غياب الفكر حول المستقبل وعدم الوعي بمتطلبات سوق العمل من أكثر ما يؤرق طلبة الثانوية العامة فالسؤال المطروح أمام العديد منهم: «ماذا بعد الثانوية؟»، المشكلة التي لمسناها لديهم تمثلت في عدم وضوح الصورة حول ما يريدون دراسته في الجامعة وبالتالي قلة منهم تسير بخطى واثقة نحو أبواب مرحلة التعليم العالي.

فالكثير يرى فيها المجهول والخوف من احتمال الانخراط في تخصص ومن ثم تغييره فهذا أمر وارد، والسبب كما يرونه تجاهل المدارس لدورهم في مجال الإعداد والتوجيه للمستقبل والاكتفاء بكتيبات الإرشاد الأكاديمي والمدقق في الأمر يجد أن علامات التردد والحيرة بدأت لدى الطلبة منذ سؤالهم: هل ستلتحقون بالقسم العلمي أم الأدبي؟

الطالبة شيخة حمد من القسم العلمي لم تحدد حتى الآن التخصص الذي ستدرسه بعد الثانوية العامة ولكنها عندما التحقت بالقسم العلمي كانت تحلم بالهندسة المعمارية ولكن حلمها يواجه مشكلة المكان.

فالتخصص متوفر في جامعة الإمارات وليس بإمكانها المكوث في مدينة العين بعيدا عن أسرتها وأشارت إلى أنها لاحظت أن أبوظبي تخلو من العديد من التخصصات مقارنة بدبي مثلا حتى على صعيد كليات التقنية العليا فإن التخصصات في كلية دبي متعددة والخيارات أمام الطالب أكثر.

معايير صعبة

وتضيف شيخة أنها إذا لم توفق في دراسة الهندسة فإنها ستدرس إدارة الأعمال أو التسويق لأن لهما مجالا أوسع في سوق العمل مستقبلا طبقا لمعلوماتها التي جنتها من حولها ومن تجارب أخواتها وآخرين، وعلقت على إشكالية غياب دور المدرسة في المساعدة في رسم مستقبل الطالب فليس هناك تنمية للمواهب أو توجيه لما يمكن أن يكون عليه الطالب مستقبلا، ولا أحد يحاول تلمس مهارات الطالب أو قدراته من البداية ويقوده إلى استثمارها في حياته.

مشيرة إلى أن أقصى درجات التعريف بالمستقبل تقتصر على بروشور تعريفي بالجامعات والكليات في الدولة والتخصصات التي تطرحها ومتطلباتها من النسب المئوية كما أن المشكلة أن بعض الجامعات مثل جامعة زايد تطرح معايير قوية لإلحاق الطالبة بها ولا تتناسب تلك المعايير مع الإعداد الذي تم للطالب خلال التعلم بمراحل التعليم العام من ناحية اللغة أو التقنيات وحتى تنمية الشخصية لذا الكثير من الطالبات يتعثرن أو يخفقن في بداية دراستهن الجامعية.

المهم الوظيفة

أما الطالبة نبيلة عرب من القسم الأدبي رغم أنها لم تعرف للآن أين وأي تخصص سوف تدرس في الجامعة إلا أنها مقتنعة بميلها إلى التعامل مع الحاسب الآلي، ولذا فإما ستدرس نظم معلومات مثلا أو إدارة أعمال لأن المجالات المرتبطة بالتقنيات هي الأكثر طلبا الآن والطالب يهمه أن يدرس تخصصا يجد بعد التخرج منه وظيفة يعمل بها، وأضافت أنها كانت في القسم العلمي في البداية ولكنها قررت التحول إلى الأدبي لميلها له.

الطالب الأساس

وترى نبيلة أن البيت والمدرسة مسؤولان عن عدم وضوح الرؤية لدى الطالب حول مستقبله الجامعي والوظيفي لأن الطالب اعتاد الذهاب للمدرسة للدراسة وأداء الامتحان لتسميع ما حفظه لذا فان المسؤولية الملقاة على عاتق الطالب ان عليه هو أن يقدر ميوله ويقيس قدراته ويحدد ماذا يريد أن يكون في المستقبل والمشكلة أنه ليس بإمكان الجميع التفكير في مستقبله بجدية وحكمة.

ويكون الوضع كما هو حادث مع الغالبية من الطلاب انتظار المجموع النهائي في الثانوية والبحث عن الكلية المناسبة له خاصة أن لكل شخص حلما وهو صغير ولكن غالبية تلك الأحلام تتبدد على أعتاب المراحل الثانوية وتتغير التوجهات، وتشير إلى أنها تلمس ارتباط طلبة العلمي بالمجموع أكثر من الأدبي والسبب أن غالبيتهم يسعون إلى كليات من نوع الهندسة والصيدلة والتي تتطلب تحصيلا عاليا جدا.

الطالبة عائشة الكعبي من القسم الأدبي أيضا كانت في البداية راغبة في القسم العلمي لأنها لا تحب الحفظ الذي تعتمد عليه المواد الأدبية ولكنها قامت بعمل استخارة وعندما سئلت عن القسم الذي ستسجل فيه قالت أدبي وعندها رأت «أن الخيرة فيما اختاره الله».

أما حول مستقبلها والتخصص الذي تميل إلى دراسته فذكرت عائشة أنها تريد إدارة الاعمال أو أي شيء له علاقة بالاقتصاد لأنها أحبت هذه المادة من دراستها في الثانوية كما أنها عرفت من صديقاتها والمحيطين بها أن تلك التخصصات وغيرها من المرتبطة بالتقنيات هي الأفضل والأكثر طلبا عليها في سوق العمل.

ورأت عائشة أنها لا تعرف بالشكل الصحيح كيف يكون التفكير في المستقبل لأن المدرسة قدمت لهم (بروشور) حول الجامعات والكليات في الدولة والتخصصات التي تضمها ولكنها تساءلت حول الفائدة منه وغالبية صديقاتها انتقدوا أنهم بحاجة إلى من يشرح لهم طبيعة كل تخصص ومواده وفرص العمل المتاحة فيه.

ولكن لا معلومات حقيقية تهديهم إلى ما يدرسونه في الجامعة وتخشى من التغيير فيما بعد لذا فهي تحاول الاستفادة ممن حولها لمعرفة المجالات الأكثر نجاحا في العمل، مشيرة إلى أن الطالبات اليوم يملن إلى تخصصات التقنيات وإدارة الأعمال بينما لمست بين الفئات المقيمة من الطالبات أي غير المواطنات ميلا إلى تخصصات مثل التمريض والسياحة وكذلك الاقتصاد ولم يعد الحديث عن الطب والصيدلة كما كان سابقا.

دراسة الإعلام

وقررت الطالبة عفراء صالح المر من القسم الأدبي دراسة تخصص الإعلام في جامعة زايد باعتباره المجال الأول الذي تفكر فيه وان لم تتمكن من ذلك ستلتحق بكلية التربية، مشيرة إلى أنها تحب مجال الإخراج التلفزيوني وتأمل أن تعمل فيه وأن يتفهم الأهل ميولها خاصة أن المجال تعرفت عليه من خلال الإرشاد الأكاديمي لطلبة الثانوية وأحبت الالتحاق به كما أن الإعلام كمجال في حد ذاته مميز.

أما تخصص التربية والعمل في التدريس فهو ما كانت تحبه وهي صغيرة مثل أي فتاة تريد أن تصبح مثل معلمتها ولكنها عندما كبرت ووعت أصبحت تميل للإعلام. عفراء كانت ستلتحق بالقسم العلمي أيضاً، ولكنها لم تجد من صديقاتها من سيلتحق به فأرادت البقاء معهن رغم أنها كانت تريد العلمي لأن مواده أكثر متعة والأهم أن مسمى العلمي أقوى من الأدبي وله مكانة خاصة بين الطلبة.

غياب الطموح

وتقول تغريد أحمد ان الغالبية من الطلاب لا يمتلكون طموحا بقدر ما هي عملية ارتباط بالمجموع و بالتخصصات الأكثر طلبا و إقبالا عليها في سوق العمل مشيرة إلى محدودية التخصصات الدراسية المتاحة أمام طلاب الأدبي وتؤكد أنها تهوى الاقتصاد ولو كانت قي القسم العلمي فإنها لن تدرس الطب ولكن ربما الهندسة لأن الطب دراسته شاقة.

وترى تغريد أن المدرسة لا تلعب أي دور في تأهيل الطالب وإعداده للمستقبل ومواجهة متطلبات العصر فالكثير من المهارات التي يفتقدها الطالب اليوم يلمسها عند التحاقه بالجامعة فالمدرسة مجرد دروس تحفظ للامتحان حتى شخصية الطالب لا تتبلور كما يجب وعلى الأهل أن يحاولوا المساعدة في توجيه الطالب نحو مجالات الدراسة النافعة والمطلوبة دون ارتباط بالأحلام فقط.

مسؤولية الشباب

ويبقى لسوق العمل والامتيازات التي يمكن تحقيقها وجنيها من الوظيفة الأولوية لدى الطلاب الذكور ربما من واقع إدراكهم بأن الرجل هو من عليه تحمل مسؤولية بيت وأسرة ويعول عليه كثيرا فلا بد من البحث عن التخصص الملائم لسوق العمل لأنه لا مجال للجلوس في المنزل.

الطالب عامر زين العامري من القسم العلمي يخطط لدراسة الهندسة البترولية لأن البترول من أكثر حقول ومجالات العمل المطلوبة وله مستقبل وظيفي ومالي وامتيازات جيدة خاصة أن الكثير ممن حوله وأقرباءه يعملون في هذا المجال.

ويرى عامر أن البترول والكمبيوتر هما الأكثر أهمية من ناحية الدراسة التي تقود إلى فرص عمل جيدة وعلى الطالب أن يفكر عند دراسة أي تخصص فيما سيكون بعد تخرجه وليس مجرد حمل شهادة فقط.

ويشير العامري كذلك إلى غياب دور المدرسة في حياة الطالب وشخصيته فهي مكان للتعلم فقط وليست للتوجيه وتنمية المواهب المفيدة والتوجيه يقتصر على بعض الإرشادات في الثانوية العامة وكأن السنوات السابقة كلها غير معنية بالمستقبل الجامعي فكل شيء رهن الثانوية العامة.

و سيلتحق الطالب سيف محمد الزعابي من القسم العلمي بالهندسة الالكترونية لأنه تخصص يحبه وقد بدأ التفكير به من نحو العام كبديل لحلم الطفولة وهو دراسة الطب لأن الطب شاق ويحتاج إلى سنوات من الدراسة الجادة والتعب، وهو يرى أن تخصصات الهندسة يتوجه اليها العديد من الطلاب في ظل وجودها داخل الدولة وفي شتى مجالات الهندسة وأنواعها بينما قلة يفكرون اليوم في الطب.

الطيران

والطيران هو حلم الطالب خالد صديق الملا وقد قام بالتقدم إلى طيران الإمارات وسيتقدم لاختبار إذا نجح فيه فسوف يدرس الطيران أما اذا لم يتحقق له هذا الحلم بالتحليق في الأجواء العربية والعالمية فانه سيدرس أي كلية لها علاقة بالاقتصاد وإدارة الأعمال لأنها تضم مهناً ووظائف متعددة ومجالات العمل بها اليوم مطلوبة.

ولكن يرى خالد أن الطالب هو المسؤول الأول عن اختيار مستقبله ولا بد أن يمتلك طموحا تنميه فيه الأسرة والمدرسة ورغم أن الأيام قد تدفع الشخص لتغيير تفكيره واختيار شيء بديل إلا أن الطموح يجعل لدى الشخص الدافع والحافز للعمل والاجتهاد والتميز في الدراسة.

حب العلوم

ووضع الطالب عبد الرحمن علي من القسم الأدبي مجموعة من التخصصات التي يفكر في دراستها هي الشريعة والقانون أو تقنية المعلومات أو إدارة الأعمال طبقا لما سيتاح له دراسته بينما كان حلمه القديم هو دراسة الطب البيطري والسبب حبه لمادة العلوم والأحياء بالتحديد.

ولكنه لم يتمكن من الالتحاق بالقسم العلمي لأنه كان يعاني من صعوبات في بعض المواد والمعلمون نصحوا والده بتحويله إلى القسم الأدبي رغم عدم حبه لدراسة هذا القسم، ولكن اضطر عبد الرحمن إلى التخلي عن حلمه والتفكير في تخصصات أخذ بها من نصائح المحيطين به وهو يخشى أن يندم يوما على دراسة أي منها كونه لا يعرف الفارق ولا الامتيازات التي يتمتع بها أي تخصص منها.

إعلانات الصحف

عبد الرحمن أشار إلى أنه لو وجد الاهتمام الكافي به منذ السنوات الدراسية الأولى ووجد من التفت إلى حبه للعلوم ربما حاز على مزيد من الاهتمام بها وكان الآن يسير نحو تحقيق حلم الطب البيطري ولكن هذا لم يكن وهو يأمل أن يكون مستقبله جيدا.

واعتبر أن المدرسة والمدرسين يتركون أثرا كبيرا لدى الطالب في طريقة أدائه وتعامله وهو يرى أن الطالب لا بد أن يوجه وتكتشف جوانب التميز فيه منذ الصغر لأن الحياة اليوم تريد الإنسان المتعلم الواعي والقادر على مواجهة متطلبات العصر.

واهم ما أشار إليه عبد الرحمن هو ان الجهل بالتخصصات العلمية و عدم وضوح الرؤيا حول المستقبل قاداه للبحث عن أي شيء يتحدث عن المجال الذي يمكن دراسته حتى أنه يتابع إعلانات الصحف التي ترتبط بالحديث عن البرامج أو التخصصات وفرص التعليم عله يجد فيها ضالته.

فرصة للتعرف على التخصصات

ربى الرمحي رئيسة قسم التسجيل في فرع جامعة زايد في أبوظبي أوضحت من خلال خبرتها في التسجيل الطلابي والإرشاد الأكاديمي انها تلمس تماما ضياع الطالبات وعدم فهمهن الواضح لما يردنه بعد الثانوية العامة لذا فان جامعة زايد تتفهم تماما هذه المشكلة وتقدم للطالبات منذ بداية التحاقهن الفرصة للتعرف على التخصصات المطروحة عن قرب ويكون لكل طالبة مشرف أكاديمي يتابعها منذ تسجيلها و تعريفها بالتخصصات و متابعة تسجيلها للمواد.

وتضيف أن الطالبات يأتين للحياة الجامعية غير مؤهلات لها فليس لديهن الفكر الواضح حول طبيعة هذه المرحلة و قلة هي التي تعرف ماذا تريد وتصر عليه فكثير منهن يحولن من تخصص لآخر أكثر من مرة إلى أن تستقر الواحدة منهن على شيء تجد فيه ذاتها وتبدع فيه.

لذا فان التوجيه إذا بدأ من المدرسة سيكون أفضل حيث سيقلل من أعباء إعادة التأهيل التي تتحملها الجامعة كما سيقلل من الوقت الضائع على الطالب للوصول لما يريده، والزيارات التي يقومون بها إلى المدارس ليست هي الحل بل هي مجرد دعاية وتعريف بتخصصات الجامعة وبشكل موجز.

وترى الرمحي أن أكثر التخصصات التي تحظى بإقبال من الطالبات إدارة الأعمال وتقنية المعلومات وهن في الجامعة يحاولن توجيه الطالبات للمجالات التي يحتاجها سوق العمل والمطلوبة لدعم سياسة التوطين مثل تشجيعهن على الانخراط في حقل العمل الإعلامي.

استطلاع : لبنى أنور