إلى الآن لا يبدو واقع التشعيب التقليدي في الثانوية العامة والمتمثل بالأدبي والعلمي يسير نحو تطور آخر في الدراسة والتعليم، وعلى الرغم من دعوات الكثيرين في الميدان بضرورة إعادة النظر بطرق وآليات التدريس المعمول بها في دولة الإمارات، إلا أن مثل هذه الخطوات والتعديلات لا تبدو سهلة المنال في ضوء منظومة تعليمية ثابتة مرت عليها عقود طويلة.

واقع الأدبي والعلمي في المدارس الحكومية له من يسانده ومن ينظر إليه بعين اللا جدوى، خصوصاً وأن التعليم هذه الأيام صار أكثر تشعباً عما كان عليه في الفترات الماضية، ومن هذا المنطلق صار توجه التعليم من أجل الحياة أكثر قبولاً لدى الكثيرين، وهذا النمط الحديث يتطلب تحركات في أكثر من اتجاه لبلوغ هدفه المعقول، لاسيما في تغيير المناهج وجداول التدريس وحتى البيئة المدرسية بكافة أركانها.

وفي استطلاع للعاملين في الميدان بدت الآراء أكثر ميلاً نحو الحراك التعليمي المتبع في الكثير من البلدان الغربية والعربية، لاسيما وأن تجارب كثيرة أوجدتها ظروف التطوير في عدد من البلدان العربية والأوروبية يمكن الاستعانة بها وأخذ ما يصلح منها ويتماشى مع واقع البلد والثقافة السائدة فيه من جهة، والتطورات التقنية المتسارعة من جهة أخرى.

عيسى المري مدير مدرسة الأحمدية في دبي اعتبر أن آلية التشعيب المحددة في الأدبي والعلمي غير مجدية، وتفتقد إلى إمكانيات كثيرة تؤهل الطلبة للالتحاق بسوق العمل من دون الاصطدام بعراقيل ومعوقات، وذلك يحتم على القائمين على أمر التعليم إعادة النظر في هذا الأمر بحيث يتم وضع مناهج تلامس الحياة العملية، وتسهل على الطالب الذي لا تسعفه ظروفه المادية في الدراسة الجامعية إذا ما أراد العمل بعد الثانوية العامة.

وأضاف أن توحيد مواد التدريس بالنسبة للأدبي والعلمي أمر إيجابي، إذ أن المبالغة في مناهج العلمي الحالية كبيرة جداً، وحجم بعضها يفوق ما هو موجود في الجامعات، ولا لزوم لها إلى هذا الحد، مشيراً إلى أن هذا واقع السوق العملي يفرض على أصحاب الشأن التعاطي مع ضرورات أخرى يحتاجها الشباب اليوم في حياتهم العملية، فشهادة (ICDL) في الحاسوب و(التوفل) في اللغة الإنجليزية أصبحتا من الشهادات المعتمدة عالمياً لاسيما في القطاع الخاص.

ولفت إلى أن مثل هذه المواد والمهارات تطلب أينما ذهب الطالب، إلى الجامعة أو سوق العمل، فإدخالها في المنهاج المدرسي منذ البداية يسهل على الطلاب السير في الحياة العملية من دون مشكلات، وتحديداً بعد مرحلة الثانوية العامة، إذ يتعين على الوزارة التخفيف من مواد لا داعي لها مقابل مواد أخرى تمنح الطالب فائدة عملية كبيرة، مشيراً إلى أن الزمن قد عفا عن العلمي والأدبي، والتعليم يحتاج إلى نظرة واقعية أكثر عمقاً.

الهروب من المواد العلمية

في المقابل يعتبر محمد الماس مدير مدرسة المعارف الثانوية أنه وفي الوقت الراهن، لاسيما وأن التعليم المهني قد أضحى على أعتاب النهاية، فهو يؤيد بقاء النظام المعمول فيه بالأدبي والعلمي، إذ توجد فئة كبيرة من الطلبة لا تصمد أمام الكم الهائل من المعلومات العلمية في الفيزياء والرياضيات والأحياء، فالمواد العلمية التي تدرس حالياً في القسم الأدبي لا تعدو عن كونها قشوراً وسطحية، وهي بالأحرى معلومات عامة أخذها الطالب على مدى مشواره في المرحلة التأسيسية.

وأوضح أنه ومتى وجد هناك تعمقاً في دراسة المواد العلمية لا بد وأن الكثيرين من الطلبة سيواجهون صعوبة كبيرة، فالمعطيات تشير إلى عدم نجاح مثل هذه الخطوة واستمراريتها، خصوصاً مع عدم وجود التعليم الفني، ففي مدرسته توجد خمس شعب أدبي مقابل اثنتين للعلمي، كما أن الكثافة العددية في الشعب الأدبية تفوقها في العلمي كثيراً، وهو ما يؤكد لجوء أعداد كبيرة من الطلبة إلى الفرع العلمي هروباً من زخم المواد العلمية.

توفير بدائل

وقال الماس إن إلغاء التشعيب على المدى القريب خطوة في الاتجاه الخاطئ، إذا لم توفر مقابل ذلك بدائل أخرى، والتي يظل في مقدمتها التعليم الفني بفروعه المختلفة، لاسيما وأن خطوات الوزارة تسير في هذه الأثناء نحو رعاية الطلبة الموهوبين وتوفير الأرضية اللازمة لاستمرارية هذه المواهب عندهم، وذلك على الرغم من أن اليوم الدراسي العادي مثقل بجداول المعلمين ولا يسهم إيجاباً في هذا الإطار.

إضافة إلى ذلك فكيف ستحقق الوزارة توجهها ذلك ما دام الكثيرون من الطلبة لا يجدون متنفساً في تنمية مهاراتهم الحرفية ضمن التعليم المهني الذي يواجه مصيراً ضبابياً بعيداً عن الاهتمام. وأوضح أن المعاهد التقنية لها دورها المكمل في التعليم الفني، ويجب أن تأخذ دورها في هذا الجانب، فالدولة تزخر بالكثير من الكفاءات التي تعمل بوظيفة مساعدي مهندسين، وقد تخرجوا من المعاهد والمدارس الصناعية.

والدليل الراسخ على ذلك المواطنون العاملون في طيران الإمارات برتبة مساعد مهندس، وذلك على الرغم أنه وفي أحد الأيام كان الفشل عنوان نظرة المجتمع نحو هذه الفئة، فالشباب يملكون مهارات وإمكانيات متباينة، وما دام الواقع التعليمي متخلياً عن توفير البدائل، لا بد أن تقتل هذه المهارات.

وعلق حمدي حسين أحد المراقبين في لجنة الأحمدية للفرع العلمي على موضوع التشعيب بالقول أن التخصص الدراسي توجه مطلوب، ولكن الخطوة الأهم تكمن في السير وفق آلية اختبار تحديد القدرات، والذي يمكن الطالب من الاستمرار في التخصص الذي يجد نفسه فيه بعيداً عن التعقيدات أو الصعوبات، وذلك من شأنه أن يقلل من نسبة التسرب.

وبين أن التعليم التقليدي لم يعد نموذجاً كافياً، وهو ما يتطلب مزيداً من المشاريع العملية والأوراق البحثية، كما هو الحال في الجامعات وكليات التقنية العليا، بعيداً عن نمط الحفظ والتلقين الذي ظل يلازم الطلبة منذ عشرات السنين، مشيراً إلى أن العمل وفق أي نظام يحتاج فترة تجريب، فالتربية والتعليم لا يمكن أن تتغير أو تتطور في يوم وليلة.

نظام الساعات

واعتبر محمود الحلبي معلم اللغة العربية في مدرسة الأحمدية أن التشعيب له مبرراته في الوطن العربي، ولكن نظام اختيار المواد بعيداً عن التقيد بالأدبي أو العلمي يمنح الطالب فرصة السير بالتخصص الذي يريد، وفق نظام يوفر له حدا أدنى من المواد الإجبارية، مع إمكانية إضافة المواد الأخرى إليها، حسب رغبة الطالب.

هذا الاقتراح سانده الطالب عبد الله بالعومة من ثانوية المعارف في دبي، والذي أوضح أنه من المجدي في هذه الأيام أن يضم فرعي التعليم الأدبي والعلمي، مع إمكانية توفير مواد محددة يدرسها الطالب، وإذا رسب في إحداها تسحب معه إلى المرحلة التي يليها، ونظام الساعات هذا يعمل فيه في الكويت والبحرين، حيث يختار الطالب عدداً من المواد الأساسية التي يمكن أن تسهل عليه مشواره في الدراسة الجامعية، مع إمكانية إضافة المواد التي يجد الطالب نفسه فيها أكثر من غيرها.

وكما يعتقد فإن إحدى أكبر مساوئ هذا النظام أن الطلبة في الفرع الأدبي لا يمكن لهم دخول أي مجال بعد التخرج، أي أن الخيارات المتاحة أمامهم تبقى محدودة، وبالتالي فإن أي نظام بديل يراعي مثل هذه الأمور لا بد وأن يكون أكثر قبولاً وجدوى.

لا رؤية واضحة

عبيد بطي المهيري مدير مركز تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم قال إلى الآن لا توجد رؤية واضحة حول تغيير الواقع المعمول فيه بالتشعيب للأدبي والعلمي، ففي الفترة الأخيرة حصل في وزارة التربية تغييرات عدة، وهو ما يؤدي إلى مراجعة لمختلف الجوانب المتعلقة بالعملية التعليمية، استناداً إلى التغذية الراجعة من الميدان، مشيراً إلى أن إدخال الفيزياء والأحياء إلى القسم الأدبي يأتي من منطلق الاهتمام بهدف التعلم مدى الحياة، لاسيما وأن التعليم لم يعد محصوراً بأفق محددة.

وأشار المهيري إلى وجود من يعارضون فكرة نظام الساعات ومن يؤيدونه، وأنه شخصياً يعتبر ذلك النظام جيداً كونه يمنح متسعاً من الوقت للمعلم، وبالتالي فإن الفائدة ستكون أكبر، ويمكن تجاوز مشكلة ضيق الوقت التي يعاني منها الميدان التربوي. وبيَّن أن ذلك النظام يمنح الطالب عملية اختيار المواد بجرعات معينة، والتي تعني توزيع المواد المطلوبة والفصول والمعلمين وفق آلية تمكن الطالب من امتلاك القدرة والمرونة التي تعالج مشكلة الإقبال على مواد من دون أخرى.

تخفيف حدة القلق

وأكد أن العملية الاختيارية مهمة بالنسبة للطالب وتصب في صالح مستقبله الدراسي، ووزارة التربية تدرس وتتطلع على نماذج مختلفة يمكن لها عن طريقها التخفيف من حدة القلق والخوف والارتباك التي تخلفها الثانوية العامة بواقعها الحالي، ولكن السؤال هل أن واقع البيئة التعليمية يسمح بوجود مثل هذه التجارب؟.

وأضاف أنه توجد خيارات أخرى لدى الوزارة رغم أنها لم تلجأ إليها بعد، والتي تهدف في النهاية إلى التخفيف من الضغوطات التي يعيشها الطالب فترة الامتحانات الثانوية، فتوجد طرق أخرى إيجابية كما هو موجود في المدارس الخاصة، حيث يتم القبول الطالب في الجامعة بعد أخذ معدلات السنوات الثلاث الأخيرة من مرحلة دراسته، مع وضع اختبار مخفف يقيس جاهزية الطالب للسير في الدراسة الجامعية، وذلك خيار جيد يمكن الالتفات إليه.

وأشار إلى أن قسم المناهج في وزارة التربية يركز حالياً على طرح مواد تبنى على معايير ومخرجات محددة، تساعد الطالب على التفكير والإبداع مع إهمالها لجانب الحفظ والتلقين، وبالتالي فالعمل مقرون بمخرجات تعليمية معينة، وذلك يتطلب السير في آليات أفضل تصب في صالح الطالب في مرحلة الثانوية العامة.

الدولة بحاجة إلى التعليم الفني

وحول واقع التعليم الفني في الوزارة اعترف مدير مركز تطوير المناهج بأن ذلك الجانب لا يحظى باهتمام كبير، ويجب أن تكون مكانته أوضح، لاسيما وأن الدولة بحاجة إلى مثل هذا التعليم، ليكون بمثابة المنفذ أو المخرج للكثيرين من الطلبة الذين لا يمكن لهم اجتياز عتبة الثانوية العامة التقليدية، خصوصاً والحديث يجري عن مشكلات العمالة الوافدة.

وأضاف أن الكثير من الدول تولي هذا الجانب من التعليم اهتماماً مبالغاً، ودولة الإمارات بحاجة إلى التعليم الفني في مختلف جوانبه، وتجربة معهد التكنولوجيا التطبيقية بالتعاون مع كليات التقنية العليا دليل واضح على إمكانية نجاح هذه الفروع من التعليم، ويجب تفعيل ذلك التعليم الفني بمختلف فئاته عن طريق الشراكة بين المؤسسات المختلفة والمعنية من أجل الحصول على مخرج آمن لمشكلات قد يعجز التعليم العادي عن احتوائها.

دبي ـ عنان كتانة: