مع ختام هذا الكتاب يضع مؤلفه يدنا على ثلاثة موضوعات رئيسية أولها استمرار جهود التجسس الإسرائيلية على أميركا بعد سقوط الجاسوس جوناثان بولارد، وثانيها مؤشرات تورط الموساد في مصرع الأميرة ديانا.
وثالثها وأكثرها أهمية دور الموساد في العراق قبل سقوط نظام صدام حسين وبعده ليصل في الختام إلى طرح مجموعة بالغة الاهمية من علامات الاستفهام التي لا تزال تنتظر الإجابة عنها واجه العالم وجميع الأجهزة السرية واقعا جديدا بعد أكبر عملية تفجيرات يوم 11 سبتمبر 2001.
يقول مؤلف هذا الكتاب إنه على الرغم من الأطنان من المقالات والكم الكبير من الكتب المكرّسة لهذا الحدث في جميع أنحاء المعمورة يبقى هناك سؤال لا يزال من دون إجابة وهو: «ماذا كان يعرف الموساد قبل الأحداث التي أدت إلى تدمير برجي التجارة الدولية في واشنطن وانهيار البنتاغون جزئيا؟».
ويضيف: «إن بعض الضباط الكبار الذين كانوا يعملون في قسم العمليات بقيادة الموساد كانوا قادرين على الإجابة بعد مرور عام». ويشير المؤلف أنه قبل ثلاث سنوات من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 أعدّت لجنة بقيادة نائب الرئيس الأميركي آنذاك آل غور تقريرا طالبت فيه بزيادة سريعة في الميزانية المكرّسة لأمن المطارات.
ويؤكد في هذا السياق أن جهاز الموساد قدّم العديد من المعلومات لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، والجهات الحكومية الأميركية لكن جرى إهمالها من قبل إدارة بيل كلنتون وخلفه جورج دبليو بوش.
أُثيرت أسئلة كثيرة بعد 11 سبتمبر حول أسباب قلّة عدد جواسيس الاستخبارات الأميركية في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط؟ ولماذا التركيز فقط على الرقابة الإلكترونية؟
ومن المعروف أن وكالة الأمن القومي الأميركي هي أقوى جهاز للتجسس في العالم، إذ أنها تستطيع انطلاقا من مقرها الرئيسي في ولاية ماريلاند التجسس على جميع المكالمات الهاتفية في العالم بواسطة أجهزة الكترونية متقدمة جدا.
وحواسيبها الضخمة تسجل أسماء المشبوهين والكلمات الحساسة وأرقام الهواتف والعناوين الإلكترونية في العالم. ويتم بعد ذلك تحضير «قوائم مراقبة» مشفّرة يتم إرسالها عبر خطوط هاتفية محميّة إلى جميع هيئات الاستخبارات الأميركية.
لا أحد يعرف بالدقة كلفة عملية المراقبة هذه، لكن الكل يجمع على أنها تتجاوز عدة مليارات من الدولارات كل سنة. وتتمثل نقطة الضعف الكبيرة لهذا النظام في عدم الإلمام الكامل بمختلف اللغات في العالم.
ولا يكفي في نهاية المطاف إعداد قوائم وإنما ينبغي أيضا معرفة حل ألغازها. والإنسان وحده قد يكون قادرا على فهم أي حديث داخل سياقه ويعرف أدق التفاصيل التي قد تخفي حتى على أكثر أنظمة الرقابة الإلكترونية تقدما.
مغامرات طلبة الفن
في 9 مايو 2001 اقترب شابان بسيارتهما من موقع حراسة زتولك فيلدس، إحدى القواعد الجوية التابعة للحرس الجوي الوطني الأميركي، والتي كانت تضم داخلها متحفا صغيرا للطيران. كان حشد كبير من الزائرين بأتي كل عام لزيارة هذا المتحف.
وعندما طلب الحرس من الشابين إبراز هويتهما الشخصية أخرجا جوازي سفر إسرائيليين. وقدّما نفسيهما على أنهما طالبان في دراسة الفنون بجامعة القدس. سُمح لهما بالدخول لكن ضُبطا وهما يصوران الطائرات وقالا عندما جرى توقيفهما أنهما كانا يجهلان أن التصوير كان ممنوعا.
أرسلت القيادة العسكرية للمنطقة تقريرا لوزارة الدفاع الأميركية التي أرسلته بدورها إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي. كانت المفاجأة كبيرة عندما عُلم أن «طلابا» إسرائيليين يدرسون «الفن» قد قاموا بأعمال شبيهة في العديد من الولايات الأميركية الأخرى.
طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي من السفارة الأميركية في إسرائيل التحقق من حكاية «طلبة الفن» هؤلاء، وكانت الإجابة هي أن «جامعة القدس» غير موجودة أصلا، وأقرب هيئة علمية منها قد تكون الجامعة العبرية، ولكن أسماء «الطلبة» المعنيين ليست موجودة في قوائمها. واكتشف الأميركيون، بعد التحقيق، أن الهواتف النقالة التي كانت مع «الطلبة» اشتراها دبلوماسي إسرائيلي في واشنطن قبل أن يعود إلى تل أبيب.
اتصل جورج تينيت، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بأفراييم هاليفي، مدير الموساد مستوضحا، فأكد له الإسرائيلي أنه ليس هناك أية عمليات جارية آنذاك. «لقد كان يكذب».
كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، إذ كانت تلك العملية من بنات أفكاره. وأن «طلبة الفنون» لم يكونوا سوى طلبة في السنة الأخيرة من مركز تدريب الموساد كان قد جرى اختيارهم للقيام بمهمات في الولايات المتحدة الأميركية. ولم تكن تلك هي المرّة الأولى التي يتم فيها إرسال طلبة للتدرب على مثل تلك المهمات.
جرت تسريبات للصحافة، وكانت المقالات الأولى بعيدة تماما عن الواقع إذ أجرى الحديث عن «طلبة في الفن قدموا من الشرق الأوسط» وأنهم «يتحدثون اللغة العربية»، بل وجرى التأكيد أنهم ينتمون إلى «منظمة إرهابية مجهولة». وكان صحافي التحقيقات المعروف كارل كاميرون هو أول من أشار إلى أن جهاز الموساد قد يكون وراء تلك العملية.
لقد تحدث هذا الصحافي عن ذلك عبر قناة فوكس نيوز الأميركية وجوبه مباشرة بحملة عنيفة من اللوبي اليهودي في واشنطن وعلى رأسه لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية ذات الباع الطويل لدى الكونجرس وفي أوساط الاستخبارات وحتى لدى البيت الأبيض.
وعندما أطلقوا الرشقة الأولى على كاميرون أكّد في مقال آخر أن العديد من الإسرائيليين قد أخفقوا عندما تعرضوا لجهاز الكشف عن الكذب عندما سئلوا عن احتمال مراقبة النشاطات الأميركية.
وكتبت صحيفة «لوموند» في باريس أن شبكة واسعة للتجسس الإسرائيلي جرى الكشف عنها في الولايات المتحدة، وهي أكبر عملية من هذا النوع منذ عام 1985 عندما ضُبط جوناثان بولارد وهو يبيع معلومات سرية للغاية إلى جهاز الموساد.
ضاعف اللوبي اليهودي في أميركا من شراسته. ووجه اليكس سافيان، أحد مدراء لجنة دقة المقالات حول الشرق الأوسط في أميركا، الموالية لإسرائيل، للصحافي كاميرون تهمة أن له مشكلة شخصية حيال إسرائيل. فهو ترعرع في الشرق الأوسط (...). ومن الممكن أن يكون متعاطفا مع العرب.
فأجاب كاميرون: لقد عشت وترعرعت في إيران خلال عدة سنوات ذلك أن أبي كان يعمل في حقل الآثار. فهل هذا يجعل مني مناهضا لإسرائيل؟. كانت في الواقع تلك هي المرّة الأولى التي يجد كاميرون نفسه متهما بالتحيّز في أحد تحقيقاته.
وجاء على لسان مايكل ليند، أحد أهم أعضاء المؤسسة الأميركية الجديدة - هي مختبر للأفكار- ورئيس التحرير السابق لصحيفة ناشيونال انتيرست قوله: عندما يتعلق الأمر بضباط متخصصين في الشؤون الخارجية أو بتطبيق القانون أو بمسائل عسكرية، يبدو أنه من المستحيل المساس بإسرائيل من دون التعرض للتشهير بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مثل القول بالموالاة للعرب.
وأخيرا، عندما كان طلبة الفن في طائرة تابعة لشركة العال تقلهم في طريق العودة إلى تل أبيب، اختفى كل أثر للتحقيق الذي قام به كارل كاميرون من موقع الانترنت التابع لقناة فوكس نيوز الأميركية.
ووضع مكانه تنبيها يقول إن هذه القضية قد حظر الإطلاع عليها، وصرح ناطق رسمي باسم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لقد طوينا الصفحة حول هذا التحقيق. وبعد فترة قصيرة أقصى أفراييم هاليفي عن إدارة الموساد.
تحذير لأميرة القلوب
كان هاليفي قد ترك ذكرى أخرى مثيرة من فترة إدارته للموساد، إذ كان قد قرر إعادة دراسة ملف وفاة الأميرة ديانا ودودي الفايد في باريس. وبعد قراءته للملف الأول للموساد حول الحادث طلب من موريس العميل الإسرائيلي الذي شارك في تجنيد هنري بول، سائق السيارة التي تعرّضت للحادث القاتل، تقديم محضر عن اليوم الأخير لديانا ودودي.
ويؤكد الذين قرأوا هذا المحضر الجديد أنه يحتوي على العديد من الأقوال الدقيقة الجديدة بالقياس إلى الملف الأصلي للموساد؛ مثل القول أن محمد الفايد، والد عماد - دودي- كان مسكونا باستمرار بفكرة أن ديانا كانت حاملاً وأن المخابرات الأميركية والبريطانية والفرنسية كانت تراقب الثنائي العاشق منذ وصولهما إلى باريس.
ويشير المحضر أيضا إلى عدة محادثات هاتفية تضمنت احداها إنذارا من الحارس الشخصي لديانا، العامل سابقا في سكوتلانديارد، يقول لها انتبهي. ويركز تقرير موريس الجديد كثيرا على سيارة الفيات اونو البيضاء التي كانت تقف بالقرب من فندق ريتز.
وقد أكّد عدد من المصوّرين الصحافيين بعد ذلك أنها كانت تعود لجيمس اندرسون الذي تخصص بالتقاط صور لديانا وكسب من ذلك ثروة كبيرة. لكن موريس يؤكد أن اندرسون لم يكن موجودا تلك الليلة.
ويتحدث موريس عن سيارة فيات اونو بيضاء لاحقت بجنون السيارة المرسيدس التي كان يستقلها دودي وديانا ويقودها بول هنري. وبعد فترة من الحادث عُثر على سيارة من الطراز نفسه في مرآب لتصليح السيارات في باريس وقد أُعيد دهنها منذ فترة وجيزة باللون الأزرق.
وعندما كشطوا الدهان اكتشفوا أن لونها في الأصل هو الأبيض. لكن لم يذهب رجال الشرطة بعيدا في التقصّي بهذا الاتجاه. فهل كانوا يظنّون أن الأمر لا يتعلق بالسيارة التي يبحثون عنها؟
في هذه الحالة، لماذا لم يذهبوا إلى مقبرة للسيارات المحطّمة كانت موجودة في إحدى ضواحي باريس حيث كانت توجد سيارة فيات اونو بيضاء اللون محطمة إلى درجة لا يمكن التعرف عليها، كانت قد تعرّضت لحادث بعد عدة ساعات من الحادث القاتل لديانا ودودي تحت نفق ساحة آلما بباريس؟
وجاء في محضر موريس قوله حرفيا: بعد أقل من أربع ساعات من وقوع الحادث طار جيمس اندرسون فجأة إلى كورسيكا. لم يكن هناك أي سبب مهني يدفعه للقيام بذلك.
ولم تكن هناك أية شخصية شهيرة في الجزيرة آنذاك. وفي مايو عام 2000 وُجدت سيارة محروقة في غابة بالقرب من مدينة نانت، وكان السائق محروقا بداخلها. وأظهرت فحوص الحمض النووي أن الجثة هي جثة جيمس اندرسون.
فلماذا ذهب اندرسون إذن إلى كورسيكا؟ هل من أجل تلقي مبلغ مالي كبير مقابل إعارته سيارته الفيات اونو البيضاء لأحدهم؟ لكن لمن؟ ما يقوله محمد الفايد هو أن سيارة اندرسون قد أُعيرت واستخدمت من أجل إرغام هنري بول على فقدان سيطرته على السيارة المرسيدس.
لكن هناك الكثير من الأسئلة الأخرى، مثل لماذا الإهمال الكبير في تحقيق الشرطة حول موت اندرسون؟ ولماذا لم تحاول معرفة أسباب سفره إلى كورسيكا والتفتيش بدقة في حساباته المصرفية؟ بكل الحالات لم يتم التحقيق عمّا إذا كان قد وضع مبلغا كبيرا من المال في أحد حساباته بعد الحادث.
ربما أن هاليفي لن يقول أبدا ما لديه حول هذه القضية. كان قد وصل من دون ضجيج إلى رئاسة الموساد وغادره بالطريقة نفسها، ليحل محله مائير داجان الذي كان قد شارك في قمع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1991.
لقد اختاره أرييل شارون الذي ربطته به صداقة حميمة بعد مشاركتهما معا في عمليات القمع ضد الفلسطينيين في لبنان، ومنذ اللحظات الأولى لاستلامه منصبه الجديد كانت تعليماته لعملائه واضحة وهي: اقتلوا بكل الوسائل... وبكل الاتجاهات.
ما بعد صدام .
في يناير 2003 كانت إدارة جورج دبليوبوش على أهبة الاستعداد للقيام بهجوم على العراق، وفي ذلك الوقت الذي كانت تدق طبول الحرب قال الرئيس الأميركي لبعض المقرّبين منه أنه يتهيأ لرفع المنع المفروض على وكالة الاستخبارات المركزية من اغتيال صدام حسين.
وكانت قرارات المنع تلك التي أصبح ممنوعاً بموجبها على الوكالة قتل أي رئيس دولة تعود إلى الفشل الذريع الذي كانت قد عرفته محاولة اغتيال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو خلال سنوات السبعينات.
لم يتم إلغاء تلك القرارات رسميا أبدا بشكل رسمي، لكن في تلك الأيام الأولى من عام 2003 كان المحافظون الجدد الذين يحيطون بالرئيس بوش - وكان أغلبهم قد عمل مع بوش الأب - يرفعون الأنخاب للاحتفال بالموت القريب لصدام حسين.
وكان دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي، قد صرّح بأنه يحق شرعيا للولايات المتحدة اغتيال أي إنسان كان قد ساهم من قريب أو بعيد بالتحضير لتفجيرات 11 سبتمبر؛ ثم أضاف رامسفيلد قوله أن جرما آخر يقع على كاهل صدام وهو تخزينه لأسلحة الدمار الشامل.
ويشير مؤلف الكتاب هنا إلى أن كولن باول، وزير الخارجية، وجورج تينيت، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، والمحللين قد ذكّروا بإلحاح أنه ليس هناك ما يثبت بطريقة قاطعة أن لصدام روابط مع تفجيرات سبتمبر أو أنه يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وكان رامسفيلد يجيبهم باستمرار بأن مصادر معلوماته تفيد غير ذلك.
اكتشف عميل الموساد المقيم في السفارة الإسرائيلية بواشنطن أن المصدر الرئيسي الذي يزود رامسفيلد بالمعلومات هو أحمد الجلبي الذي كان قد ساهم في إنشاء المؤتمر الوطني العراقي. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن أحمد الجلبي كان أحد مخبري الموساد في العراق بعد وصول صدام حسين إلى السلطة عام 1979.
وكان مدينا بمئات الملايين من الدولارات للذين أودعوا أموالهم في البنك الذي عمل بإدارته. وكان الموساد قد نجح في سحب ودائعه منه قبل إفلاسه. وبعد فترة وجيزة وجّه محمد سعيد النابلسي، مدير البنك المركزي الأردني، تهمة للجلبي بتحويل 70 مليون دولار إلى حساب خاص باسمه في أحد البنوك السويسرية.
وصل الجلبي إلى واشنطن لحظة انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة الأميركية. ولم يكن حتى حرب الخليج الأولى سوى أحد الكثيرين من أمثاله الذين يبحثون عن مصالحهم.
لكن الحرب غيّرت المعطيات وتقرّب الجلبي باسم المؤتمر الوطني العراقي من أجواء المحافظين الجدد المحيطين بجورج دبليو بوش ومن بينهم ديك شيني وبول وولفويتز ودونالد رامسفيلد واتفق الجلبي مع هذا الأخير على القول أن صدام حسين قد يشكل خطرا على العالم كله.
والمثير للاستغراب أن الجلبي بدأ بالاطلاع على تقارير سرّية حول صدام حسين من إعداد وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي. وأشار الجلبي إلى أن تقارير الوكالة بعيدة عن الواقع.
وفي نهاية صيف 2002، قبل عدة أيام من الذكرى الأولى لتفجيرات 11 سبتمبر، أمر رامسفيلد بإنشاء وحدة خاصة في البنتاغون من أجل إعادة النظر بالمعلومات التي يقدمها الجلبي وإعادة تقويم علاقات صدام حسين بالقاعدة وتطوير أسلحة الدمار الشامل في العراق.
وضمن هذا الإطار أصبح أحمد الجلبي أحد مصادر المعلومات الرئيسية بالنسبة لرامسفيلد. وقد أثار ذلك غضب جورج تينيت، مدير الوكالة المركزية، الشديد إلى درجة أنه قدّم استقالته في أغسطس 2002، وحيث تدخل «تشيني» من أجل بقائه.
وجد مائير داجان الحظوة التي يتمتع بها الجلبي لدى رامسفيلد غريبة جدا، لاسيما وأن الملف الذي بيديه عنه يدل بوضوح على أنه لم يقدم سوى معلومات قليلة الأهمية عندما كان يتجسس لحساب الموساد في العراق. ثم إنه بعد عشر سنوات من مغادرته العراق، من المحتمل قليلا جدا أنه تكون له صلات حقيقية داخل نظام صدام حسين.
الديمقراطية والعضلات
تعرّف داجان خلال زياراته لواشنطن، كما فعل جميع مدراء الموساد، على أعضاء مهمين في إدارة بوش، وخاصة أولئك الذين ينادون بالديمقراطية ذات العضلات والذين كانوا يرددون في حديثهم ما يدل على تزمتهم الديني.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى الدور الذي لعبه القس بيل غراهام، صديق عائلة بوش منذ فترة طويلة، في حث الرئيس بوش، بعد تفجيرات 11 سبتمبر، من أجل استئصال الإرهاب باسم «الغضب العادل»، بل وقام غراهام بإهداء جورج دبليو بوش إنجيلا صغيرا كي يضعه باستمرار في جيبه.
وعلى قاعدة مثل هذا الاعتقاد الديني تحدث بوش عن «محور الشر». ويضيف المؤلف: «إن إلحاح الرئيس بوش لشن هجوم على العراق كان مرتبطا، هو الآخر، بالاعتقاد الديني المتزمت للمحافظين الجدد الذين كانوا يحيطون به».
وفي الأيام الأولى من فبراير 2003، إثر محادثة هاتفية بين آرييل شارون والرئيس الأميركي بوش، أحاط شارون داجان علما أنه اقترح مشاركة الموساد النشطة باغتيال صدام حسين، وأن بوش قد قبل ذلك الاقتراح.
بدأ خبراء الموساد بتحليل محاولات الاغتيال السابقة لصدام حسين وأسباب فشلها وحيث كان الرئيس العراقي قد تعرّض خلال السنوات العشرالأخيرة إلى 15 محاولة اغتيال.
وكان وراء بعضها الموساد أو أجهزة الاستخبارات البريطانية. ولم يستطع أولئك الذين تمّ تجنيدهم للقيام بها من اختراق إجراءات الحماية الأمنية الممتازة لصدام أو لأنهم لم يستطيعوا بكل بساطة الاقتراب إلى درجة كافية من الهدف.
كان الموساد قد قام بمحاولة أولى في نوفمبر 1992، وكان عملاؤه في العراق قد خبروا أن صدام حسين سيقوم بزيارة إلى بلدة قرب تكريت وأنه سيصل قبل حلول الليل بقليل وسيزور في اليوم التالي قاعدة عسكرية في الجوار قبل أن يعود بالطائرة إلى بغداد. وبالتالي قد يكون هدفا ممكنا في فترة ال15 دقيقة التي يحتاجها للانتقال من البلدة إلى القاعدة العسكرية.
قام الجنرال أميرام لوفين، نائب مدير الموساد آنذاك، بالإشراف شخصيا على إعداد خطة الاغتيال، ووافق بنيامين نتانياهو عليها، وقام الفريق المكلّف بتنفيذها بالتدرب عليها في صحراء النقب. وكان مقررا أن يساند قتلة الموساد فريق من 40 عضوا من الفرقة 262 من القوات الخاصة التي كانت قد شاركت في قتل خاطفي طائرة العال إلى مطار أوغندي عام 1976.
كان مقررا أن يطير القتلة على ارتفاع منخفض بحيث لا تكشفهم الرادارات على متن طائرتين من طراز «هركيوليز سي - 130» وبحيث يتوزعون على الأرض إلى مجموعتين إحداهما تتمركز على بعد حوالي 200 متر من الفيللا التي كان صدام فيها بالقرب من تكريت وبجانب الطريق الذي يُفترض أن يسلكه إلى القاعدة العسكرية الجوية.
أما المجموعة الرئيسية فتكمن على بعد 10 كيلومترات ويتم تزويدها بصاروخ خاص يستخدمه الموساد ويتم توجيهه إلكترونيا. كان يُفترض أن يقوم فريق القتلة القريب بتصوير سيارة صدام وهو يطلق النار عليها، وفي اللحظة نفسها يعطي أحدهم الإشارة لفريق الصاروخ كي يطلقه تبعا للمعطيات المقدّمة بواسطة «الكاميرات» .
وبالتالي يتم تدمير السيارة. وما يؤكده المؤلف أن هذه العملية ألغيت باللحظة الأخيرة بدفع من آرييل شارون، وزير الخارجية، وإسحاق مردخاي، وزير الدفاع، على خلفية تقديرهما أن مخاطر فشلها كانت كبيرة جدا.
بعد عشر سنوات من تلك المحاولة، التي لم تتم، بدا أن الموساد، وبدعم من واشنطن، يتردد بدرجة أقل بكثير في محاولة اغتيال صدام حسين. وكانت خطة الموساد مستوحاة هذه المرة من محاولة الاغتيال التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لاغتيال الرئيس الكوبي فيدل كاسترو.
وكان العملاء قد حشدوا عددا كبيرا من الأصداف البحرية بالمتفجرات ووضعوها في قعر البحر حيث كان كاسترو يحب الاستحمام. لقد فشلت تلك المحاولة لأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أغفلت من حساباتها التيارات القوية التي جرفت القواقع بعيدا عن المنطقة.
لكن مثل هذه التيارات لم تكن تطرح أية مشكلة بالنسبة للنهر حيث يستحم صدام، وكانت المتفجرات مصممة هذه المرة للانفجار بمجرد قيام السابحين بأية حركة.
قبل أيام فقط من تنفيذ خطة الاغتيال الجديدة انفجرت حرب الخليج ثانية، وقدّم عملاء الموساد معلومات مهمة عندها قامت الطائرات الأميركية والبريطانية على أساسها بغارات قتلت الألوف من العراقيين.
ويؤكد المؤلف أن جورج تينيت رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كان يتصل عدة مرّات يوميا بمائير داجان، مدير الموساد، ليسأله عمّا إذا كان جهازه قادرا على تأكيد حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل.
وكانت الإجابة دائما هي: «ليس بعد، ولكننا نبحث». لكن محللي الموساد كانوا قد شرحوا لداجان أنه لا يوجد هناك أي برهان قاطع على امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل.
رددت وسائل الإعلام الأميركية والبريطانية، عند بداية الحرب، تحذيرات لإشاعة الاعتقاد بإمكانية قيام نظام صدام باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد إسرائيل أو ضد قبرص، حيث تتواجد أعداد كبيرة من القوات البريطانية، أو في منطقة الخليج حيث يرابط المارينز الأميركيون، أو حتى ضد الكويت، نقطة انطلاق الهجوم على العراق. «لكن لم يحصل شيء من هذا كله، ولم تنطلق قذيفة واحدة فيها أي أثر لسموم كيميائية.
ولم يعرف تاريخ الحرب كله مثل خيبة الأمل تلك». وبعد عشرين يوما من بداية الحرب كانت المعارك قد توقفت لتبدأ حرب أخرى، أكثر فتكا، تمتزج فيها الأحقاد الدفينة والمسائل البترولية والجشع المسيطر على النفوس...
وبدأت الدماء تنزف أكثر فأكثر في العراق. كان لا بد للعراق أن يغرق في الفوضى، وليصبح الوضع اعتبارا من مايو 2003 أكثر رعبا مما كان مرعبا في ظل دكتاتورية صدام حسين.
بعد السقوط
لم يكن الموساد، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، بعيدا عن ملاحقة صدام بعد سقوط نظامه. وُضعت فرضيات كثيرة حول مكان وجوده، وليس أقلها غرابة إمكانية لجوئه إلى الأصدقاء الذين اعتمد عليهم في الماضي، أي روسيا والصين، هذا على الرغم من تأكيد البلدين رسميا أنهما لن يمنحاه حق اللجوء إليهما.
في الوقت نفسه كانت ألوف الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية تصل كل دقيقة إلى مقرات القيادات المختصة وكذلك آلاف المحادثات الهاتفية. أدركت عندها أجهزة الاستخبارات الأميركية المتنوعة مدى افتقارها إلى مترجمين يقومون ب«غربلة» تلك المحادثات. وكان بوش وبلير وشارون في حالة غضب متصاعد أمام فشل العثور على صدام أو معرفة إذا كان قد مات.
وقد كانوا يؤكدون في تصريحاتهم العلنية أن ذلك لم يكن يشكّل موضوعا ذا أهمية كبيرة فصدام لم يعد يمثل أي تهديد. لكن لم يكن هناك الكثيرون ممن يصدقون ذلك».
وكان اهتمام بوش وبلير منصبا أكثر على إيجاد أسلحة الدمار الشامل المزعومة. لكن الحقيقة تكشفت عن شيء آخر، هو أنها غير موجودة في العراق.
ولم يتردد روبن كوك، وزير الخارجية البريطاني السابق، وكلير شورت، الوزيرة السابقة في حكومة بلير التصريح أن رئيس وزراء بريطانيا قد كذب على البرلمان والشعب عندما أكد وجود مثل تلك الأسلحة في العراق.
وأثناء الأزمة كلها كان مائير داجان، لا يكف عن ترديد قوله أن الموساد «لا يزال يبحث» عن الأسلحة المزعومة، من دون إضافة شيء آخر. ولو كان يدرك حقيقة عدم وجودها.
وفي ديسمبر 2003 ألقي القبض على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين. يقول المؤلف: «لقد قبضوا عليه بسبب متطلبات المرأة الوحيدة التي كان لا يزال يثق بها أي سميرة شهبندر، الزوجة الثانية بين الزوجات الأربع».
ويضيف: «بتاريخ 11 ديسمبر اتصلت هاتفيا بصدام من مقهى للانترنت ببعلبك؛ حيث كانت تعيش في لبنان هي وابنها علي، الابن الوحيد الحي من أبناء صدام، تحت أسماء مستعارة منذ أن غادرا العراق قبل عدة أشهر من بداية الحرب». وفي بيروت تمّ رصدها ومراقبتها.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن مقرّبا من مائير داجان قد شرح له أنه «لأسباب سياسية لم تتم رسميا دعوة الموساد للمشاركة في العيد»، ويقصد ملاحقة صدام من قبل الأميركيين. وما يؤكده أيضا هو أن الموساد قد التقط يوم 11 ديسمبر 2003 مكالمة سميرة الهاتفية لصدام حسين وتمّ فيها تحديد موعد للقاء بالدقيقة والمكان.
وفي اللحظة نفسها التي كانت تستعد فيها للذهاب إلى موعدها جاءها صوت في الهاتف، ليس صوت صدام، يقول لها إن الموعد قد ألغي. وفي اللحظة نفسها أيضا كانت تلفزيونات العالم تبث صورا لاعتقال صدام في حجرةعلى عمق 5,2 متر في باطن الأرض قرب تكريت.
وعند رؤية تلك الصور طرح محللو الموساد أسئلة، لا تزال دون إجابات، مثل: من كان الرجلان المسلحان المجهولان ويقومان بالحراسة أمام الحجرة؟
هل كانا لحماية صدام أم لقتله إذا حاول الهرب؟ لماذا لم يستخدم صدام مسدسه للانتحار؟ هل منعه الجبن أم أنه كان يأمل في عقد صفقة؟ ثم لم يكن لمخبئه سوى مدخل واحد، فهل كان سجينا؟
ألم يكن وجوده حيث كان جزءاً من صفقة؟ وماذا كان يريد أن يفعل بال000 750 دولار التي وجدوها معه عند اعتقاله؟ ولماذا لم يكن معه أية وسيلة للاتصال بالخارج ولو حتى هاتف نقّال؟
فهل تجد هذه الأسئلة، وكثيرة غيرها، إجابات ذات يوم؟!