تسيطر على طلبة الثانوية العامة حالة من الحيرة و«التوهان» لعدم وضوح رؤية وجهتهم العلمية القادمة، وهو ما يضطرهم أحياناً لاختيار تخصص لا يتوافق مع رغباتهم نتيجة الضغوط التي تحيط بهم وتدفعهم إلى اتخاذ قرار خاطئ تكون له تأثيرات سلبية على مستقبلهم.
من المؤكد أن غياب منظومة محددة للإرشاد الأكاديمي والمهني لطلبة المدارس والجامعات سبب رئيسي في هذه المشكلة التي تعرقل مسيرتهم العلمية حسب ما أكده عاملون في الميدان التربوي ومتخصصون في الإرشاد، حيث شددوا على أهمية وجود أشخاص مؤهلين يستطيعون قراءة مهارات الطلبة ويدفعونهم إلى التخصص الجامعي السليم الذي يمهد السبيل لدخولهم سوق العمل بقوة.
أحمد عبد الحميد اليحيى مدير مدرسة راشد بن حميد للتعليم الأساسي في عجمان قال إن الإرشاد الأكاديمي والمهني يكاد يكون غائبا بصورة كبيرة عن مدارسنا، على الرغم من أهميته القصوى في مساعدة الطلبة في اختيار وجهتهم العلمية التي تلائم قدراتهم، وهو ما يضر بمسيرتهم العلمية نتيجة التحاقهم بتخصصات لا تناسبهم.
وأوضح أن التقليد يعد أبرز سلبيات غياب التوجيه السليم للطلبة حيث تسيطر عليهم مع انتقالهم للمرحلة الثانوية أهواء تبعدهم بصورة كبيرة عن الواقع، وتدفعهم إلى تقليد بعضهم البعض دون النظر لقدراتهم، فعلى سبيل المثال تجد الطالب يقلد زميله ويلتحق بشعبة العلمي لمجرد رغبته في التواجد معه في صف واحد،
فيواجه صعوبات عديدة في التعاطي مع التخصص الذي اختاره نتيجة عدم مواءمته وقدراته. وأضاف أن الأسرة دورها سلبي في توجيه أبنائها للكليات المؤهلين لها عقب نهاية المرحلة الثانوية بسبب النظرة التقليدية في تفكيرهم، فبعضهم يجبر أبناءه على الالتحاق بكليات الطب أو الهندسة، على الرغم من أنهم قد لايرغبون في هذا التخصص أو يمتلكون مقوماته.
ودعا إلى ضرورة استحداث مساقات جديدة في المناهج التي يدرسها الطلبة في المدارس تعرفهم بماهية الإرشاد الأكاديمي والمهني واهميته ودوره في مساعدتهم في الاتجاه الى التخصصات العلمية المناسبة.
المناهج
وأوضح عبيد حميد القعود مدير منطقة أم القيوين التعليمية أنه مع تزايد أعداد مؤسسات التعليم العالي بالدولة وتعدد التخصصات التي تطرحها لخريجي الثانوية العامة، تتزايد أهمية الإرشاد الأكاديمي والمهني للطلبة لتعريفهم بالتخصصات التي تناسب قدراتهم والتي يستطيعون من خلالها تحصيل فرص عمل ملائمة في سوق العمل، مشيراً إلى أن الإرشاد الأكاديمي والمهني متواجد على استحياء في الدولة
ففي بعض الأحيان تقوم جامعات وفي مقدمتها جامعة الإمارات بزيارات ميدانية إلى المدارس لتعريف الطلبة بالتخصصات التي تطرحها لاختيار ما يناسبهم منها، إلا أن هذا الأمر بحاجة إلى تعميمه على مستوى كل الجامعات حتى نجد في النهاية الطالب المناسب في المكان المناسب. وشدد على ضرورة أن تحتوي المناهج على مساقات تتضمن التعريف بطبيعة الإرشاد الأكاديمي والمهني ومدى أهميته بالنسبة للطلبة.
ابراهيم الحوسني مدير مدرسة حميد بن عبد العزيز للتعليم الثانوي في عجمان أكد أن الإرشاد الأكاديمي والمهني ضرورة ملحة للطلبة خاصة في مرحلة الثانوية العامة حيث يساعدهم على الالتحاق بالكليات المناسبة، مشيراً إلى أنه رغم عدم وجوده بشكل صريح في المدارس، إلا أن هناك العديد من المعلمين الأكفاء الذين يقومون به على الوجه الأكمل، فعلى سبيل المثال عندما يرى معلم مادة الرياضيات أن لديه طالبا مميزا، فإنه يشجعه على الالتحاق بكلية الهندسة.
وانتقد الحوسني ما تقوم به العديد من الأسر عندما تجبر أبناءها على الالتحاق بتخصصات دون رغبتهم ما يؤثر سلباً على مستقبلهم ويعرقل مسيرتهم التعليمية.
اختيارات خاطئة
وقال سيف النعيمي مدير مركز تخطيط وتوجيه المسار الوظيفي بهيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية أن الإرشاد الأكاديمي والمهني مهم لشريحة عريضة من أبناء المجتمع، وفي هذا الصدد يسعى مركز «مسار» لتنمية مهارات طلبة المدارس في سن مبكرة ومساعدتهم على اتخاذ القرار الصحيح المتعلق بمستقبلهم الدراسي والمهني باستخدام شبكة العلاقات الملائمة وأدوات التقييم المهني السليمة حتى يخرجوا في النهاية بقرار صائب.
وأكد أن تأثيرات غياب الإرشاد المهني تؤثر على اختيار الطلبة للتخصصات الدراسية غير المناسبة لإمكانياتهم، ومن ثم عدم القدرة على اختيار المهنة المناسبة والانتظار لفترة طويلة بدون وظيفة نظرا لضعف مهاراتهم وعدم الوعي باحتياجات سوق العمل.
وأوضح النعيمي أن «تنمية» عقدت شراكات مع العديد من مؤسسات الدولة لتفعيل التعاون فيما بينها ونشر الوعي الوظيفي للطلبة والباحثين عن عمل، حيث أفرزت إيجابيات عديدة مثل مشروع «حلقات التعليم والأعمال» الذي نظمته «تنمية» بالتعاون مع بعض المدارس وقطاعات الأعمال، فضلاً عن التحاق الطلبة ببعض فرص التدريب المتوائمة مع ميولهم المهني.
وبين أن المركز يخدم أربع شرائح رئيسية هي طلبة المدارس والكليات والجامعات والمواطنون الباحثون عن عمل والمؤسسات التعليمية ومديرو الموارد البشرية في مؤسسات القطاع العام والخاص.
وأضاف أن المركز يسعى لتقديم خدمات مهنية متميزة في مجالات التخطيط الوظيفي والمهني لجميع مواطني الدولة، أما أهدافه فترتكز على تطوير رؤية متكاملة لتخطيط وتطوير المسار الوظيفي على مستوى الدولة وذلك بالتعاون مع جهات الاختصاص الأخرى وتوعية قوى العمل الوطنية بفرص تطوير المسار الوظيفي،
إضافة إلى دعم أنشطة التوجيه الوظيفي التي تقوم بها مكاتب الهيئة الفرعية وذلك بالتنسيق مع مركز التوظيف وتنمية المهارات، إضافة إلى تنسيق وتوجيه برامج التدريب والتعليم لدى المؤسسات التدريبية والتعليمية بالدولة بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل.
وأوضح أن المركز يتكون من وحدتين أساسيتين هما وحدة التخطيط والتطوير وتتمثل أبرز مهامها في تطوير المسار الوظيفي للمواطنين الباحثين عن عمل والعاملين والطلبة وإنشاء وتطوير قنوات الاتصال والعمل المستمر مع المؤسسات التعليمية والتدريبية على المستويين الاتحادي والمحلي في كل ما يتعلق بتخطيط وتطوير المسار الوظيفي،
أما وحدة الاستشارات والتوجيه فدورها هو إعداد خطة عمل أنشطة الإرشاد الوظيفي على مستوى مكاتب الهيئة الفرعية والإشراف عليها وتنفيذ الخطط والبرامج الخاصة بالمسار الوظيفي للمواطنين الباحثين عن عمل والعاملين والتي يعدها مركز المسار الوظيفي بالهيئة، إضافة إلى تقديم الاستشارات للمواطنين الباحثين عن فرص تطوير المسار الوظيفي عن طريق الإنترنت وتنظيم محاضرات عامة بالتنسيق مع مختلف الجهات ذات الصلة بهدف تنوير القوى العاملة الوطنية بفرص تطوير المسار الوظيفي.
الدكتور حسين المطوع عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق والخبير التربوي قال إن الإرشاد الأكاديمي والمهني وجهان لعملة واحدة وهما في حاجة إلى المزيد من التفعيل، ليتمكن الطلبة من الالتحاق بالكليات التي تتلاءم وقدراتهم وهو ما يؤهلهم للوظيفة الملائمة.
واكد المطوع أن العديد من الجامعات يغيب عنها الإرشاد المهني، وهو ما يجعل الطلبة بعد التحاقهم بالجامعة لا يعرفون أي شيء عن التخصصات الموجودة بها، وتسيطر عليهم أمور ثانوية يحددون من خلالها وجهتهم كرغبتهم في الالتحاق بكلية واحدة مع أصدقائهم أو إرضاء رغبات أولياء أمورهم التي تتنافى في كثير من الاحيان مع رغباتهم، وهو ما سينعكس بشكل سلبي على تحصيلهم العلمي خلال فترة دراستهم، وسيؤدي إلى عدم تمتعهم بالخبرات الملائمة التي تؤهلهم للالتحاق بأية وظيفة بعد تخرجهم.
وأضاف أن التزام الجامعات بإجراء بعض الاختبارات للطلبة للتعرف على التخصصات التي تلائمهم يعتبر شكلاً من أشكال الإرشاد الأكاديمي الذي يضع الطالب المناسب في المكان المناسب،
وهو ما تفتقره العديد من الجامعات كما انه يلقى رفضاً من فئات عديدة من الطلبة خاصة المتفوقين الذين يجدون في هذه الاختبارات إهانة لهم على الرغم من أنها تساعدهم على الالتحاق بالتخصص الذي يستطيعون التميز فيه، ويؤهلهم بالصورة الملائمة للمنافسة في سوق العمل.
نماذج حية
قال أحمد عبد الحميد اليحيى مدير مدرسة راشد بن حميد للتعليم الأساسي في عجمان انه أجبر ابنه على الالتحاق بكلية الهندسة على غير رغبته، وعقب انتهائه من السنة التأسيسية في الكلية فوجئ به يقول انه لا يقدر على مواصلة دراسته، فقرر ترك حرية الاختيار له وأن يكون دوره فقط توجيهيا
وبالفعل تبادلا وجهات النظر واستقرا على التحاقه بكلية الشريعة والقانون وبالفعل حقق نجاحا باهراً ونجح في الحصول على وظيفة مرموقة في احدى المؤسسات الحكومية البارزة.تسيطر على طلبة الثانوية العامة حالة من الحيرة و«التوهان» لعدم وضوح رؤية وجهتهم العلمية القادمة، وهو ما يضطرهم أحياناً لاختيار تخصص لا يتوافق مع رغباتهم نتيجة الضغوط التي تحيط بهم وتدفعهم إلى اتخاذ قرار خاطئ تكون له تأثيرات سلبية على مستقبلهم.
عجمان ـ أحمد جمال:
