة التي جرى فيها تصنيع الألغام النووية التي كان يفترض وضعها في الجولان على الحدود السورية. وبالتالي لم يكن هناك أي مجال للتشكيك بمصداقية فانونو، ويكفي لأي فيزيائي نووي أن يحدد بلحظة عين عمل منشأة من هذا الطراز.
استدعى شيمون بيريز، رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، كبار المسؤولين في الحكومة والموساد لمعالجة الأزمة. كان المطلوب أولا معرفة كيف حصل فانونو على الصور وهل كان وحده أم مع آخرين. وفي لندن فهمت «الصنداي تايمز» أن إسرائيل مستعدة لفعل أي شيء من أجل نزع مصداقية فانونو، ولذلك واجهته مع الدكتور فرانك بارنابي، الخبير النووي فوق الشبهات، الذي أكّد صحة صور ووثائق التقني الإسرائيلي.
التقى بن ميناش من جديد مع ماكسويل الذي قال له بوضوح إنه يعرف ما ينبغي عمله وأنه قد تحدث مع مدير الموساد. وفي اليوم التالي نشرت في «الصنداي ميرور» صورة كبيرة لمردخاي فانونو مرفقة بمقال أثار جنون فانونو والصحافي الكولومبي - الذي وصفه المقال أنه كذّاب ومحتال- ووصف اتهاماتهما أنها مجرد هراء مبتذل، كان ماكسويل هو الذي أملى المقال وأشرف على مكان نشر صورة فانونو. كانت حملة التضليل الإعلامي قد انطلقت.
بعد نشر المقال تمت تعبئة جميع المتعاونين مع الموساد في لندن للبحث عن مكان فانونو. وتلقى العشرات من المتطوعين اليهود قوائم الفنادق المطلوب الاتصال بها.
وفي كل مرة كان المتحدّث يطلب من العاملين في الفندق إذا كان بين النزلاء أحد بمواصفات فانونو - كما نشرتها المجلة البريطانية- لأنه من أقاربه ويرغب اللقاء به. وبتاريخ 25 سبتمبر وصل إلى علم ادموني أنه قد جرى تحديد مكان تواجده. وبالتالي ينبغي الانتقال إلى المرحلة التالية.
أقدم مهنتين
من المعروف أن العلاقة بين التجسس والجنس قديمة قدم الجاسوسية نفسها، إنهما أقدم مهنتين في التاريخ. وجهاز الموساد يعرف جيدا استخدام الجنس كطعم، وهذا ما عبّر عنه مائير أميت بالقول: «إنه سلاح فعّال. فالمرأة تملك مواصفات لا يمتلكها الرجل. إنها تعرف كيف تستمع. والأسرار تصل إلى أذنيها بشكل طبيعي.
ثم إن تاريخ الاستخبارات الحديثة زاخر بقصص النساء اللواتي استخدمن سحرهن من أجل خدمة بلادهن.. لكن نساءنا شجاعات ويعرفن مخاطر ذلك. وهذا العمل يتطلب شجاعة خاصة، إذ ليس المقصود هو مضاجعة رجل وإنما أن يُدخل في روعه استعداد المرأة لفعل ذلك إذا قدّم لها بعض الأسرار».
اختار ناحوم ادموني كطعم يجذب فانونو شيريل بن توف ابنة أسرة يهودية غنية في أورلاندو بفلوريدا. كان أبواها قد طلّقا فمالت هي إلى التدين وقدمت إلى إسرائيل حيث تزوجت من أوفر بن توف الذي يعمل في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. ويوم العرس تحدث معها أحد ضباط الموساد عن المستقبل وانتهت عميلة له.
كان قد تمّ تحديد مكان وجود فانونو وكان عليها أن تجذبه إلى خارج بريطانيا. لقد قدّمت نفسها له كسائحة أميركية تقوم برحلة في أوروبا بعد قصة طلاق مؤلمة. ووصفت قصة طلاق والدتها ووالدها على أنها قصتها الشخصية ثم أضافت أن لها أختا في روما، كما زعمت. كان الهدف النهائي لمهمتها هو أن تجذب فانونو إلى العاصمة الإيطالية.
وفي 23 سبتمبر 1986 انضمت إلى فريق من تسعة عملاء كانوا يعملون في لندن تحت أمرة مدير عمليات الموساد بيني زيفي. حذّر صحافيو «الصنداي تايمز» فانونو من أن اللقاء مع الأميركية الجميلة يبدو صدفة مدروسة وليس عفوية.
كان قلبه قد مال لها ولم يعد يسمع صوت العقل، إذ أصرّ على الاتفاق معها على لقاء بعيد عن الأنظار في روما وفي منزل «أختها».
وصل «بيني زيفي» وأربعة آخرون من عملاء الموساد على نفس الرحلة من لندن إلى روما برفقة شيريل وفانونو. استقل الاثنان سيارة أجرة للذهاب إلى شقة في روما حيث كان ينتظرهم ثلاثة من عملاء الموساد. لقد قيدوا فانونو وزرقوه بمادة مشلّة. وصلت في الليل سيارة إسعاف لنقل «المريض» واخترقت روما باتجاه الجنوب حيث كان طراد ينتظر فانونو كي ينقله إلى حيفا.
بقي فانونو إحدى عشرة سنة في زنزانة منفردة حتى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. كانت ظروف اعتقاله شديدة الصعوبة، لكن إسرائيل خففت منها عام 1998 أمام ضغط دولي قوي ودافعت عنه منظمة العفو الدولية واسهبت الصاندي تايمز بالحديث عن وضعه المؤلم خاصة أنه لم يتقاض منها أي مبلغ مقابل السبق الصحافي الذي سلمه لها.
الخلاص من ماكسويل
في لندن هدد روبرت ماكسويل، كما فعل غالبا في الماضي، بأنه سيقدم شكوى قضائية ضد كل من يتجرأ ويعيد ما كتبه الصحافي بن ميناش من أقوال ضده. ولم يتجرأ أي ناشر بريطاني أن يتحدى صاحب إمبراطورية الصحافة ولم تمتلك أية صحيفة شجاعة أن تطلب من صحافييها استقراء الاتهامات الموجودة في الكتاب.
كان ماكسويل، مثل بن ميناش سابقا، على اقتناع بأنه محمي لسبب بسيط أنه كان «يطير» لحساب الموساد. ولم يكن يتردد في تكرار القول أنه كان هو أيضا يعرف «مكان وجود الجثث»، وكان جهاز الموساد يدرك تماما ماذا يريد قوله.
ما يؤكده المؤلف هو أن روبرت ماكسويل، الذي كان قد صرف من الخدمة أحد الصحافيين العاملين معه لأنه بالغ قليلا في فاتورة مصاريفه، كان هو نفسه يختلس سراً أموال هؤلاء العاملين كي يساعد أصدقاءه في الموساد.
وكان هو شخصيا الذي ينظم عملية السرقة تلك عبر مجموعة من عمليات التزوير المالية وعبر المرور بعدة بنوك وصولا إلى حساب خاص للموساد في بنك إسرائيل بتل أبيب. لذلك كان يتم الاحتفاء بماكسويل في إسرائيل وكأنه رئيس دولة.
لكن الموساد، وعلى قاعدة معرفته بالشهية الجنسية لدى «إمبراطور» الصحافة البريطانية، كان يقدم له في كل مرة عاهرة مدفوعة الأجر من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي مع الاحتفاظ بأشرطة فيديو ل«الابتزاز» إذا دعت الضرورة.
وكان عميل الموساد السابق ما بين 1984 و1986 فكتور أوستروفسكي، اليهودي المولود في كندا، قد كشف حقيقة أن «الموساد قد موّل العديد من العمليات في أوروبا من الأموال التي اختلسها ماكسويل من مرتبات موظفيه».
وما أكّده اوستروفسكي، وآخرون، هو أن الموساد رأى بعد سنوات من الخدمات والأموال التي قدمها روبير ماكسويل له ولإسرائيل انه قد أصبح خارج إطار السيطرة بل و«خطير».
وذلك في الوقت الذي كانت مصلحة الضرائب قد بدأت بتحقيقات حول سلوكه المالي مع موظفيه، كما كان البرلمان ووسائل الإعلام قد اعتبروا أن هناك علامات استفهام حول ثروته.
وأدّى هذا كله إلى تعرضه لأزمة مالية حقيقية فطالب الموساد بأن يعيد له مبالغ كان قد «أقرضها» له وإلا فقد يكشف عن اللقاء الذي جرى في يخته ببحر الأدرياتيكي بين رئيس الموساد «ادموني» وفلاديمير كريشكوف، الرئيس السابق لجهاز كي.جي.بي السوفييتي لحبك مؤامرة ضد غورباتشوف.
وكان الموساد قد وعده باستخدام نفوذه لدى الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية الرئيسية للاعتراف ب«النظام الجديد» في روسيا في حالة نجاح الانقلاب - الذي فشل- وبالمقابل وعد كريشكوف بتسهيل هجرة جميع اليهود في الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل.
في تلك اللحظة، وكما يؤكد أوستروفسكي «اجتمع الجناح اليميني في الموساد في إطار لجنة مصغّرة وقرر الخلاص من ماكسويل». وإذا كان هذا التأكيد دقيقا - لم تكذبه إسرائيل أبدا بشكل قاطع- فإنه لا يبدو من المعقول أن تتصرف تلك «اللجنة المصغّرة» من دون موافقة أعلى المستويات، بل ربما الموافقة الشخصية لرئيس الوزراء آنذاك إسحق شامير.
وزاد من تعقيد الأمر نشر كتاب في ذلك السياق للصحافي الأميركي سيمور هيرش عن «إسرائيل وأميركا القنبلة»، والذي تعرض لموضوع دخول إسرائيل إلى نادي القوى النووية. وقد قدّم هيرش العديد من البراهين على وجود روابط جديدة بين ماكسويل والموساد وخاصة الطريقة التي غطت فيها مجموعة «الميرور» قضية فانونو.
ويؤكد اوستروفسكي أن خطة الموساد للخلاص من ماكسويل كانت تتعلق بقدرته على جذبه بعيدا عن بريطانيا حيث يمكن لعملاء الموساد أن يضربوا ضربتهم.
وبتاريخ 29 أكتوبر 1991 تلقى ماكسويل اتصالا هاتفيا من عميل للموساد في السفارة الإسرائيلية بمدريد يدعوه فيها للقدوم إلى إسبانيا في اليوم التالي ووعده بإيجاد تسوية. وطلب منه التوجه إلى جبل طارق ثم يأخذ يخته ويأمر قبطانه بالتوجه نحو جزر الكاناري و«ينتظر رسالة».
وقد اقترف ماكسويل خطأ قبول الدعوة.
وفي 30 أكتوبر وصل أربعة إسرائيليين إلى مرفأ الرباط في المغرب وقدّموا أنفسهم كسائحين من هواة الصيد البحري. هكذا استأجروا مركبا لمواجهة أمواج الأطلسي واتجهوا صوب جزر الكاناري.
وفي 31 أكتوبر، بعد رسو اليخت في مرفأ سانتا كروز، تناول «إمبراطور» الصحافة البريطانية طعام العشاء وحيدا في فندق «مينسي». وعندما انتهى اقترب منه رجل لفترة قصيرة، لم تُعرف هويته ولا ما قال له. لكن ماكسويل عاد مباشرة إلى اليخت وطلب من قبطانه أن يرفع المرساة. وبقي المركب في البحر طيلة ستة وثلاثين ساعة بعيدا عن الشاطئ.
كتبت مجلة «بزنس ايج» البريطانية تحت عنوان «كيف ولماذا اغتيل روبير ماكسويل» إن قاتلين قد صعدا إلى اليخت بعد أن وصلا إليه بواسطة قارب مطاطي بمحرك. ووجدا ماكسويل على ظهر اليخت فقيّداه و«وحقنه أحدهما بفقاعة هواء مات بعدها خلال عدة ثوان فقط». وحددت المجلة القول إن جثته قد ألقيت بعد ذلك في البحر ولم يتم اكتشافها إلا بعد إحدى عشرة ساعة مما أخفى آثار الحقن.
جسور إلى الفاتيكان
إن مؤلف هذا الكتاب يتوقف طويلا عند علاقة الموساد بالفاتيكان، ويؤكد بداية أن جميع رؤساء وزراء إسرائيل أبدوا إعجابهم الكبير بمفهوم البابوية، وذلك على اعتبار أن البابا يمثل سلطة روحانية وسياسية لا تقدم حسابا لأحد وليست خاضعة لمساءلة أية سلطة قضائية أو تشريعية. ثم إن الفاتيكان هو عالم محاط بالسرية التي تحكم آليات عملها من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا.
وكان رؤساء الموساد جميعهم قد تساءلوا عن كيفية التمكن من رفع الغطاء عن هذا العالم «المجهول»، لكن جميع المحاولات التي قامت بها الحكومات الإسرائيلية والأجهزة السرية لإقامة علاقات جيدة مع الفاتيكان باءت بالفشل.
وبقيت السياسة الخارجية للحبر الأعظم تتحدث عن «الأراضي المحتلة» في الضفة الغربية وقطاع غزّة وعن هضبة الجولان باعتبارها أرضاً سورية ضمّتها إسرائيل. وكان الكرادلة والقساوسة يتحفظون في تصريحاتهم حول هذا الموضوع على خلفية اعتقادهم أن إسرائيل قد نشرت جواسيسها في كل مكان من أجل رصد حركاتهم وسكناتهم.
لكن الأمر تغيّر بعد وصول يوحنا بولس الثاني إلى منصب البابوية عام 1978 وأصبحت لإسرائيل مكانة دبلوماسية حقيقية في الفاتيكان. وكان سابقه بولس السادس قد استقبل غولدا مائير عام 1973 دون أن يؤدي ذلك إلى تغير جوهري في سياسة الفاتيكان التي استمرت بالمطالبة في قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي ظل رئاسة رونالد ريغان للولايات المتحدة الأميركية تعززت كثيرا العلاقات بين وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والبابا يوحنا بولس الثاني وتكررت زيارات «وليم كيسي» رئيس الوكالة آنذاك، إلى الفاتيكان. وقد عبّر ريتشارد آلن الكاثوليكي والمستشار الأول للأمن القومي لدى رونالد ريغان عن قوة تلك العلاقة بالقول:
«ترمز العلاقات بين وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والبابا إلى أحد أروع التحالفات في جميع الأزمنة. وكان ريغان على اقتناع كبير بأنهما، هو والبابا، سيغيران وجه العالم». وفي الوقت نفسه لم تنس وكالة الاستخبارات المركزية أن تضع أجهزة للالتقاط والتنصت في مكاتب كرادلة وقساوسة أميركا الوسطى المؤيدين لما سمي ب«لاهوت التحرير».
طلب ناحوم ادموني، مدير الموساد، من صديقه الكسندر هيغ، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، تزويده بنسخة عن الدراسة النفسية التي أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للبابا يوحنا بولس الثاني.
لقد ركزت الصورة (النفسية) المرسومة له على أنه ورع جدا دينيا لكنه شديد الغضب أحيانا ويمكن أن يفقد برودة أعصابه، ويتحلّى بحس جيوسياسي كبير وقد يحصل ويكون متشددا مثل أي دكتاتور. وينتهي التقرير الأميركي إلى القول أن يوحنا بولس الثاني «ضليع جدا في ميدان السياسة ويرغب في لعب دور على الصعيد العالمي».
توصل ادموني وقيادة الموساد إلى الاقتناع بأن الاستخبارات الأميركية قد أقنعت البابا بأن محاولة اغتياله من قبل التركي محمد علي أقجا بتاريخ 13 مايو 1981 كان من تدبير السوفييت. فقرر الإسرائيليون لعب ورقة «فرّق تسد» وذلك عبر تقديم رواية أخرى لمحاولة اغتيال البابا وأن إيران كانت وراءها».
جوازات السفر المفقودة
لكن تبقى أوروبا إحدى ساحات النشاط الرئيسي لعملاء الموساد إلى جانب الولايات المتحدة. وذات يوم من أيام يوليو 1986 عثروا على كيس بلاستيكي في إحدى مقصورات الهاتف بشارع في مدينة بون الألمانية.
لحظته دورية للشرطة فوقفت لمعرفة ما فيه. لقد وجدت ثمانية جوازات سفر بريطانية غير مستخدمة جرى تسليمها للسفارة البريطانية. حامت الشكوك حول الفلسطينيين والجيش الجمهوري الإيرلندي لكن جهاز مكافحة الجاسوسية البريطاني ركّز شكوكه على جهاز واحد يمكنه أن يصنع بمثل تلك الدقة جوازات السفر التي تبيّن أنها مزورة، وهو جهاز الموساد.
نفى ناحوم ادموني ذلك وأشار إلى إمكانية أن تكون الأجهزة السرية الألمانية الشرقية - ستازي- قد شرعت ببيع جوازات سفر مزوّرة لليهود الراغبين في السفر إلى إسرائيل، مع ذلك «كان ادموني يعرف جيدا أن تلك الجوازات كانت من صنع مزوري الموساد وأنه كان مفترض منحها لعملائه من أجل تسهيل دخولهم وخروجهم من بريطانيا».
وذلك رغم «التفاهم» الذي كان قد تمّ الوصول إليه بين الموساد والاستخبارات الخارجية البريطانية ونصّ على إطلاع البريطانيين على كل العمليات الإسرائيلية في بريطانيا.
ولم يتردد الموساد في إدخال بعض عملائه سرا إلى لندن في أفق القيام بعمليات اغتيال للفلسطينيين وكبح الجهود التي كان ياسر عرفات يقوم بها من أجل ربط صلات مع حكومة مرجريت تاتشر التي كانت «بدأت بالاقتناع شيئا فشيئا أن الرجل كان قادرا على المساهمة في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط يعترف بنفس الوقت بالحق المشروع للشعب الفلسطيني بأرضه وبحق الأمن بالنسبة لإسرائيل».
رأى شيمون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أن قضية جوازات السفر المزورة تلك قد تخرّب العلاقات مع حكومة تاتشر وقال إنه من الأفضل لعب ورقة الصراحة إذ «بمقدار ما يتم الاعتراف مبكرا بالخطأ يمكن تسوية الأمور بسرعة».
رفض ادموني الفكرة، ذلك أنها ستقود جهاز مكافحة الجاسوسية وسكوتلانديارد إلى التحقيق حول نشاطات الموساد في بريطانيا. وقد يؤدي ذلك إلى الكشف عن عميل سري كان يرى به الموساد «منجما للمعلومات». هذا فضلا عن الاعتراف أن الموساد مؤهل للقيام بمثل تلك الأعمال المشبوهة.
كانت تلك الجوازات مرسلة للسفارة الإسرائيلية في بون وكان يحملها عميل مبتدئ ولا يعرف العاصمة الألمانية جيدا. بعد الدوران كثيرا في الشارع دخل إلى المقصورة الهاتفية لإخطار السفارة الإسرائيلية أنه قد ضلّ العنوان تماما، ونسي هناك الجوازات. كلّفت تلك القضية ناحوم ادموني منصبه إلى جانب قضية الجاسوس اليهودي الأميركي جوناثان بولارد خلفه في إدارة الموساد «شابتاي شافيت» وورث عنه عواقب الفشل.
لم تشهد فترة «شافيت» على رأس الموساد الكثير من «الإنجازات» وذات يوم من ربيع عام 1996 استدعاه بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء آنذاك، إلى مكتبه وقال له باختصار إنه «معزول»، وعندما سأله من سيخلفه؟ أجاب: داني ياتوم.
كان ياتوم هذا صديقا حميما لبنيامين نتانياهو منذ فترة طويلة لكن علاقتهما تدهورت عندما فشلت محاولة اغتيال أحد قادة حماس الرئيسيين، أي خالد مشعل.
وزادت العلاقة سوءاً بعدما تكشّف في عام 1997 أن أحد ضباط الموساد الكبار «يهودا جيل» الذي كان يعمل في الجهاز منذ 20 سنة قد «اخترع» تقريرا مختلقا من ألفه إلى يائه بالاعتماد على جاسوس «وهمي» موجود في دمشق حول استعداد سورية للهجوم على إسرائيل، وحيث تقاضى ذلك الضابط أموالا طائلة من «الصندوق الأسود» للموساد بناء على وظيفة وتقرير مزورين.
لكن بالمقابل وجّه الموساد نشاطاته صوب إفريقيا، حيث قدّم معلومات للمتمردين في زائير بقيادة لوران ديزيري كابيلا لقلب نظام موبوتو، وعزز علاقاته مع الأجهزة السرية في جنوب إفريقيا، وفي أميركا نجح بإيصال أحد عملائه إلى أعلى دوائر إدارة كلنتون.
كما كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. لكن هذا كله لم يمنع من عزل داني ياتوم من إدارة الموساد ليخلفه «افراييم هاليفي» يوم 5 مارس 1998. وتحول ياتوم مباشرة للعمل في ميدان صناعة السلاح الإسرائيلية.
وفي الوقت نفسه الذي عيّن فيه نتانياهو افراييم هاليفي مديرا للموساد أصدر قرارا آخر هو ان نائبه اميرام لوفين سيخلفه في 3 مارس 2000. كانت تلك هي المرّة الأولى في تاريخ الموساد التي يتم فيها تعيين مدير لمدة محددة كي يخلفه بعد ذلك نائبه.