يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يطل في الذكرى الأربعين لاندلاع أحداث الثورة الثقافية في الصين، التي حاولت بكين الرسمية إبعادها عن دائرة الضوء قدر المستطاع، وإن لم يصل الأمر بها إلى جو التجاهل الكلي.
وهذه الإطلالة تستند إلى عقد بكامله من الجهد البحثي واللقاءات مع أعضاء الحلقة المقربة من الزعيم الصيني ماو تسي تونغ وكل من تعامل معه بشكل مؤثر في الدوائر الغربية، وذلك للخروج بالصورة الشاملة الأكثر دقة عن حياة هذا الزعيم التاريخي المثير للجدل.
ويقدم الكتاب صورة بالغة المأساوية للزعيم الصيني ماو تسي تونغ وهو يثير لدى القارئ من الأسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة. وبغض النظر عن حقيقة أهداف مؤلفيه فلا بد أن يقشعر جسد القارئ لدى متابعته للعديد من جوانب تفاصيل السيرة المرعبة لماو.
ويفند الكتاب العديد من الجوانب المعروفة عن شخصية ماو وفي مقدمتها إيمانه بالاشتراكية، ويكشف عن أن ما كان يحركه ليس سوى الطموح الشخصي. ومن أجل تحقيق ذلك لم يتوان عن الدخول في مؤامرات لكي يحقق أهدافه.
ويرى المؤلفان أن الهدف الأكبر لماو بعد السيطرة على الصين عام 1949 قد تمثل في السيطرة على العالم، وفي غمار سعيه لتحقيق حلمه فقد تسبب في موت أكثر من 38 مليون شخص في أكبر مجاعة في التاريخ، فيما تسبب في هلاك أكثر من 70 مليون صيني على مدار سنوات حكمه التي بلغت 27 عاما.
ومن خلال رحلة طويلة من البحث واللقاءات مع أغلب من كانت له صلة وثيقة بماو يعرض المؤلفان جانغ تشانغ -التي ولدت في ييبين إحدى المدن الصينية وتلقت تعليمها في الغرب وأصبحت أول شخصية صينية تحصل على الدكتوراه من جامعة بريطانية -، وجون هاليداي الأستاذ السابق في جامعة لندن لجوانب من الممارسات التي كان يلجأ إليها ماو فكان الفلاحون الذين ينحدر منهم أول ضحاياه، ثم تلاها المثقفون ثم الدائرة الخاصة به من مستشاريه ومعاونيه ليكشف الكتاب بذلك الكثير من الجوانب غير المعروفة.
غير أنه إذا كانت الصين اليوم تعد القوة المرشحة لمنافسة الولايات العظمى في احتلال المرتبة الأولى بين دول العالم، فإن ذلك قد يعد في جانب منه نتاجا لسياسات ماو، وهو ما يثير التساؤل حول ما اذا كانت الغاية تبرر الوسيلة حقاً؟ وإن كانت الأبعاد الدرامية التي اتسم بها حكم ماو تستدعي التأكيد على عدم صحة هذه المقولة.
نشأة ريفية
من النشأة وتفاصيل البدايات والبيئة التي عاشها ماو نبدأ استعراضنا لقصة حياة الزعيم الذي ترك أثارا لا تنسى على حياة شعبه سلبا أم إيجابا، حيث يشير المؤلفان إلى طبيعة البيئة البسيطة التي نشأ فيها ماو، وهو ما يثير الدهشة بشأن تحولاته، في ضوء الطبيعة الكلاسيكية للأجواء التي عاشها.
ولد ماو في 26 ديسمبر 1893 ابناً لعائلة نشاطها الأساسي هو الزراعة في وادي شاوشان، الذي يقع في منطقة هونان في قلب الصين. وعاش أجداده في هذه المنطقة نحو خمسة قرون. ويعود زواج أبيه من أمه إلى اعتبارات عملية بحتة فقد تم الترتيب للأمر بين الأسرتين حسب تقاليد تلك الأيام، وكانت أسرة أمه تقيم في قرية تبعد عن قرية أبيه بنحو عشرة كيلو مترات.
وهى مسافة كبيرة بمعايير تلك الأيام، غير أن أسرة الأم رغبت في ذلك انطلاقا من أنه توجد في شاوشان مقابر الأجداد وهو ما يتطلب زيارتها بين الفترة والأخرى مما تطلب أن يكون لهم هناك مقر رأوا معه أن يتم زواج ابنتهم التي تحتل رقم 17 في ترتيب أبنائهم من يي شانج والد ماو.
وقد كانت الزوجة تكبر الزوج حيث كانت تبلغ من العمر نحو الـ 18 عاما لدى زواجها عام 1885 فيما كان الزوج والد ماو يبلغ 15 عاما. وقد كان أبوه على عكس معظم سكان القرية يعرف القراءة والكتابة.
كان ماو الثالث بين أخوته ولكنه الأول الذي بقى على قيد الحياة وقد حرصت أمه البوذية على تكريس جهودها من أجل الحفاظ عليه. أما بالنسبة لاسمه فيشير المؤلفان إلى أنه له معنى محددا، حيث حصل ماو على اسما من مقطعين هو «تسي» و«تونغ» وتعني تسي الشروق، وقد كان اسما يطلق على معظم أبناء جيله.
فيما تعني تونغ الشرق وعلى ذلك فإن الاسم كاملا يعني انبثاق الشرق أو لمعانه. وعندما قدم له أخوان آخران في 1896 و 1905 فإن أمه أطلقت عليهما تسي مين وتعني هذه الأخيرة الشعب أو الناس وتسي تان وقد تشير تان إلى الإقليم الذي يعيشون فيه في كيسنجتان.
ويخلص المؤلفان إلى أن هذه الأسماء تشير إلى الرغبة المتأصلة لدى الفلاحين الصينيين في أن يقوم أبناؤهم بما هو جيد وأن يحققوا توقعاتهم التي يطمحون إليها.
فضلا عما سبق فقد عمدت أمه إلى اختيار اسم آخر له هو «ماو» والذي يعني «طفل الحجر» ومن أجل تفعيل هذه التسمية فقد اصطحبته أمه إلى صخرة يبلغ ارتفاعها نحو 8 أقدام وبعد طقوس معينة أصبح ماو يعتبر وفقا لذلك موضع رعاية تلك الصخرة. وكان ماو يحب هذا الاسم كثيرا.
فيما يتناقض مع الطبيعة المتحجرة لشخصيته وهو الطابع الذي برز فيما بعد مع دخوله معترك الحياة العامة، يكشف تناول الكتاب لقصة ماو أنه كان يحب أمه كثيرا بشكل لم يعبر به معه عن مثل هذه المشاعر تجاه أي شخص آخر. لقد كانت أمه تتسم بالرقة والتسامح في سلوكها.
وحسبما يتذكر فإنها لم ترفع صوتها في وجهه على الإطلاق. وقد وصل الأمر إلى حد أن ماو راح يذكر لبعض أفراد طاقمه أنه كان يحب أمه إلى حد العبادة أو أنه كان يعبدها. فحيثما كانت تذهب أمه كان يذهب وراءها حتى أنه يذكر أنه تبع أمه في إيمانها ببوذا.
إلى هنا تبدو حياة ماو حياة أكثر من عادية، حيث عاش طفولة بلا مشكلات تذكر، فحتى سن الثامنة من عمره عاش مع عائلة أمه في قريتهم في ضوء تفضيل أمه أن يعيش وسط أهلها، وهناك كرس جداه وقتهما لتربيته، كما أن خاليه كانا يعاملانه على أنه مثل ابنهما. ولم يقم ماو في بداية حياته بالكثير من الأعمال الزراعية على العكس فقد اتجه إلى تعلم القراءة.
فيما بعد عاد ماو إلى العيش في شاوشان مسقط رأسه في عام 1902 وقد كان عمره ثمانية أعوام آنذاك لكي يتلقى التعليم، الذي كان يأخذ شكل التعليم المنزلي. لقد كانوا يتعلمون مبادئ الكونفوشيوسية.
وكانت تفوق مستوى استيعابهم. ورغم ذلك وعلى العكس من أقرانه فقد أظهر ماو نبوغاً كبيراً في تلقي مثل هذا النوع من التعليم. فضلا عن ذلك فقد تلقى ماو كذلك بعض الدراسات الأساسية في اللغة والتاريخ الصينيين.
كما بدأ ماو يتعلم الكتابة النثرية والشعرية في ضوء أن هذه تعد من الأجزاء الأساسية في التعليم الكونفوشيوسي. ورغم أن القراءة لم تكن محببة فضلا عن ميلهم إلى القراءة نهاراً توفيراً لاستخدام الزيت إلا أن ماو كان لديه نهم للقراءة في أغلب الأوقات بما في ذلك القراءة ليلاً.
قد تكون هذه النقطة الأساسية التي يمكن منها تلمس أحد أبعاد التحول لدى ماو في ضوء ما تتيحه القراءة من السياحة في عالم آخر يتجاوز البيئة التي ينشأ فيها الفرد، خاصة في ضوء ما سيرد لاحقاً من تحوله إلى إدمان القراءة على الأقل خلال الفترات الأولى من حياته قبل انغماسه الكامل في الحياة العامة.
لقد واجه ماو مرات عدة مشكلات مع مدرسيه، وهرب ذات مرة من المدرسة في سن العاشرة بدعوى أن مدرسه بالغ النظامية أو الروتينية وقد يكون ذلك بدايات علامات التمرد لدى من سيتولى حكم أكبر شعب في العالم ويسيطر على مقدراته ويقوده إلى الهلاك أو القمة، حسب الزاوية التي ننظر منها في تقييم شخصية ماو.
تمرد على الأب
في إطار مشاكساته طرد ماو من ثلاث مدارس على الأقل بسبب تشبثه بمواقفه وعدم طاعته، وفيما استوعبت أمه هذا الوضع فإن ذلك كان مدعاة للتوتر بينه وبين أبيه. لقد كان أبوه يعمل بشكل متواصل على أن يسير ابنه على نهجه.
وهو ما لم يلق قبولا لدى ماو الذي كان له توجه مختلف. وعلى عكس مشاعره حيال والدته كان موقف ماو من والده الذي راح يصفه ذات مرة بأنه كان سيئا. وهنا فقد تكون شخصية الوالد هي التي عززت طبيعة التمرد لدى ماو حيث أنه كان يتصور لنفسه حالا غير حال والده، فيما كان هذا الأخير يصر على أن يسير الابن على نهجه.
وفيما يشير إلى جانب من علاقته مع والده فإنه يشير إلى أنه ذات مرة ولدى وجود ضيوف في المنزل راح والده يوبخه ويصفه بالكسل وبأنه عديم الفائدة فما كان من ماو تعبيراً عن غضبه من ذلك إلا أن غادر المنزل وراح في حركة صبيانية ينادي أباه الذي خرج في إثره مناشداً إياه العودة غير أن ماو تمادى في موقفه في محاولة لترهيب أبيه وذهب إلى حافة إحدى البحيرات في المنطقة محاولا إيهامه بأنه سيلقي نفسه في الماء حال اقتراب والده، ما أدى بأبيه إلى التراجع.
يضحك ماو لدى سرده هذه القصة مضيفا ملاحظة أن الرجال الكبار مثل أبيه لا يريدون أن يفقدوا أبناءهم. والدرس الذي يشير ماو إلى استخلاصه من هذه الواقعة ولا شك أنه ألقى بتأثيره على أسلوب تعامله مع الآخرين فيما بعد هو أن استغل نقطة الضعف عند والده وقد كسب حسبما يتصور.
لقد كان المال هو السلاح الوحيد الذي يملكه والد ماو في مواجهة تمرده فبعد استبعاد ماو من المدرسة في 1907 أوقف والده دفع رسوم الدراسة فلم يجد الفتى البالغ من العمر آنذاك 13 عاما سوى العمل طول الوقت في مجال الزراعة، غير أنه لم يجد الوسيلة التي يتمكن بها من الابتعاد عن الزراعة والعودة إلى عالم الكتب.
فيما يكشف عن التباين بين شخصيته وشخصية والده يبدو من الكتاب أن الوالد كان قلقا بشأن طبيعة ابنة وعدم رغبته في المهام نفسها التي يقوم هو بها وخاصة الزراعة وقد أرجع ذلك إلى أن ماو قد لا يكون لديه شعور بالمسؤولية فكان تفكيره فيما يراه الكثيرون طريقاً منطقيا لفرض الإحساس بالمسؤولية.
وهو الزواج، ومن هنا كان اتجاهه إلى تزويجه، وقد كانت هناك العروس المناسبة له، وهي ابنة عمه التي كانت تكبر ماو بنحو أربع سنوات. وافق ماو على ذلك على أساس ان يتمكن بعد ذلك من استئناف الدراسة. وقد تم الزواج في عام 1908 بينما كان ماو يبلغ 14 سنة وعروسه 18 سنة.
وعلى شاكلة الأم فإن العروس لم يكن لها أسم خاص بها ويبدو أن ذلك حسبما يتضح من الكتاب أمر طبيعي لدى الصينيين أو لدى أبناء هذه المنطقة بالتحديد. كما يبدو كذلك شيوع أن يكون سن الزوج أقل من سن الزوجة. المرة الوحيدة التي تعرض لها ماو بالذكر لعروسه كانت مع الصحافي الأميركي ادجار سنو في عام 1936 عندما بدا رافضاً أو حانقاً عليها بشدة حيث ذكر له مبالغاً في الإشارة إلى فارق السن بينهما قائلا:
عندما كنت في سن الرابعة عشرة زوجني والداي من فتاة تبلغ العشرين عاما غير أنني لم أعش معها على الإطلاق، لم أكن اعتبرها زوجتي، ولم أعرها الكثير من الاهتمام. كما لم يشر إلى ما إذا كانت حية أم ميتة في وقت الحوار. وفي الواقع فإنها توفيت في العام التالي لزواجها من ماو عام 1910.
ويبدو أن واقعة زواجه بهذه الطريقة كان لها تأثير كبير على تفكيره ونظرته للحياة حيث تحول إلى خصم عنيد للزواج الذي يجري الترتيب له من قبل الأسرة.
وقد كتب بعد ذلك التاريخ بنحو 9 سنوات مقالا امتدح فيه الزواج في الغرب، مشيراً إلى أنه هناك يقر الأبوان بحرية أبنائهما في الاختيار، فيما أنه في الصين فإن رغبة الوالدين لا تكون في الغالب متوافقة مع الأبناء، مضيفا أن الزواج بهذه الطريقة يعد بحسب رأيه نوعاً من الاغتصاب غير المباشر.
وبعيد رحيل زوجته مباشرة فإن ماو الأرمل، والذي كان يبلغ من العمر 16 عاما طلب مغادرة شاوشان وفيما كان الأب يسعى لأن يعمل ابنه في مستودع للأرز فإن الابن كان يتطلع إلى الالتحاق بمدرسة حديثة تبعد نحو 25 كيلو مترا عن المنطقة التي يقيم فيها.
لقد سئم التعليم الذي كان يتلقاه إزاء ما نما إلى علمه من أن هناك نوعاً آخر تتم من خلاله دراسة العلوم والتاريخ والجغرافيا واللغات الأجنبية رغم إخفاقه في تعلم لغة أجنبية فيما بعد حتى مرحلة متأخرة من عمره. وكانت هذه المدارس هي التي فتحت الأفاق أمام أمثاله ممن ينحدرون من أصول ريفية.
زمن التحولات
من هذه الأجواء المتعلقة بشخصية ماو ينقلنا المؤلفان إلى الأجواء التي كانت تحياها الصين في نهايات القرن التاسع عشر حيث يشيران إلى أنها واجهت تحولات اجتماعية دراماتيكية، حيث كانت السلالة المنشورية التي تحكم البلاد منذ 1644 تتحول من التوجهات القديمة في الحكم إلى الحداثة.
وقد جاءت هذه التحولات بفعل الهزائم المنكرة للصين على يد القوى الأوروبية واليابان، وهي سلسلة الهزائم التي بدأت مع الهزيمة أمام بريطانيا في حرب الأفيون عام 1839، الأمر الذي وصل إلى حد اقتراب هذه القوى من الأراضي الصينية.
وعلى ذلك ساد الاعتقاد بدءا من القصر الحاكم وانتهاءً بالمثقفين، على شاكلة ما جرى لدينا في عالمنا العربي والإسلامي في الفترة نفسها، بضرورة تغير البلاد إذا ما كان يراد لها أن تحيا بين الأمم، وعلى هذا فقد تمت مجموعة من الإصلاحات الأساسية ومن بين هذه الإصلاحات ضرورة الأخذ بنظام تعليمي جديد.
ويكشف هذا الجانب عن المناخ العام الذي كانت تعيشه الصين والذي ألقى بدون شك بتأثيره على ماو وغيره من الشخصيات التي لعبت دورا في الثورة الصينية فيما بعد تجاه أهمية التغيير بغض النظر عن المنحى الذي اتخذه وهو منحى بالغ التطرف. المهم أنه انطلاقا من هذا التوجه كان البدء في بناء السكك الحديدية كما تم إيلاء المزيد من الأولوية للصناعات والتجارة مع السماح في الوقت ذاته بالعمل للمنظمات السياسية.
كما بدأ إصدار الصحف للمرة الأولى في البلاد، وبدأ العمل على إرسال الطلبة إلى الخارج لدراسة العلوم الحديثة، والبدء كذلك في تعليم الطبقة الحاكمة مبادئ الديمقراطية والنظم البرلمانية. وفي 1908 أعلن القصر الحاكم عن برنامج تغيير شامل يتم التحول بمقتضاه إلى الملكية الدستورية خلال تسع سنوات.
أما بالنسبة لمنطقة ماو وهي هونان والتي كان يقطنها نحو 30 مليون نسمة فقد أصبحت إحدى أكثر المناطق تحررا في الصين. ورغم أنها تعد مجموعة أراض مغلقة إلا أنها كانت مرتبطة بسلسلة أنهار تربطها بالساحل.
وفي 1904 تحولت عاصمة الإقليم شانجشا إلى ميناء تجاري مفتوح حيث توافدت عليها أعداد كبيرة من البعثات والتجار جالبين معهم الكثير من طرائق الحياة الغربية. ومع مرور الوقت فإن ماو سمع عن مدارس حديثة في العاصمة كان يوجد أكثر من مئة منها أكثر من أي منطقة أخرى في الصين حيث كانت تدرس للنساء إلى جانب الرجال.
تطلعات متزايدة
فيما يكشف عن ثورة التطلعات المتزايدة لدى ماو منذ سنوات وعيه الأولى فإن اهتمامه اتجه إلى التقدم للالتحاق بإحدى هذه المدارس وهى «إيسترن هيل» التي كانت قريبة من مسقط رأس أمه. ورغم ارتفاع رسومها بما قد يتجاوز القدرات المادية لأسرته إلا أن ماو نجح في الالتحاق بالمدرسة بعد ضغوط من أقاربه على والده.
اذا كان من الصعب التأريخ لحياة ماو بالتحاقه بهذه المدرسة باعتبار أن شخصيته نتاج عوامل عديدة فإن المدرسة كانت بحق، حسبما يبدو من سياق تناول الكتاب لقصة حياة ماو، بمثابة مرحلة فاصلة في حياته وفتحت عينيه على الكثير من الأشياء، فهناك تلقى دروسا في الفيزياء وتعلم الموسيقي واللغة الإنجليزية، كما درس مواد تاريخية عن نابليون وروسو ولنكولن.
وفي المدرسة سمع ماو عن أميركا وأوروبا للمرة الأولى. ورغم أنه لم يستمر في «إيسترن هيل» سوى شهور قلائل إلا أن ذلك كان كافياً بالنسبة له لكي يحقق انطلاقة جديدة. ومن هذه المدرسة إلى أخرى في العاصمة شانجشا.
حيث كانت هناك مدرسة متقدمة في مدينة وينز مسقط رأس أمه وقد أقنع ماو أحد المدرسين بأن يلحقه رغم التأكيدات التي تلقاها ماو بصعوبة ذلك باعتبار انه ليس من المدينة.
مثل عام 1911 نقلة كبرى في حياة ماو وقتها كان في السابعة عشرة من عمره حيث ترك قريته ومدينته متوجها إلى العاصمة مودعا حياة الزراعة طوال حياته.
وإن كان ماو فيما بعد حاول التأكيد على التزامه بهذه الأصول إلا أن المؤلفين يشيران إلى أن ذلك لم يعكس الواقع ومن ذلك مثلا ما يذكرانه من مقولة لماو عن نشأته يشير فيه إلى أنه عندما كان في شاوشان كان ينتابه قدر من القلق على حال الفلاحين الفقراء في بلدته .
حيث أن المؤلفين يشيران إلى أنه لا يوجد ما يؤكد ذلك وأن ما كان يحركه هو إحساس بالظلم الاجتماعي، وهو ما يؤكده في سياق دحض المؤلفين اللذين يتخذان موقفا بالغ الحدة تجاه ماو وسياساته، أنه حتى عام 1925 وعندما كان على أعتاب العقد الثالث من عمره وبعد نحو خمس سنوات من تحوله إلى الشيوعية فإن ماو لم يتطرق سوى مرات معدودة إلى الفلاحين سواء في كتاباته أو أحاديثه.
كما يفند المؤلفان ما يعتبرانه مزاعم لماو عن تعاطفه مع الفلاحين في مواجهة المجاعات التي كانوا يواجهونها بين الحين والآخر، ومن ذلك ما ذكره في مراحل متأخرة من حياته في هذا الشأن.
ويشيران إلى أن ماو مثلا لم يتعرض بأي إشارة إلى أي مجاعة وقعت في بلدته خلال زيارته لها في عام 1921 وذلك رغم ورود الإشارة إلى مثل هذه المجاعة من قبل أصدقائه في بعض كتاباتهم، وهو ما يعتبرانه نوعاً من عدم الاهتمام بالأمر من قبل ماو.
وإن كانت الإشارة إلى هذا الجانب قد تفند بشكل جزئي وليس كاملاً، بالطبع، مقولة تسبب ماو في وفاة الملايين بسبب المجاعات، حيث أنه يبدو أن حدوث مجاعات كان أمرا طبيعيا سواء في الصين بشكل خاص أو بمنطق عمليات الإنتاج في تلك الفترة وإن كان السياق الذي يقدمه المؤلفان لعمليات التجويع وليس المجاعة التي مارسها ماو مع شعبه.
والنتيجة التي يخلص اليها المؤلفان أن حياة ماو كمزارع او من منطقة زراعية لم تمده بالكثير من الإهتمام لجهة تحسين حياة الفلاحين في الصين.
عرض ومناقشة ـ مصطفى عبدالرازق
