منذ بدأ عضو مجلس النواب جون مورثا بالدعوة إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق في نوفمبر الماضي، تعرض لهجمات مكثفة من قبل المحافظين المتشددين، وهي عصابة من الواضح أنها لا تعتمد إلاّ الطرق الملتوية في الهجوم على خصومها.

وشأن كل قدامى المحاربين الذين سبقوه ووضعوا موضع التساؤل الذريعة التي استخدمت لشن الحرب على العراق أو التنفيذ الفعلي لها، فإن مورثا قد تمت إدانته باعتباره خائناً، جباناً، انهزامياً وكاذباً.

وقد وصف البيت الأبيض موقف مورثا من الانسحاب بأنه «استسلام للإرهابيين»، وبالطبع تعرض محارب المارينز السابق البالغ من العمر 83 عاماً للتشكيك فيه إلى أبعد الحدود وتساءل منتقدوه عن وجاهة منحه وسامي القلب الأرجواني اللذين يحملهما، وهو تساؤل لا أساس له على الإطلاق.

وقد وضع مورثا نفسه في موقف حرج مرة أخرى في منتصف مايو الماضي عندما كشف عن تفاصيل ما يبدو أنها جرائم حرب ارتكبها المارينز الأميركيون في مدينة حديثة العراقية بقوله: «كانت ردة فعل قواتنا مبالغاً فيها للغاية بسبب الضغط الكبير الذي تعرضت له. وقد قتلت مدنيين أبرياء بدم بارد».

وبينما كانت أجهزة الإعلام قد أثارت بالفعل شكوكاً حول تقارير ميدانية مبكرة عزت الخسائر في صفوف المدنيين في الحادثة التي وقعت 19 نوفمبر إلى قنبلة حارقة زرعها مسلحون، فإن مورثا كان أول عضو مجلس النواب الأميركي يؤكد علناً مصداقية التقارير التي كشفت هذه الفظائع، ومنذ ذلك الحين أقر مسؤولون رفيعو المستوى بإجراء تحقيقين منفصلين حول هذه الحادثة.

حيث يقوم الجنرال إيلدون بارغويل بالتدقيق في التقارير الميدانية غير الدقيقة، في الوقت الذي تقوم فيه هيئة البحث الجنائي التابعة للبحرية الأميركية في مقتل المدنيين العراقيين البالغ عددهم 24 شخصاً. وهذا التحقيق الأخير قد يفضي بحسب ما أوردته الأنباء إلى توجيه اتهامات بالقتل.

ومع ذلك، فإن ما يعكر صفو مواقع الانترنت المحافظة هو صراحة مورثا، وليست الممارسات الوحشية المزعومة، حيث يواصل بعض المساهمين في هذه المواقع الكتابة عنه بوصفه حليفاً جباناً لفرنسا، بل باعتباره خائنا معاونا للقاعدة.

إذا كانت القدرة الغربية على تقبل السيناريوهات الوردية والتنبؤات المتفائلة بما سيؤول إليه الوضع في العراق فقط مقتصرة على الصقور البيروقراطيين، فإن ذلك لا يثير الاهتمام إلا بالكاد.

ولكن هذا العجز المقصود عن الرؤية يسود البيت الأبيض، وصفوف المشجعين من المحافظين الجدد قبل أشهر من الغزو. وقد قاد الامتناع عن سماع الانتقادات البناءة من الخبراء العسكريين أكثر من أي شيء آخر إلى تحضيرات غير متقنة واستراتيجيات غير ملائمة تركت العراق على حافة حرب أهلية.

وقد تمت تنحية مبدأ القوة القاهرة الذي تبناه كولن باول الذي كان وزير الخارجية آنذاك ،كما أن الخبراء في موضوعات الاستقرار والإعمار ومقاومة الحركة المسلحة تم تجاهلهم جميعاً. كما لو أن نصيحتهم المقررة كانت تشير إلى أنهم ليسوا متحمسين بصورة مناسبة للإطاحة بصدام حسين.

وقد قام نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بالتدقيق في أسماء أعضاء الفريق الذي اصطف للذهاب إلى العراق للإشراف على الإعمار، مستبعداً معظم الذين يتمتعون بالخبرة الحقيقية وأحل محلهم من هم على استعداد للموافقة دائماً على تقويمه القائل بأن الغزو سيكون مهمة يسيرة. وقد تم تفسير التخطيط للصعوبات باعتباره انهزامياً.

وفي الوقت الراهن فإنه حتى الرئيس بوش اضطر إلى النظر إلى خارج فقاعته الواقية نحو العالم الذي يقوم على أساس الواقع. وفي أواخر مايو الماضي اعترف بوش واقفاً بجانب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بالأخطاء التي ارتكبها، معتذراً عن خطاب رعاة البقر الذي كان يستخدمه في الأشهر الأولى من الحرب. كما أنه أقر بأن إساءة معاملة السجناء في أبو غريب شوهت صورة أميركا في الخارج.

ولكن لا يزال أتباع الرئيس يتم تكليفهم بوضع وطنية منتقدي الحرب موضع المساءلة. ويظل هناك رفض للحقيقة المُرة حول المغامرة العراقية وتأثيراتها على الشرق الأوسط، وعلينا نحن أيضاً. وبينما اعترف بالتحقيق حول حادثة حديثة، فإن رئيس لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب دونكان هانتر عارض طرح مورثا القائل ان المارينز كانوا تحت ضغط كبير قائلاً: «أرفض ذلك وبشدة».

حسناً، قد لا يكون الجنرال بارغويل كذلك. فقد أفادت تقارير منشورة أنه من المتوقع أن يقرر- من بين أمور أخرى- أن القوات المسلحة المدربة مصابة بالخلل، حيث يجري التشديد أكثر من اللازم على القتال التقليدي مع عدو قابل للرصد يرتدي زياً عسكرياً معروفاً، والتدريب على مقاومة الحركة المسلحة غير النظامية بشكل أقل.

يبدو الآن أنه من المحتمل أن مجموعة صغيرة من المارينز ارتكبت فظائع في بلدة حديثة- وإن صح ذلك- فإن هذه الأعمال يجب أن يتم فرض عقوبات على مرتكبيها.

ولكن يتعين هنا توجيه اللوم إلى العديد من الأطراف. ويجب أن يشمل ذلك بوش وتشيني وكل أعضاء الكونغرس الذين صوتوا على إعطاء الرئيس الضوء الأخضر لخوض الحرب، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي أدى جهله ولامبالاته إلى السماح بالحركة المسلحة في العراق بالنمو إلى درجة قاتلة، وكل صقر بيروقراطي قام حتى وقتنا هذا بإدانة الوطنيين مثل مورثا بأنهم جبناء وخونة.

بقلم: سينيثيا تاكر

ترجمة: كوثر علي

عن «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن»