عائلة متفوقة موقعها ألزمها قالباً محدداً من التعامل، مكنها في النهاية من تحقيق حلم الامتياز لأبنائها الثلاثة، التفاهم والاحترام ومعرفة كل واحد منهم لدوره المثالي كان سبباً للنجاح والتألق، لا سيما وأن الأبوين على درجة كافية من التعليم، وهو ما فتح أمامهما آفاقاً كثيرة لمعرفة كواليس الحياة، وتجنب الوقوع في خطأ عائلي، بغض النظر عن حجمه، والذي من شأنه أن يزعزع إيمان أبنائهما بالتميز.
هلا عطا يوسف طالبة متفوقة من الفرع العلمي بالمدارس الأهلية الخيرية في دبي، معدلها النهائي في مدرستها وصل إلى 2,99 في المئة، وهي شقيقة لمتفوقة ثانية اسمها علا، وتدرس حالياً الصيدلة في إحدى جامعات سوريا، بعد أن أنهت العام الماضي مرحلة الثانوية العامة بمعدل 2,98 في المئة.
وولد ثالث اسمه يزن ويدرس في الصف الرابع الأساسي، ومعدله الدراسي يصل إلى 99 في المئة، أما والدها فيعمل مديراً لشركة خاصة، ووالدتها تحمل شهادة في إدارة الأعمال، ولكنها لم تعمل خارج بيتها وآثرت أن تدير بإمكانياتها ومؤهلاتها العلمية بيتها وتحلق فيه عالياً في سماء التفوق.
تقول والدة هلا إنها بحثت منذ كان أبناؤها صغاراً عن عمل خارجي، كونها ترى بالعمل مهمة خاصة تكسب صاحبها شيئاً من المتعة والانتصار، ولكن هذه الأم لم توفق في عمل خارجي وبقيت في البيت ترعى أبناءها وتتابع دراستهم بينما يوفر زوجها متطلبات التفوق المادية، وفي النهاية فهي تشعر بتحقيقها لانتصار داخلي أكبر من عملها في الخارج، لا سيما وأنها استطاعت وضع أسس متينة لتربية سليمة، دفعت أبناءها الثلاثة نحو التفوق في حياتهم بجوانبها المختلفة.
يقول والدا هلا إن أبناءهم يتمتعون بملكة الدراسة والتفوق، فبذرة التميز كانت واضحة منذ الصغر، ووجدت بيئة خصبة للنمو السليم، وتمكنت إدارة ذلك البيت من صناعة ذرية قادرة على التفوق، وفاهمة لدورها في هذه العلاقة، وكل من في البيت يؤدي واجبه من حيث خصوصية موقعه، فكانت النتيجة مرضية ومريحة.
في ذلك البيت لا يدخر الوالدان جهداً في توفير الأجواء التي يتطلبها التفوق، فهما حريصان على الوقوف إلى جانب أبنائهما ومواساتهما في الجوانب النفسية والعاطفية، وهو ما مكن هذه الطالبة من الدراسة لأوقات طويلة تصل إلى ما يقارب عشر ساعات يومياً.
سر تميز هذه العائلة يكمن في هدوء أعصاب أفرادها وتفهم كل من هم للآخر، أما هلا المتفوقة فهي هادئة بطباعها، ولا يزعجها سوى إحساسها بظلم لا مقصود من معلميها، والسلبية الوحيدة عندها هي العصبية الزائدة إذا شعرت بعدم تمكنها من متابعة دراستها أو فهم جزئية محددة.
وسرعان ما تظهر عليها علامات التوتر والقلق، وفي المقابل يقف البيت بكل أركانه إلى جانبها وتحديداً والديها اللذين يسارعان إلى امتصاص قلقها وتوترها بأسلوبهما الهادئ والمتفهم، نظراً لطول النفس الذي يتمتعان به.
ذلك البيت عوّد أبناءه على أمر واحد وهو الصدق في التعامل، حتى صارت أوراق الجميع مكشوفة للجميع، وهلا التي تنتظرها أيام قليلة تطمح بقوة الإرادة إلى اعتلاء عرش الأوائل، وهي تملك شخصية قنوعة وصادقة وملتزمة في إطار الحرية المقيدة، فصاحباتها معروفات جيداً بالنسبة لعائلتها، وأبواها يرشدانها على الدوام إلى الطريق السليم، وبالرغم من ظروف الدراسة الحازمة التي تمر بها هذه الطالبة، إلا أن باب الخروج والترويح عن النفس يبقى مفتوحاً أمامها ودون قيود.
وجهة نظر العائلة بشأن التفوق تتلخص بضرورة أن يهتم الآباء والأمهات ومنذ البداية بتوفير مختلف الاحتياجات التي من شأنها أن تنمي مهارات الأبناء وتساعدهم على الالتفات إلى دراستهم شرط ألا تكون بأسلوب مفرط، ثم توفير أجواء من الهدوء داخل البيت ومتابعة دراستهم أولاً بأول، والتواصل مع معلميهم، دون إهمال مراقبة خروجهم من البيت واختيارهم للأصدقاء.
وتعويدهم على الصدق منذ الصغر، ومنحهم القوة في طرح آرائهم ومطالبهم واحتياجاتهم دون خوف أو تردد، مع مراعاة عدم شعور الأبناء بأية مشكلات بين الوالدين، وإن كانت صغيرة وتافهة.
هلا طالبة متفوقة كانت نتاج بيئة مؤهلة ومقتنعة بالتفوق والتميز، واستطاعت كسب مختلف الإمكانيات التي سخرتها لها العائلة في سبيل الحفاظ على الدرجة الأعلى من سلم التفوق، فهي لا تنكر الدور الأكبر الذي لعبته عائلتها في هذا الجانب.
أما خططها المستقبلية فتكمن في دراسة هندسة الكمبيوتر في بلدها سوريا أو إدارة الأعمال، وربما كان لعلاقتها مع والدتها رسم ملامح توجهها نحو إدارة والدتها الناجحة لبيت متميز، أعمدته ثلاثة أبناء محافظين على لعب أدوارهم الحقيقية والإيجابية، إلى جانب ركنين مهمين هما الأب والأم.
أداء الرسالة
تقول والدة هلا إنه من الممكن أن تعمل في هذه الأيام إذا توفر لها ذلك، بعد أن وصلت إلى درجة الطمأنينة على أبنائها، حيث أصبح التفوق إدماناً بالنسبة لهم، فهي سابقاً بحثت عن عمل في مدة محددة، ثم شعرت أن أبناءها بحاجة إليها في البيت، فتخلت عن طموح العمل من أجل مستقبل أبنائها.
ففي بعض الأوقات ينتابها شعور أنها أضاعت على نفسها فرصة العمل الخارجي، ولكنها سرعان ما تنظر إلى أبنائها فتنسى كل شيء بعد أن تدرك الثمار الشهية التي جنتها من حديقة بيتها البسيط، وبكل تأكيد لو لم تبق هذه الأم إلى جانب صغارها، وتركتهم حينها مع الخادمة كما هو حال الكثيرين، لكانت النتيجة النهائية بعيدة عن واقعها الفخور والمتميز هذا.
دبي ـ «الجيل»:

