يشكل التخصص الأكاديمي واختيار الكلية العلمية التي تحدد ملامح الحياة العملية والمهنية بعد الثانوية عبئاً ثقيلاً يؤرق بال الطلبة وأولياء الأمور ويأخذ حيزاً كبيراً من الوقت والجهد لتحديد الخيار (الصعب) الذي تؤثر فيه معطيات كثيرة منها على سبيل المثال:

معدل الثانوية العامة وسياسة القبول الجامعية إضافة للإمكانات المادية وحاجة سوق العمل لبعض التخصصات العلمية كما تلعب الظروف الاجتماعية والنفسية والثقافية دوراً كبيراً ومباشراً

مع نهاية امتحانات الثانوية العامة ومع بداية الحياة الجامعية يقف الطالب حائراً متسائلاً: هل الكلية أو التخصص الذي اخترته وفكرت به يناسب ميولي وقدراتي؟ وهل سيحقق طموحاتي وأحلامي التي بنيتها؟ وهل المعلومات التي حصلت عليها عن الكلية أو التخصص كافية لاتخاذ القرار المناسب؟ وهل يتماشى وحاجة سوق العمل..؟

أسئلة كثيرة يطرحها طلبة الثانوية عند اقترابهم من أبواب الحياة الجامعية حملت انعكاساتها السطور التالية:

تقول أسماء صقر الظاهري أخصائية إرشاد مهني في جامعة الإمارات: إن الدراسات أثبتت أن نحو 40 بالمئة من الطلبة الجامعيين في مختلف الجامعات يغيرون مجال دراستهم الجامعية بعد السنة الأولى مما يؤثر سلباً على الطالب وحياته الجامعية.

فهذا التخطيط غير الجيد من المرحلة الثانوية يؤدي إلى هدر الوقت والجهد والقلق والتوتر نتيجة عدم الاستقرار على التخصص وأحياناً يدفع البعض لترك الجامعة وقد ينتقل الأثر السلبي للاختيار غير الصحيح للتخصص إلى سنوات العمل التي قد تتصف بعدم الاستقرار وضعف الرضا الوظيفي،

وأشارت إلى أن ما يحدث للطالب من عدم مقدرة على اتخاذ القرار الصائب يعود لأسباب عديدة أهمها عدم وجود إرشاد مهني بالمدارس من شأنه توجيه الطلبة إلى الوجهة الصحيحة في مستقبلهم المهني من خلال مساعدتهم للتعرف على أهم قدراتهم وميولهم واهتماماتهم وبالتالي التخصص الأنسب لهم.

دور الأسرة

وتضيف أسماء الظاهري: إن الأسرة تلعب دوراً مهماً في تحديد اختيار الطالب للتخصص الجامعي والمهني بعد نيل الثانوية العامة، مشيرة إلى أنه من خلال الربط بين الدراسة الجامعية والمستقبل المهني وعلى ضوء حاجة سوق العمل تبين من خلال دراسة أجريت أن 35 بالمئة من الطلبة قد تأثروا بتوجيهات وإرشادات أولياء الأمور في تحديد مساراتهم الأكاديمية من خلال الاختيار بين الفرعين العلمي والأدبي،

أما الطلبة الذين اختاروا مجالات التخصص الجامعي بناء على ميولهم وقدراتهم فقد بلغت نسبتهم 63 بالمئة، فيما بلغت نسبة الذين اختاروا مجال التخصص لسهولة الحصول على وظيفة بعد التخرج 67بالمئة. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الطلبة الجامعيين يربطون بين الدراسة الجامعية والوظيفة المستقبلية أو التخطيط المهني إلا أن أكثرهم لا يفكر في استكشاف ما هو متاح من مهن أوظائف خاصة طلاب صفوف المرحلة الأولى الذين يعتبرون الخوض في هذا الموضوع متروكاً فقط لطلبة السنوات الأخيرة.

وأشارت أسماء إلى أنه من الواضح خلال الدراسات التي أجريت أن النجاح في بعض المجالات المهنية يتطلب التخطيط المبكر والذي يفرض على الطالب دراسة مقررات بعينها بل حتى الساعات التي يختارها الطالب كمساقات حرة، والأنشطة اللاصفية يمكن ان يخطط لها كي تعضد فرصة النجاح خلال السنوات الدراسية وفيما يليها من مجالات مهنية وقد ينتقل الأثر السلبي في اختيار التخصص الذي لا يتناسب مع الطالب الجامعي إلى السنوات المقبلة في العمل والتي تتصف بعدم الاستقرار وضعف الرضا الوظيفي.

وعن دور الأسرة في التأثير على طبيعة التخصص الذي يختاره الطالب فالتأثير يبدأ منذ المرحلة الثانوية حيث يدفع أولياء الأمور أبناءهم نحو المسار العلمي أو الأدبي بمختلف أنواع التحفيز والتشجيع وقد يعرض الآباء والأمهات على أبنائهم وبناتهم نماذج من الأسر في المجتمع للاقتداء بهم بل قد يمثل الآباء والأمهات أنفسهم ذلك النموذج أو ربما يسعون لتحقيق ما كانوا يحلمون به من نجاحات في مجالات محددة ومحمودة وللتخفيف من الضغوطات على كاهل الطالب بالاستمرار على قراره الذي اتخذه أو يريد تغييره .

تقول أسماء ما عليه إلا القيام ببعض الأمور البسيطة قبل دخوله الجامعة من خلال الحصول على معلومات كافية عن الكلية أو الجامعة التي يفكر بها وتخصصاتها وأهم التطورات بالمؤسسة التعليمية وذلك عن طريق القيام بزيارة للمؤسسة أو الاتصال بها هاتفيا وكذلك التعرف على سوق العمل والفرص المتاحة لكل تخصص وعمل تقييم ذاتي للكفاءات الفردية وقدراته التي بحاجة لتطوير.

الإرشاد المبكر

بعد بدء الدراسة الجامعية قد يشعر الطالب بعدم الارتياح والاقتناع بالقرار الذي اتخذه وفي هذه الحالة بإمكانه طلب مساعدة من الإرشاد المهني، فبرنامج واحة المهن في جامعة الإمارات يعد حلا مناسبا للعديد من المشاكل التي قد تواجه الطلبة ويتيح البرنامج فرصة الحصول على معلومات عن التخصصات ذات الأهمية، لافتة إلى أنه يجب على المؤسسات التعليمية أن تبذل جهدا اكبر في الاهتمام بالجانب المهني للطلبة قبل دخولهم الجامعة بهدف تفادي الكثير من المشاكل التي تترتب على الاختيار الخاطئ للتخصص ولتسهيل الحياة العلمية الجديدة للطالب.

دور الأصدقاء

أما بخصوص العوامل الأخرى المؤثرة على اختيار التخصص الأكاديمي للطالب يؤكد حسن الصرد موجه مادة الكيمياء في منطقة العين التعليمية أن هناك دوراً يلعبه الأصدقاء في تحديد الخيار والذي يبدأ منذ المرحلة الثانوية، مشيراً إلى أن ما يحدث للطالب من عدم مقدرة على اتخاذ القرار الصائب يعود لأسباب عديدة أهمها عدم وجود إرشاد مهني بالمدارس تعمل على توجيه الطالب الوجهة الصحيحة لمستقبله المهني من خلال مساعدته على التعرف على أهم قدراته وميوله واهتماماته

وبالتالي التخصص الأنسب له من أجل تحديد الجهة نحو المساق العلمي أو الأدبي خاصة إذا كان الطالب لم يحدد بعد رغبته وينعكس ذلك على التخصص الجامعي بعد الثانوية وكذلك الحياة المهنية والعملية في اختيار بعض الوظائف السهلة أو السريعة والتي لا تحتاج إلى عناء أو تعب وقضاء سنوات عديدة على مقاعد الدراسة.

إضافة لذلك برز أيضاً دور العامل الاقتصادي كأحد العوامل المهمة في تحديد جهة الطالب لدخول الجامعة حيث يفضل بعض الطلبة التخصصات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بمجالات مهنية محددة تتصف بتوفير فرص أكبر في سوق العمل مثل الدراسات الطبية والهندسية والمحاسبة وكذلك اختيار الكليات إلى تقود إلى وظائف حكومية تكفل الاستقرار والأمان الوظيفي.

الكفاءات الفردية

ويقول الدكتور عبد اللطيف حيدر عميد كلية التربية في جامعة الإمارات: من العوامل الأخرى هناك عامل الكفاءة الفردية الذي يتكون من مجموع القدرات والميول الشخصية التي يتصف بها الطالب حيث أثبتت الدراسات أهمية التوافق بين الكفاءة الفردية للطالب ومتطالبات التخصص الذي يختاره حيث إن انعدام التوافق يؤدي في كثير من الأحيان إلى ضعف الأداء وربما الفشل في إكمال البرنامج الدراسي كما ينتقل ذلك إلى العمل خاصة في الوظائف التي تتطلب توافر سمات شخصية أو قدرات ذاتية

سياسة القبول الجامعي

أما عن دور سياسة القبول في الجامعة فيقول الدكتور عبد الله الخنبشي نائب مدير الجامعة يتم القبول في التخصصات المختلفة للكليات والأقسام وفقا للسياسة التي يضعها مجلس الجامعة في هذا الشأن في حدود الأعداد المقررة ووفق سياسة مدروسة ويرتبط القبول بالجامعة وتوزيع الطلبة على التخصصات بأولوية خطط التنمية الوطنية الشاملة الاقتصادية والاجتماعية من القوى البشرية المؤهلة جامعيا

وتتم عمليات القبول بالتنسيق بين إدارتي القبول والتسجيل بالجامعة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتضع الجامعة بعض الشروط الخاصة بها لالتحاق الطلبة في كل عام تحدد الحد الأدنى لمعدل الدرجات في الثانوية العامة والذي تقبل على أساسه أوراق الطلبة المتقدمين لمختلف الكليات.

وأشار الخنبشي إلى أن الإرشاد الأكاديمي الذي يبدأ في المرحلة الثانوية يلعب دوراً مهما بتوجيه طلبة الثانوية العامة وتزويدهم بالمعلومات الضرورية لاتخاذ القرار المناسب كما تقوم الجامعة بتقديم الإرشاد الأكاديمي للطلبة المستجدين لمساعدتهم على التكيف مع أنظمة الجامعة ولوائح المرحلة الانتقالية عند بدء دراستهم

بحيث تتم عملية الإرشاد وفق برنامج واضح يراعي التوفيق بين ميول الطلبة والبرامج التي تطرحها الجامعة وحاجة المجتمع وسوق العمل من مختلف التخصصات ويقدم البرنامج للطلبة المعلومات اللازمة التي تساعد الطلبة على اختيار ما يناسب قدراتهم العلمية والتخصصات المتاحة إضافة إلى التكيف النفسي والاجتماعي للطلبة بشكل يضمن التوافق الأكاديمي والشخصي لتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

وأشار نائب مدير الجامعة إلى أن قطاع شؤون الطلبة يقوم بالإرشاد الجامعي المبكر لطلبة الثانوية العامة من خلال برنامج الزيارات للمدارس لتعريف الطلبة بالتخصصات المتاحة وتقديم المعلومات التي تساعد الطلبة على اختيار التخصص الذي يتلاءم و القدرات والميول الشخصية مما يساهم أيضا بتوفير القوى البشرية المواطنة المؤهلة في النواحي النظرية والتطبيقية والتقنية للمشاركة في المجالات المختلفة لخطط التنمية في الدولة.

معارض التدريب والتوظيف

وأشار علي المراغي مدير إدارة شؤون الخريجين إلى أن الجامعة حرصت ومنذ عدة سنوات على تنظيم المعرض السنوي لفرص التدريب والعمل بالتعاون مع عدد من شركات القطاعين العام والخاص بهدف تعريف طلبة الثانوية العامة على التخصصات الأكاديمية المطلوبة والمزايا التي تقدمها تلك الشركات لموظفيها وكذلك فرص التدريب المتاحة أيضاً لتطوير القدرات والمهارات والخبرات التي يتطلبها سوق العمل إضافة لعرض بعض فرص التوظيف التي تسعى إليها الشركات من خلال اللقاء مع الطلبة.

وأشار الدكتور نبيل البستكي رئيس وحدة التدريب العملي ومشاريع التخرج في كلية الهندسة في جامعة الإمارات إلى أهمية التعاون بين مؤسسات القطاعين الخاص والعام بدعم وتشجيع الطلبة على دراسة التخصصات العلمية التي يحتاجها سوق العمل وتوفير الرعاية للطلبة المتفوقين من خلال برنامج المنح وكذلك التعاقد مع الطلبة من ذوي التخصصات المهنية العملية

وهذا ما يشجع الطلبة على اختيار التخصص المرغوب لاسيما حال توفير فرصة التوظيف المناسبة بعد التخرج وهذا ما تسعى إليه الجامعة حاليا من عقد ورش عمل إرشادية مع ممثلي الشركات والمؤسسات للتعرف على إمكانات الطلبة وكذلك مستوى المخرجات وقد ساهم ذلك في تشجيع الطلبة على تحديد تخصصاتهم على ضوء ذلك.

العين ـ داوود محمد: