يبدو أن ظاهرة التهرب من المدارس ليست مقتصرة على البلدان النامية فحسب وإنما تمتد لتشمل عددا من البلدان الأوروبية المتقدمة، لتصبح بذلك ظاهرة عالمية يجب التصدي لها من قبل جميع الأجهزة المعنية.

فقد أوضح تقرير حديث نشرته شبكة الإذاعة البريطانية أن عددا من الوزراء المعنيين في بريطانيا قد أمروا بإجراء تحقيقات على أعلى مستوى للبحث في تلك الظاهرة التي استشرت في المدارس البريطانية بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات إلى 11 عاما.

وأشار التقرير، الذي استند إلى أقوال مسؤولين حكوميين في عدد من الوزارات، إلى أن 00,55 تلميذا على الأقل يهربون من المدارس في بريطانيا يوميا. وتُسجل المدارس الثانوية أعلى نسبة هروب بين التلاميذ في بريطانيا بشكل عام.

ونقلت شبكة الإذاعة البريطانية عن متحدث باسم وزارة التعليم والمهارات البريطانية قوله: «في الوقت الذي يتبين فيه أن معدل التهرب بين التلاميذ في المدارس الابتدائية أقل بكثير من مثيله في المدارس الثانوية، فإنه من المهم أن نقوم بتشجيع عادات الحضور الجيد منذ سن مبكر.ولهذا السبب كلفنا عددا من المستشارين بالعمل مع السلطات المحلية من أجل تحسين معدلات الحضور في المدارس الابتدائية التي تسجل معدلات غياب عالية».

وأشار التقرير إلى أن الأرقام التي نشرت في هذا الصدد توضح أن معدل الغياب في المدارس الابتدائية في بريطانيا ارتفع من 13,5% إلى 21,5% خلال العام الدراسي 2005. وأكد التقرير بشكل عام أن معدل الحضور في المدارس الانجليزية سجل أقل مستوياته على الإطلاق في السنوات الأخيرة، الأمر الذي ينذر بخطر كبير في حال عدم تدارك المشكلة بشكل عاجل وفعال.

وفي الوقت ذاته أظهرت دراسة أعدتها نقابة التربية والتعليم الألمانية أن 10% من إجمالي التلاميذ الألمان في مختلف المراحل التعليمية يتهربون سنويا وبصفة منتظمة من التوجه إلى فصولهم الدراسية. وأكدت الدراسة التي وضعتها النقابة على موقعها الالكتروني أن هناك شريحة أخرى من التلاميذ الألمان أكبر من الشريحة السابقة يذهبون إلى المدارس «بهدف التسلية والمرح فقط وافتعال المشاغبات مع زملائهم ومعلميهم خلال الحصص الدراسية».

ومن جهة أخرى كشفت الدراسة قيام 9% من تلاميذ المدارس الألمانية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية بهجر دراستهم نهائيا ودون استكمال مراحلهم الدراسية إلى نهايتها.

ووجهت الدراسة، التي أوردها موقع «إسلام أونلاين» الإلكتروني، انتقادات حادة إلى النظام التعليمي الألماني لعدم تعامله بجدية مع هذه القضية، وقالت: إن ذلك النظام تجاهل أن معظم التلاميذ المتسربين من المدارس هم في سن العاشرة والحادية عشرة، وهي شريحة تمثل مرحلة دراسية انتقالية مهمة تحدد هوية هؤلاء التلاميذ المستقبلية.

تدهور المستوى

ورأى لودفيج أيكنجر رئيس نقابة التربية والتعليم الألمانية، المشرف على الدراسة، أن بقاء قضية التهرب من المدارس وتراكمها دون حل سيؤدي إلى تدهور المستوى التعليمي في ألمانيا إلى مستوى يماثل ما هو موجود لدى الدول «غير المتطورة».

وحذر أيكنجر من الانعكاسات السلبية لمشكلة الهروب من الحصص الدراسية والتسرب من المدارس على أنظمة التدريب المهني والعمل الألمانية، متوقعًا تحول المشكلة مع الوقت إلى «قنبلة موقوتة قابلة للانفجار داخل المجتمع الألماني مستقبلاً في صورة أجيال شديدة الانفلات والتحلل من كافة المعايير».

وأرجع د. كرستيان فايفر رئيس معهد بحوث الإجرام في ولاية سكسونيا السفلى الألمانية، المشارك في الدراسة، أسباب التهرب والتسرب من المدارس الألمانية إلى تحول الحصص الدراسية إلى «شيء آلي ممل ينفر منه التلاميذ»، وإلى افتقاد الإدارات التعليمية الألمانية لأي أهداف أو حوافز مبتكرة.

وأشار أيكنجر أيضًا إلى «وضع التلاميذ الأذكياء والأغبياء في فصل واحد دون مراعاة التمايزات الذهنية والقدرات العملية بينهم». وأضاف أيكنجر سببين آخرين هما: «مجيء قسم من التلاميذ المتهربين والمتسربين من التعليم من أسر تعاني من الخلافات العائلية، وتمزق غالبية التلاميذ بين المواعظ الأخلاقية التي يسمعونها في المدارس وما يرونه من تحلل من جميع القيم والأعراف داخل المجتمع».

و تؤكد الدراسة على أن حضور التلاميذ فصولهم الدراسية يمثل أول شرط لإقامة نظام تعليمي سليم وأنه عندما يتغيب الطلبة عن حضور المدرسة، فإن جميع أطراف العملية التعليمية يخسرون. فالطالب يخسر الفوائد التي يوفرها له المدرس، والمدارس والدوائر التعليمية تخسر ماديا والمجتمع يعاني من الزيادة في معدلات الجرائم التي يرتكبها القُصّر.

فبجانب الخسارة التعليمية التي يتكبدها الطالب جراء عدم حضوره إلى المدرسة، فإن المدارس التي تعاني من نسب غياب عالية لا تتلقى الدعم المالي المفترض من الجهات المعنية بسبب عدم حضور الطالب إلى المدرسة مما يعني انتفاء الحاجة إلى الدعم المادي والخدمي. ولا شك أن مثل هذا الدعم المادي مهم للغاية لتوفير الخدمات التعليمية والترفيهية التي يحصل عليها الطلبة والتي تؤثر بالسلب أو الإيجاب في مشوارهم التعليمي.

معدل الجريمة

وتشير الدراسات المختلفة إلى أن التلاميذ المتهربين من المدارس يساهمون في زيادة معدل الجريمة في أي مجتمع. كما أن هؤلاء المتسربين من الدراسة يقعون ضحايا لعصابات المخدرات وغيرها من آفات المجتمع. وتقدم الدراسات والبحوث التي تُجرى في هذا الشأن عددا من المقترحات التي من شأنها أن توفر الرادع والحافز للحد من ظاهرة التسرب من المدارس بشكل عام.

من ضمن تلك الاقتراحات التشديد على التعليم الإجباري بشكل واضح وصريح لهؤلاء الذين تتراوح أعمارهم من 6 إلى 18 عاما ومنع منح رخص القيادة لكل من يتخلف عن الدراسة .

وحبس وتغريم الآباء الذي يثبُت تساهلهم مع الأطفال الذين يمتنعون عن حضور فصولهم الدراسية وتقليص نسب الإعانة الاجتماعية التي تحصل عليها أي عائلة يثبت أن لديها أطفالا يتغيبون عن الدراسة لأسباب غير مقبولة وتغليظ العقوبة ضد الآباء الذين يرتكب أولادهم المتسربون من المدارس جرائم أو يساهمون في إفساد المجتمع وإلغاء تصريح العمل الذي يحصل عليه الطالب الذي يثبت عدم حضوره فصوله الدراسية عمدا.

وأفادت الدراسة أن التغيب الدراسي يهدد قوام القوة العاملة في أي مجتمع ومن شأنه أن يُضعف البلد المعني اقتصاديا في حال الفشل في السيطرة على الظاهرة بشكل فعال.

الفقر والغياب صديقان

شددت الدراسات على أهمية تشجيع الأطفال على تطوير عادات دراسية جيدة، مثل الحضور إلى مدارسهم في الأوقات المناسبة يوميا من أجل الحصول على أكبر فائدة تعليمية ممكنة.

وبينت أن هناك علاقة وثيقة بين الفقر والغياب عن المدرسة، وأن العائلات التي يكون فيها الآباء غير متعلمين تعاني الفقر أكثر من غيرها، وأن 90% من الوظائف في القرن الواحد والعشرين ستتطلب على الأقل حصول الشخص على شهادة التعليم الثانوي وأن نسبة عالية من الذين ينقطعون عن التعليم الثانوي يقل دخلهم المادي طوال عمرهم المهني عما يكسبه خريجو الجامعات أو الذين يتلقون تدريبات مهنية أو أكاديمية بعد مرحلة التعليم الثانوي بنحو 800 ألف دولار في المتوسط