نشأته في بيت تربوي ودراسته في المدارس العسكرية كان لها أكبر الأثر في نجاحه الأكاديمي وأخذه لمستقبله ومسؤولية خدمة بلاده على محمل الجدية، الدكتور عادل الشامري جراح القلب الإماراتي ورئيس البرنامج الوطني لتنمية الكوادر الطبية والمهنية العاملة في الدولة، يمضي جل وقته في العمل التطوعي وتطوير العاملين في المجال الطبي في الدولة لقناعته بمدى الحاجة لدعم هذا المجال والنهوض به.
وقال الشامري إن الاهتمام والتطور الكبيرين اللذين يلقاهما الحقل الطبي في الإمارات بفضل التوجيهات الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، والدعم اللامحدود من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للكوادر الوطنية وتشجيعها على الانخراط في شتى المجالات الطبية وتسخير كافة الامكانات المطلوبة لخدمة ذلك.
حياته حافلة بالدراسة والعمل والسفر والتنقل للوصول لمستويات أكاديمية عالية في مجال الطب واكتساب خبرات من أرقى الدول المتقدمة في علوم الطب، ومن ثم العودة إلى الوطن لإفادة أبناء بلده والاهتمام بجوانب التدريب والعلاج للمحتاجين داخل الدولة وخارجها .
نشأ الدكتور الشامري في عائلة تربوية، فوالده أحد رواد التعليم في المدارس العسكرية حيث كان مديرا لمدرسة عسكرية، والتحق الشامري بالمدارس العسكرية في سن الثلاث سنوات لينهي المرحلة الثانوية في الخامسة عشرة من عمره،
وقال الشامري عن تلك الفترة إنها السنوات التي وضعت الأساس الصحيح لبقية حياته لأن التربية العسكرية تعلم الفتى العديد من المبادئ المهمة والسلوكيات السليمة حيث تعلم الانضباط وروح المنافسة والعمل بروح الفريق وتحمل المسؤولية والاعتماد على الذات وتقدير الوقت والاصرار على النجاح والأهم من ذلك حب الوطن والولاء له والتفاني لرد جميله.
أول طبيب مواطن
وكان الشامري من الأوائل في الثانوية العامة والتحق بجامعة الإمارات حيث درس سنتين تمهيديتين في كلية الطب، بعدها حصل على منحة للدراسة في جامعة الخليج العربي في مملكة البحرين الشقيقة وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم الطبية وبكالوريوس في الطب والجراحة
وكانت المنحة بتوجيهات من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في إطار دعمه للطلبة المتفوقين والمتميزين، وبعدها تمكن من الحصول على موقع وظيفي في جامعة «ماجيل» في مونتريال في كندا حيث أكمل هناك الدبلوم العالي في الجراحة العامة، وبعدها كان التحاقه بجامعة أوتاوا ومركز القلب التخصصي في كندا وأكمل للحصول على البورد الكندي أو الدكتوراه في جراحة القلب كأول طبيب مواطن يحصل على هذا المؤهل من كندا.
تخصص مزدوج
لم تقف المسيرة التعليمية لأن الطبيب يبقى يتعلم طوال حياته كما يذكر الدكتور الشامري حيث قرر بعد الدكتوراه المواصلة والتخصص في مجال العناية المركزة أحد أندر التخصصات في الإمارات والعالم العربي لحاجته إلى مهارة ودقة وخبرات معينة وبالفعل حصل على الدكتوراه في هذا التخصص وبذلك كان أول جراح في أميركا والشرق الأوسط يحصل على تخصص مزدوج ودرجتي الدكتوراه في الجراحة والعناية المركزة.
التأهيل الطبي
يرى د. الشامري أن التخصص الطبي من التخصصات الفريدة والمميزة وخاصة تخصص جراحة القلب والعناية المركزة اللذين يتطلبان مهارة وخبرة عاليتين، والأهم المتابعة والتدريب المستمر على كل ما هو جديد حيث أن التأهيل في مجال جراحة القلب يحتاج لما يزيد على 16 عاما بمعدل ثماني سنوات دراسة جامعية ومثلها دراسة تخصصية.
وهذا استثمار كبير في حد ذاته حرصت على تشجيعه قيادتنا الحكيمة في الدولة إيمانا منها بأهمية الاستثمار في الموارد البشرية لأنها الدعامة الأساسية في التطوير وعلينا كمواطنين الاهتمام بالتخصصات الفنية ومنها الحقل الطبي واختيار التخصصات الطبية النادرة التي تخدم البلاد وتقديمها بشكل يوازي مثيلاتها عالميا.
وقال إنه كان لدعم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد الأثر الأكبر في مواصلته لمسيرة النجاح والحافز الأساسي لمواصلته مشواره الطويل الشاق للوصول لهذه المرحلة من التخصص والتمكن من رد الجميل لهذه الأرض الطيبة.
موقف شخصي
ما ألم بزوجته خلال حملها كان السبب وراء دخوله عالم الجراحة حيث يقول الدكتور الشامري، فأثناء دراسته في مرحلة الامتياز في الجامعة أصيبت زوجته بالزائدة الدودية وكانت حاملا في الشهر الخامس فأجرى لها أستاذه جراحة عاجلة وقام الشامري بمساعدته فيها وكان للتدخل الجراحي السريع فضل كبير في نجاة الجنين وتعافي زوجته وقد ترك ذلك الحادث في داخله انطباعا بأهمية الجراحة في إنقاذ حياة المرضى فكان ذلك نقلة نوعية لاختياره تخصص الجراحة.
المجموعة الإماراتية
ويعتبر جراح القلب الإماراتي أن الانجازات الأكاديمية اذا لم تقابلها انجازات عملية لا تعد إضافة لصاحبها لذا بدأ منذ عودته من الخارج عقب سنوات من الدراسة والعمل لكسب الخبرة وبدعم قيادات الدولة العمل على تقديم كل ما من شأنه إفادة الكوادر الطبية المواطنة لرفع مستوى الخدمات الطبية في الدولة
فكان تأسيس «المجموعة الإماراتية العالمية للقلب» وهي عبارة عن مؤسسة غير ربحية تطوعية تعد الأولى من نوعها على مستوى العالم وتضم نخبة من جراحي القلب العالميين لتقديم خدمات علاجية وطبية وتدريبية للفقراء والمحتاجين وذلك بدعم ورعاية سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وتحت مظلة هيئة الهلال الأحمر
وقد مر ثلاثة أعوام على تأسيسها تم خلالها انجاز المئات من عمليات القلب المفتوح وتقديم علاجات وأدوية مجانية وتدريب مئات من الكوادر الطبية المهنية ونالت تكريمات من رؤساء ووزراء في مختلف الدول كما حصلت على جائزة الشارقة للعمل التطوعي،
ومن خلال هذه المجموعة تم استقطاب أبرز الكوادر من المتطوعين للعمل في «مركز جراحة القلب» الذي أسس في مستشفى زايد العسكري للعمل ومن خلال المركز أجريت 250 عملية قلب مفتوح،80 في المئة من تلك الحالات كانت لمواطنين وبالتالي كان الحد من السفر إلى الخارج لتوفر تلك الخدمات الطبية في الدولة.
دعم للمحتاجين بلا حدود
ويتحدث الدكتور عادل عن مشروع البرنامج الوطني لتطوير مهارات الكوادر الطبية الوطنية والذي يهدف إلى صقل مهارات وأداء الكوادر الوطنية الطبية من خلال برامج تدريبية تخصصية بالتعاون مع أبرز الجامعات ومراكز التدريب العالمية ويعد الأول من نوعه على مستوى الإمارات والشرق الأوسط يقدم برامج تدريبية باستخدام تكنولوجيا التدريب الطبي وأجهزة المحاكاة،
وخلال سنتين من إطلاقه تم تدريب ما يزيد على 3 آلاف طبيب وممرضة، ومنحهم شهادات دولية إضافة إلى تأهيل طاقم طبي وطني ليكون بمثابة نواة تدريبية داخل الدولة ضمن خطة مدروسة على مدار السنة، مشيراً إلى أن ثمرة المشاريع والبرامج السابقة أفرزت فكرة جديدة تمثلت في مشروع « تدريب بلا حدود» الأول من نوعه على مستوى العالم
وفي إطار تطوعي بهدف نقل تكنولوجيا التدريب الطبي التخصصي إلى الدول العربية والإسلامية غير القادرة على تدريب كوادرها الطبية نظرا لكون عمليات التدريب مكلفة وتتطلب الملايين وهناك العديد من المراكز الطبية في الدول العربية التي تفتقر للمقومات المطلوبة للتدريب من الناحيتين البشرية والمادية،
وهذه من المبادرات المتميزة لدولة الإمارات التي عودتنا على أنها سباقة في مد يد العون محليا وإقليمياً وعالميا لكل محتاج، وقد تم للآن إنهاء برامج تدريبية من خلال تدريب بلا حدود في كل من مصر والأردن والسودان والمحطات المقبلة تشمل كلا من سوريا وباكستان وهناك دعوات تلقاها البرنامج من العراق وفلسطين وغيرها.
الزوجة «دينامو» الأسرة
بكل ثقة وفخر تحدث جراح القلب الإماراتي عن زوجته وأولاده مؤكدا أن المرأة هي المحرك والدينامو الأساسي لنجاح أي أسرة مشيراً إلى أنه متزوج ولديه أربعة أبناء، هم عبدالله، وفهد، ومحمد، والعنود، وأنه لا يمتلك الوقت الكافي للجلوس مع أبنائه بسبب طبيعة عمله والبرامج التدريبية التي يشرف عليها حتى أنه لا يمتلك هوايات كبقية الأشخاص بل يقضي وقته بعد انتهاء عمله في المستشفى في العمل التطوعي الذي يحبه ومساعدة المرضى المحتاجين من خلال المشاريع التطوعية،
لذا وكما يقول فان المسؤولية الكبرى تقع على زوجته في رعاية أبنائه حيث يمضي معهم نصف يوم نهاية كل أسبوع بينما الزوجة ترافقهم يوميا وتتابعهم وهو ممتن
لها ولدعمها لنجاحه
ويحرص الشامري على عدم إجبار أحد من أبنائه على دراسة تخصص الطب مثله ولكنه يهتم بتوجيههم نحو التفكير في التخصصات الفنية التي يحتاجها الوطن لأن الأعمال الإدارية كثيرة ولابد من معرفة حاجات البلاد المستقبلية، ولكنه لمس لدى ابنه الأوسط فهد ميولا نحو المجال الطبي،والأهم امتلاكه لمهارات ومقومات شخصية وعلمية تؤهله لذلك لذا سيعمل على دعم هذا الميل لديه مستقبلا .
قناعة الدكتور عادل بالمرأة نبعت من البيت الذي تربى فيه، فالدور الذي لعبته والدته في تربيته وإخوته وتعليمهم حتى وصلوا إلى مراكز علمية ووظيفية مرموقة لا يغيب عنه،مشيراً إلى أن والدته لم تكن متعلمة وغير قادرة على القراءة والكتابة ولكنها التحقت بمراكز محو الأمية التي أسست بتوجيهات أم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك- حفظها الله-
حيث كانت نموذجا للإصرار على نيل العلم والنجاح، ويذكر أنه كان ووالدته يدرسان في المرحلة الابتدائية ذاتها، هو في الفترة الصباحية وهي في المساء وكانت باستمرار تشجعه وإخوته على العلم وجعلت من ذاتها مثالا لهم . لذا يرى الدكتور عادل أن الأم الصالحة تصلح معها الأسرة وتنشأ بشكل ناجح ومعطاء لأن الأم رمز الحب والعطاء والتفاني.
أداء متميز
ـ حصل الشامري على العديد من الجوائز العلمية عالميا ومحليا وأبرزها شهادة الأداء المتميز من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إضافة الى جائزة راشد للتفوق وكذلك العديد من شهادات التكريم من أبرز الجامعات الأميركية والكندية.
ـ الطموحات المستقبلية، يطمح الشامري مستقبلا إلى تأسيس مركز متخصص ومتكامل في جراحة القلب ويضم برنامجا لزراعة القلب الصناعي وإدخال تكنولوجيا جراحة القلب بالمناظير بالتعاون مع خبراء عالميين ومختصين، إضافة إلى تأسيس عيادات تخصصية للقلب لتقديم خدمات مجانية للفقراء والمحتاجين على مستوى العالم.
ـ هناك اهتمام بالطلبة من خلال خطة للشراكة مع الجامعات لإفادة طلبة الطب وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في البرامج التطوعية لاكتساب الخبرة والاحتكاك بالخبراء والأطباء العالميين في المجال الطبي.
ـ دعم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان كان وراء إصراره على النجاح وكذلك التطور الذي يحظى به القطاع الطبي اليوم، بينما كان لدعم هيئة الهلال الأحمر الإماراتي متمثلا في رئيسها سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان الأثر الكبير في تنمية الحس التطوعي والإنساني لديه.
الرفاهية تغيّر وجهات الشباب
حول إشكالية قلة الإقبال على الحقل الطبي من قبل الكوادر الوطنية، أوضح الدكتور الشامري أنه في الإمارات ودول الخليج بشكل عام تسببت الرفاهية والطفرة الاقتصادية في توجه وميل العديد من الشباب إلى الأعمال الإدارية والمناصب القيادية خاصة أن لها مردودا ماليا أكبر من المردود المالي الذي كان يحصل عليه الأطباء والاستشاريون،
إضافة إلى طبيعة تلك التخصصات التي تحتاج إلى جهد كبير وعمل شاق ومتابعة مستمرة حيث يتحمل الطبيب مسؤولية حياة إنسان، ولكن في الآونة الأخيرة وبدعم قيادات الدولة تم استحداث مناصب للكوادر الطبية وهناك توجهات لتعديل المردود المالي لهم سواء للأطباء أو الممرضين لتشجيع الكوادر المواطنة على العمل في هذا الحقل، ولابد من الاهتمام بتوجيه الشباب مستقبلا نحو الوظائف الفنية لأن هناك استنزافا يحدث للموارد البشرية في المناصب والأعمال الادارية وهذا يمثل إحدى عقبات التنمية
أبوظبي ـ لبنى أنور:


